منوعات

اخت جوزي حكايات رومانى مكرم 2

مرّت سنتان على ذلك اليوم الذي انطوت فيه صفحة القسوة في مكتب حسام، لكن عجلة الحياة لا تتوقف عن الدوران، والابتلاءات لا تأتي دائمًا في صورة فقر أو مرض، بل تأتي أحيانًا في صورة اختبار للقلوب بعد النعمة، ولمعدن الرجال حين تتشابك المصالح وتكثر الأموال.
أصبح حسام اسمًا يتردد بقوة في سوق التجارة بالتوزيع.

توسعت المخازن، وصارت شاحنات الشركة تجوب المحافظات من البحري إلى القبلي. انتقل حسام وسلمى إلى فيلا أسرية راقية في إحدى المدن الجديدة، وعاش أطفالهما في رغد ونعيم طالما حلمت به سلمى في أوقات الضيق. لم تنسَ سلمى أصلها؛ كانت يدها ممدودة بالخير لكل محتاج، ومجلسها مفتوحًا للقريب والبعيد، وظلت هي السند والناصح المخلص لحسام في كل قرار.
على الجانب الآخر، كان “مدحت” زوج سمر قد استلم إدارة أحد الفروع الصغيرة كما وعده حسام. في Bداية الأمر، أظهر مدحت الالتزام والانضباط، وأبدى امتنانه لحسام الذي أنقذه من الديون وأعاد لبيته الاستقرار.

ولكن مع مرور الوقت، ورؤيته للملايين التي تتداول في حسابات الشركة وللجهاه والسلطة التي يتمتع بها حسام، بدأت نقطة السوس القديمة تنشط في قلبه.
كان مدحت يحمل في داخله عقابًا نفسيًا مكتومًا؛ فهو يرى زوجته سمر باتت تنظر لأخيها حسام كأنه بطل خارق ولي نعمتهم، ويرى أهله الذين كانوا يستعلون سابقًا يتوددون لحسام ويطلبون قربه. تحول هذا الشعور بالصغر إلى غيرة أكالة، وبدأ مدحت يفكر في حيلة يثبت بها لنفسه وللجميع أنه ليس أقل من حسام، وأن الفرصة فقط هي ما كانت تنقصه.
بدأ مدحت يستغل الثقة المطلقة التي منحها له حسام باعتباره زوج أخته.

كان يدخل المخازن الرئيسية في أوقات متأخرة، ويبتكر طرقًا ملتوية في تقييد البضائع الواردة والصادرة، ويتفق مع بعض التجار الكبار من ذوي النفوس الضعيفة على تحويل جزء من شحنات البضائع لحسابه الخاص دون تسجيلها في الدفاتر الرسمية.
لم تكن سمر تعلم شيئًا عن ألاعيب زوجها، بل كانت تسعى بكل جهدها لتعويض سنوات الجفاء مع سلمى. كانت تزورها باستمرار، تساعدها في المناسبات، وتحرص على إظهار الاحترام الكامل لها أمام الجميع.

أما الأم “حمات سلمى”، فقد أصبحت طريحة الفراش لكبر سنها، وكانت سلمى هي من ترعاها وتتابع أدويتها وأطباءها بأمانة ورضا، مما جعل الأم تبكي ندماً كلما ذكرت الماضي، وتدعوا لسلمى بالبركة والستر في كل صلاة.
وفي أحد الأيام، وردت لحسام مكالمة هاتفية من خاله الحاج متولي، وكان صوته يتضمن نبرة قلق لم يعتدها حسام منه:
“يا حسام… فيه لعب كبير بيحصل في سوق التوزيع، بضايع من الماركات المسجلة باسم شركتنا بتنزل السوق بأسعار محروقة وبدون فواتير رسمية، وده عامل أزمة مع الموردين الكبار في جبل علي وفي ألمانيا.

فيه ثقب في مخازنك يا بني، ولو الموضوع ده ما اتقفلش فوراً، اسم الشركة اللي بنيناه بدمنا هيتهز في السوق كله!”
نزل الخبر على حسام كالصاعقة. كان يثق في نظامه وإدارته، لكنه علم أن الخلل لا يأتي إلا من مكان قريب جداً. قرر حسام عدم التسرع، وبمساعدة سلمى التي كانت تتمتع بذكاء حاد وبصيرة ثاقبة، بدأت بمراجعة دفاتر الحركة المالية والفواتير بنفسها في الليالي الهادئة.
قالت سلمى لحسام وهي تضع يدها على كتفه: “يا حسام، المال السايب بيعلم السرقة، والجهة الوحيدة اللي العجز فيها بيبدأ من الفرع الصغير وبيغطي عليه في المخزن الرئيسي هي الفرع اللي ماسكه مدحت.

أنا مش بتهم حد بالباطل، بس العاطفة في التجارة بتخسّر. لازم نعمل جُملة مفاجئة وجرد دقيق بالقطع والكرتونة.”
بالفعل، في فجر أحد الأيام، نزل حسام برفقة فريق كامل من المراجعين القانونيين والخبراء الماليين التابعين للحاج متولي على فرع مدحت وعلى المخازن الملحقة به. كانت الصدمة قاسية؛ اكتشف الخبراء اختلاسات وتزويرًا في الأوراق الرسمية بآلاف الجنيهات، فضلاً عن وجود شحنة ضخمة من البضائع المقلدة التي كان مدحت ينوي إدخالها باسم الشركة لجني أرباح خيالية على حساب سمعتها.
تم ضبط مدحت متلبسًا في مكتبه ومعه العقود المزورة. انهار مدحت وسقط عند قدمي حسام يترجاه ألا يبلّغ الشرطة، ويتوسل بأطفاله وبأخته سمر.

أما سمر، فحين وصلها الخبر، هرعت إلى الشركة ودموعها تسيل على خديها، لكنها هذه المرة لم تكن تدافع عن زوجها الظالم، بل كانت تشعر بالخزي والكسرة الشديدة من أخيها وسلفتها اللذين أكرماها وأكرموا زوجها بعد كل ما بدر منها.
وقفت سمر أمام حسام وسلمى، وقالت وهي تنتــ,,ـــــحب: “يا حسام… يا سلمى… أنا مش جاية أطلب منكم تسامحوا مدحت على خيانته لأكل عيشكم وسمعتكم. الراجل ده طعنكم في ضهركم بعد ما انتشلتوه من الضياع.

أنا اللي بطلبه منك يا أخويا إنك تاخد حقك بالقانون، وأنا من النهاردة مش هأقعد على ذمته يوماً واحد، لأني ما أتشرفش أكون على ذمة راجل خاين للنعمة والأمانة.”
نظر حسام إلى زوجته سلمى، ثم التفت إلى مدحت الذي كان يتأرجح بين الخوف والندم، وقال بصوت هز جدران المكان:
“أنا كان ممكن أرميك في السجــ,,ـــــن وبالمستندات تقضي بقية عمرك ورا القضبان، بس أنا مش هعمل كده عشان خاطر ولاد أختي وعشان اسم العيلة اللي وسخته. البضايع والأموال اللي سرقتها هتترد بالكامل من تنازلك عن حصتك وأملاكك، وتطلق سمر فتاً وبدون شروط، وتختفي من حياتنا ومن السوق كله..

ولو شفت وشك في نطاق الشركة أو البيت تاني، أوراقك هتكون قدام النيابة في نفس الدقيقة!”
وقع مدحت على تنازل كامل عن كل ما يملك وسدد الجزء الأكبر من خيانته، وطلق سمر وانكسر غروره وأطماعه إلى الأبد، ليخرج من حياة العائلة كما دخلها بلا قيمة ولا كرامة.
أما سمر، فقد عادت إلى بيت أمها مع أطفالها، لكنها عادت امرأة مختلفة تمامًا؛ تعلمت الدرس الأكبر في الحياة، وهو أن النعمة تحتاج إلى صون، وأن الأمانة هي السند الحقيقي، وأن أخيها حسام وزوجته الأصيلة سلمى هما الجبل الذي لا ينهدم مهما عصفت به الرياح.

اجتمعت العائلة في بيت حسام الجديد، وحول المائدة كان الحاج متولي يجلس وعلى يمينه حسام وعلى يساره سلمى وأطفالهم وسَمر وأبناؤها. نظرت سلمى إلى هذا الجمع وابتسمت ابتسامة رضا، متذكرة أيام الشقاء والكسرة التي مرت بها، وعرفت أن الصبر على الابتلاء والتمسك بالكرامة يثمران دائمًا عزًا لا يزول، وأن من ينوي الخير للناس يجعل الله له من كل ضيق مخرجًا.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى