انتهى عقد القاعة وأنواره الباهرة، لكن الليلة لم تنتهِ في القلوب؛ كان الفرح بالنسبة لسمر وحماتي مجرد غطاء زائف لانكسار أكبر لا يمكن ترميمه. طوال ساعات الحفل، كانت عيون المعازيم تتنقل بين أنواطة الذهب على يد سلمى وبين الهيبة التي يمشى بها حسام جنب خال زوجته الحاج متولي. العريس، الذي كان يظن أنه يتزوج من عائلة بسيطة سيتفضل عليها بعالي قدره، صار يتودد لحسام في كل لحظة، ويطلب منه التقاط الصور التذكارية معه ومشاركتهم في “تربيزة الكبار”، بينما سمر تبتلع غصص القهر والندم، ووجهها المغطى بالمكياج المطبّق يبدو كقناع باهت يخفي تحته فزعا كبيراً من الغد.
بمجرد أن أُغلقت أبواب القاعة وغادرت السيارات المزينة بالورود، ترجل حسام وسلمى وأطفالهما من سيارة الحاج متولي الفارهة أمام البيت. لم يدخل حسام بيت أمه، بل توجه مباشرة إلى شقتهم الصغيرة التي كانت تفوح منها رائحة الحزن بالأمس، لكنها الليلة كانت تبدو كحصن للكرامة والمجد.
في الصباح الباكر من اليوم التالي، لم تكن الشارعة قد استيقظت بعد حين سمعت سلمى طرقات متلاحقة وخفيفة على الباب. فتحت بحذر لتجد حماتها تقف في المجاز، تلتف بشالها القديم، ووجهها يحمل شحوباً لم تره عليها من قبل. كانت عيناها زائغتين ويدها ترتجف وهي تحمل كيسًا صغيراً فيه بقية جهاز سمر الذي نسوه في الغمرة.
دخلت الأم بخطوات ثقيلة، وقعدت على الكنبة التي شهدت بالأمس القريب صرخات الوجع وإهانات ابنتها. نظر إليها حسام وهو يرتدي بدلة العمل الجديدة التي اشتراها له الخال متولي للذهاب إلى مقر الشركة، وكانت مشيته قد أصبحت منتظمة ومستقيمة، بلا أثر للعرج أو الانكسار.
وقفت الأم تنظر إلى ابنها بذهول، وحاولت أن تبدأ الحديث بنبرة الرقة المتأخرة: “يا حسام يا بني… يا حبيبي، أنا طول الليل ما غمضتليش عين. اختك سمر تبكي في بيتها وترتعش، وعريسها من الصبح عمال يسأل عنك وعن شغلك وعن الحاج متولي، وهي خايفة لتتكشف قدامه إنك زعلان منها ومني.
يا بني المسامح كريم، دي أختك الصغيرة، والشيطان دخل بينكم.”
وقف حسام أمامه بثبات كالجبل، ورد بصوت هادئ لكنه كان أصلب من الحديد الذي وضعه الأطباء في ساقيه: “الشيطان ما يدخلش بين الناس يا أمي إلا لما يلاقوا له باب مفتوح من الكبر والغل. سمر ما أهانتش مراتي بس، سمر عيرتني بعجزي، وعيرت عيالي بفقري، وأنتِ كنتِ قاعدة بتشربي الشاي وبتهزي رأسك وتأيديها!
كنتوا شايفين إننا عار، ودلوقتي لما ربنا رفعنا وجاب لنا حقنا من وسع، بقيتوا خايفين من منظركوا قدام الناس اللي كنتم بتلحسوا ترابهم؟”
انهمرت دموع الأم، وقربت تحاول إمساك يد حسام، لكنه سحب يده برفق وأدب دون قسوة زائدة، قائلاً: “أنا مش هؤذي سمر، ولا هروح أقول لجوزها إنها كانت مستعرية من أخوها المكسور، لأن الكرم من طبعي وطبع مراتي اللي صانتني في عجزتي. بس اللي بيني وبين سمر انتهى. الشجرة اللي تقطع فرعها لما يجف، ما ترجعش تشبك فيه لما يخضر ويطرح.
بيتي مقفول في وشها، وفلوسي وشغلي مش هيدخل منهم جنيه واحد في بيتها، وده أخر كلام عندي.”
خرجت الأم وهي تجر أذيال الخيبة والندم، وعرفت أن ابنتها خسرت السند الحقيقي الذي لا يشترى بالمال، وأن اللحظة التي استعلت فيها سمر على أخيها كانت هي اللحظة التي حفرت فيها بئر وحدتها.
مرت الأيام وسارعت العجلة؛ انتقل حسام وسلمى وأطفالهما إلى الشقة الجديدة في الحي الراقي. كانت شقة واسعة تطل على حدائق غناء، أثثتها سلمى بنفسها بأرقى قطع الأثاث التي طالما حلمت بها وهي تقلب صفحات المجلات القديمة.
استلم حسام إدارة المخازن الرئيسية لشركة الخال متولي، وبفضل أمانته وذكائه الشديد في البيع والشراء، استطاع في غضون أشهر قليلة أن يضاعف أرباح الشركة، ليصبح اسمه يتردد في السوق كأحد أنجح التجار الشبان.
أما سمر، فقد بدأت أيامها المريرة تظهر سريعا. العريس الذي انخدعت به وبأهله وبمظهرهم المودرن، اتضح أنه رجل أناني، ديونه تتراكم عليه، وكان يطمع في أن يكون حسام هو المنقذ والضامن له في تجارته بعد أن رأى نفوذ الخال متولي.
وحين وجد أن حسام يرفض التعامل معه كلياً ولا يفتح له بابه، بدأ يعامل سمر بجفاء وقسوة، ويعيرها بأن عائلتها مفككة وأن أخاها الكبير لا يطيق رؤية وجهها.
وفي يوم شديد الحرارة من أيام الصيف، كانت سلمى تجلس في مكتب زوجها الفخم في الشركة تراجِع معه بعض الأوراق الخاصة بدار أيتام قررا رعاية أطفالها شُكراً لله على نعمه، حين دخل أحد موظفي الاستقبال بلطف وقال: “حسام بيه، فيه واحدة ست بره ومعاها طفل صغير ووالدتك، مصممين يقابلوا حضرتك وبيعيطوا.”
نظر حسام إلى سلمى، ونظرت هي إليه؛ كان كلاهما يعلم من يقف بالخارج. أشار حسام للموظف بالإذن بالدخول.
دخلت سمر، لكنها لم تكن سمر التي وقفت بالأمس على السر,,ـــــير تلوك الكلام وتنظر باستعلاء. كانت مطأطأة الرأس، تحمل طفلها الذي لم يتجاوز شهره السادس، وثيابها هادئة وبسيطة، وحول عينيها هالات سوداء تجسد سنوات من النكد والندم. خلفها كانت الأم تمشي بخطوات مكسورة.
وقفت سمر في منتصف المكتب الفخم، وبكت بصوت جريح هز جدران المكان: “سامحني يا حسام… سامحيني يا سلمى. والله العظيم الدنيا لفت بيّا وادبتني. جوزي بيذلني كل يوم، وأهله بياكلوا وشي، وما قعدليش حد في الدنيا يسندني غيرك يا أخويا.
أنا عرفت قيمتك وقيمة مراتي الأصيلة اللي كبرتك وصانتك، وأنا اللي كنت عمياء وبصيت للمظاهر الفارغة.”
ساد الصمت في المكتب لحظات، نظرت سلمى إلى الطفل الصغير في يد سمر، ثم نظرت إلى زوجها حسام. كانت تعلم أن الانتقام الشديد لا يليق بأصحاب النفوس العالية، وأن الله إنما رفعهم ليختبر كرمهم لا ليختبر قسوتهم.
قامت سلمى من مقعدها، وقربت من سمر، وأخذت الطفل الصغير من يدها وضمته إليها، ثم رفعت رأس سمر ببيان وهدوء: “يا سمر… احنا ما بنكرهكيش، لأن اللي ربنا بيكرمه ما بيبقاش في قلبه مكان للكره.
يوم ما عيرتينا بفقرنا وبمرض حسام، ربنا أخد بيدنا عشان يعلمك إن العز مش بالهدوم ولا بالشقق المودرن، العز بالراجل اللي يصونك والست اللي تشيل جوزها في كسرته. أنتِ أخت حسام، والطفل ده مالوش ذنب في كبرياء أميمة قديم.”
التفت حسام إلى سمر، ونظر إليها بعينين مليئتين بالحكمة والمسؤولية، وقال: “يا سمر، البيوت ما ببتدمرش من الفقر، البيوت ببتدمر لما القلوب تقسى وتستعلى.
أنا هسدد ديون جوزك، وهشغله معايا في فرع صغير تحت عيني عشان يعيشك بكرامة وما يذلكيش تاني، بس بشرط… أنك تعرفي إن الكرامة اللي اتداس عليها زمان، ربنا هو اللي حماها، وإن اللي يرجع لربنا ولأهله بصدق، البيوت بتتفتح له من جديد.”
سقطت سمر على ركبتيها وهي تبكي وتصيح بالدعاء لأخيها وزوجته، بينما احتضنت الأم ابنها وسلمى، وتبددت آخر قطرة من ظلام الماضي، لتبدأ صفحة جديدة عنوانها أن الحق لا يمــ,,ـــــوت، وأن أصل المعدن يظهر في أوقات الشدة.