المحامي اتصل بأخويا وقال له إن مشكلة البيت أكبر مما كانوا يتوقعون.
جزء من الأرض كان فعلًا محل نزاع، والصفقة كلها محتاجة مراجعة.
أخويا قعد على الكرسي وهو ماسك رأسه.
ولأول مرة، الفلوس اللي كان شايفها بداية حياة جديدة بدأت تتحول إلى مصدـ,,ـــر مشاكل.
أما مروة، فكانت قد اتخذت قرارًا آخر.
فتحت درجًا قديمًا في غرفتها، وأخرجت دفترًا صغيرًا.
كان فيه كل جنيه صرفته على البيت، وكل مرة ساعدت فيها زوجها، وكل مرة اضطرت فيها للعمل لتنقذ الأسرة من أزمة.
وضعت الدفتر أمام المحامي وقالت
أنا مش عايزة أظلــ,,ـــــمه.
بس عايزة كل حاجة تتوثق.
المحامي قلب الصفحات، ثم توقف عند صفحة معينة.
رفع عينيه وقال
مروة… الأرقام دي مهمة جدًا.
سألته
ليه؟
قال
لأن فيه مبلغ كبير اتدفع في البيت اللي عايشين فيه من فلوسك أنتِ كمان.
مروة اتصدمت.
فلوسي أنا؟
أيوه.
سكتت طويلًا.
ثم قالت
يبقى أنا مش هطلع من البيت.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت إن المبلغ اللي اكتشفه المحامي لم يكن مجرد فلوس ادخرتها مروة من شغلها…
كان مرتبطًا بورقة قديمة جدًا، موقعة من أخويا نفسه.
ورقة كان فاكر إنها اختفت من سنين.
ولما مروة عرفت مكانها…
قررت تستخدمها في اللحظة المناسبة مروة والزوجة الجديدة الورقة القديمة
في اليوم التالي، مروة رجعت لمكتب المحامي ومعاها صندوق صغير كانت مخبياه من سنين.
حطته على المكتب وقالت
الصندوق ده كان عندي من وقت ما اتجوزنا.
المحامي فتحه، فلقى إيصالات قديمة، وعقود،
وصور تحويلات بنكية، وكل ورقة كانت مروة محتفظة بيها بعناية.
لكن وسط الأوراق كان فيه ظرف بني قديم.
مروة قالت
الورقة دي أخويا… قصدي جوزي، كتبها بإيده من سنين.
فتح المحامي الظرف.
قرأ الورقة مرة، ثم أعاد قراءتها.
وبص لمروة بدهشة.
إنتِ كنتِ محتفظة بده طول الوقت؟
قالت
كنت ناسية وجوده أصلًا.
الورقة كانت إقرارًا قديمًا بأن جزءًا من الأموال التي دُفعت في شراء البيت كانت من مدخرات مروة، وأن أخويا كان يعتبرها مساهمة منها في ملكية البيت.
المحامي قال
الورقة دي ممكن تغير موقفك تمامًا.
مروة لم تبتسم.
قالت
أنا مش عايزة أخد حاجة مش حقي.
ثم أضافت
بس مش هسمح له ياخد تعبي كله ويعتبرني ولا حاجة.
في نفس الوقت، كان أخويا عند المحامي بتاعه.
قال بعصبية
أنا عايز أخلص الموضوع ده بسرعة.
المحامي رد
لازم تهدى. فيه مستندات ظهرت ممكن تأثر على ملكية البيت.
مين طلعها؟
المحامي سكت.
فهم أخويا.
مروة؟
هز رأسه.
أخويا ضــ,,ـــــرب بإيده على المكتب
هي كانت مخبية الورقة دي!
قال المحامي
الورقة بتقول إن ليها مساهمة مالية في البيت.
أخويا سكت.
بعد لحظات قال
بس أنا كنت فاكر إن الورقة دي ضاعت.
المحامي رد
واضح إنها ما ضاعتش.
في المساء، رجع أخويا البيت.
مروة كانت قاعدة في الصالة.
قال لها
إنتِ كنتِ مخبية الورقة؟
قالت بهدوء
لأ. كنت ناسية إنها موجودة.
وليه ما قلتيليش؟
عشان أنا ما كنتش عارفة إنها مهمة.
جلس أمامها.
ولأول مرة من شهور، لم يكن صوته غاضبًا.
قال
أنا غلطت.
مروة بصت له باستغراب.
أول مرة تقولها.
قال
أنا كنت فاكر إني لما يكون معايا فلوس، أقدر أبدأ من جديد وأسيب كل التعب اللي عشته.
ردت
وأنا كنت جزء من التعب ده؟
سكت.
قالت
أنا كنت مراتك، مش مرحلة خلصت منها.
خفض رأسه.
وفي اللحظة دي دخلت هلا.
كانت واقفة
عند الباب، وسمعت آخر جملة.
قالت بهدوء
أنا عايزة أتكلم مع مروة لوحدنا.
أخويا بص لها باستغراب.
دلوقتي؟
هزت رأسها.
أيوه.
خرج هو من الغرفة.
جلست هلا أمام مروة.
قالت
أنا مش جاية أطلب منك حاجة.
مروة ردت
وأنا مش عايزة أطلب منك حاجة.
هلا أخذت نفسًا عميقًا وقالت
بس فيه حاجة لازم تعرفيها.
إيه؟
أخوكي… أقصد زوجك، ما قالليش الحقيقة كلها عن فلوسه.
مروة رفعت حاجبها.
يعني إيه؟
قالت هلا
أنا كنت فاكرة إنه عنده خمسة مليون جنيه كاملة، زي ما قال.
ثم أخرجت هاتفها وفتحت رسالة.
لكن قبل كتب الكتاب بيوم، عرفت إن جزء كبير من الفلوس اتحط في مشروع باسم شخص تاني.
مروة سكتت.
وإنتِ متأكدة؟
هلا هزت رأسها.
أيوه.
ثم قالت جملة جعلت مروة تشعر أن القضية كلها ستأخذ اتجاهًا جديدًا
وأنا أظن إن الشخص ده… مش غريب عنه.
في نفس اللحظة، سمع الاثنان صوت مفتاح الباب.
دخل أخويا.
وكان واضح من وجهه أنه سمع آخر جملة.
قال
إنتِ عرفتي منين؟
هلا قامت واقفة.
من الورقة اللي لقيتها في مكتبك.
مروة نظرت إليه.
هذه المرة لم يكن عندها سؤال واحد…
كان عندها عشرات الأسئلة.
والأخطر أن أخويا لم يعد يستطيع إخفاء الحقيقة مروة والزوجة الجديدة الحقيقة التي ظهرت
أخويا وقف في نص الصالة، وبص لهلا بحدة
إنتِ فتشتي في مكتبي؟
هلا ردت
أنا ما فتشتش. الورقة كانت فوق المكتب، ووقعت قدامي.
مروة كانت ساكتة، لكن عينيها ما فارقتش وشه.
قالت
الفلوس راحت فين؟
أخويا حاول يتهرب
الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
أمال إزاي؟
سكت.
هلا قالت
قولي لها الحقيقة.
بص لها بغضب
إنتِ مالك؟
ردت
مالي إني مش هبدأ حياتي على كذبة.
الجملة دي خلت أخويا يسكت.
وبعد لحظات، قعد وقال
جزء من الفلوس حطيته في مشروع.
مروة سألته
مشروع إيه؟
مشروع تجاري.
باسم مين؟
هنا أخويا ما ردش.
مروة قربت خطوة
باسم مين؟
قال أخيرًا
باسم سعاد.
أنا كنت واقفة عند باب الصالة، ولما سمعت اسمي، حسيت الدنيا دارت بيا.
باسمي أنا؟!
أخويا بصلي
كنت محتاج أفتح المشروع بعيد عن اسمي عشان بعض الإجراءات.
مروة بصت لي.
نظرتها كانت هادية، لكنها مليانة أسئلة.
وإنتِ كنتِ عارفة؟
هزيت رأسي بسرعة
والله ما أعرف حاجة.
أخويا قال
سعاد ملهاش ذنب.
لكن مروة لم ترد.
كانت تفكر.
ثم قالت
يعني الفلوس اللي كنت بتقول لي إنها مش موجودة، جزء منها كان في مشروع باسم أختك؟
أخويا سكت.
مروة أخذت نفسًا طويلًا.
خلاص.
أخويا سأل
خلاص إيه؟
قالت
أنا مش هعمل مشكلة.
اتنفس براحة.
لكنها أكملت
بشرط.
إيه؟
كل حاجة تتكشف قدام المحامي.
في اليوم التالي، اجتمعنا كلنا في مكتب المحامي.
كان قدامنا ملفات كثيرة.
المحامي بدأ يراجع المستندات واحدًا واحدًا.
ثم توقف فجأة.
قال
فيه حاجة غريبة.
أخويا سأله
إيه؟
المحامي أخرج عقدًا قديمًا.
المشروع ده اتفتح قبل استلام الميراث بشهر.
أخويا اتوتر.
مستحيل.
المحامي رد
التاريخ موجود.
مروة نظرت إليه.
يعني المشروع كان مخطط له من قبل؟
أخويا ظل صامتًا.
المحامي أكمل
والأغرب إن فيه تحويل مالي دخل للحساب قبل استلام الميراث.
هنا هلا قالت
يعني الفلوس ما بدأتش بعد الميراث؟
المحامي هز رأسه.
بالضبط.
مروة بدأت تفهم أن الموضوع أكبر من مجرد زواج جديد.
قالت
مين حط الفلوس دي؟
المحامي قلب الورقة.
ثم قال اسمًا جعل أخويا يرفع رأسه فجأة
والدك.
ساد الصمت.
أخويا قال
أبويا؟
المحامي أومأ.
أيوه. وفيه مستندات تثبت إن المبلغ ده كان جزءًا من تسوية قديمة.
مروة بصت لأخويا.
يعني أبوك كان محضر لك الفلوس دي من قبل؟
أيوه.
وإنت كنت عارف؟
أخويا لم يرد.
مروة قالت
يبقى كل الفترة اللي كنت بتقول فيها إنك مديون ومفيش فلوس… كنت عارف إن فيه مبلغ كبير جاي لك؟
ظل ساكتًا.
هنا أنا لأول مرة حسيت بالخجل من نفسي.
افتكرت كل مرة مروة كانت تيجي تنظف عندي عشان تساعده.
كل مرة كانت تمسك ال جنيه وتقول ربنا يخليكي.
وإحنا كنا بنخليها تشتغل وهي فاكرة إن جوزها محتاج.
لكن المفاجأة لم تكن انتهت.
المحامي أخرج ورقة أخيرة وقال
فيه بند هنا لازم الكل يعرفه.
قرأ الورقة، ثم رفع عينيه
الميراث نفسه مش خمسة مليون فقط.
أخويا انتفض
إيه؟
المحامي قال
فيه أصل آخر… قيمته أكبر من المبلغ اللي اتصرف.
مروة سألته
يعني إيه؟
المحامي وضع الورقة على المكتب وقال
فيه عقار آخر كان داخل في نصيبه، لكن لحد الآن محدش طالب به رسميًا.
أخويا ظل ساكتًا.
أما مروة، فبصت له وقالت
واضح إننا لسه ما عرفناش الحقيقة كلها.
وفي اللحظة دي، رن هاتف المحامي.
رد.
سكت يسمع.
ثم قال
حضرتك متأكد من الاسم؟
تغيرت ملامحه.
أغلق الهاتف ببطء.
ثم نظر إلى أخويا وقال
الشخص اللي بيطالب بالعقار… وصل النهارده.
وكان اسمه شخصًا نعرفه جميعًا مروة والزوجة الجديدة الزائر الغامض
المحامي قفل المكالمة، وبص لأخويا مباشرة.
الشخص اللي طالب بالعقار وصل.
أخويا قام من مكانه.
مين؟
المحامي قال
عماد.
أخويا اتجمد.
مروة بصت له باستغراب
مين عماد؟
لكنه ما ردش.
أنا كمان ما فهمتش.
المحامي قال
عماد ده كان شريك والدكم في مشروع قديم.
أخويا قال بسرعة
ده موضوع انتهى من سنين.
المحامي رد
واضح إنه ما انتهيش.
وبعد دقائق، الباب اتفتح ودخل رجل في أواخر الخمسينات، ماسك ملف جلدي قديم.
وقف قدامنا وقال
أنا مش جاي أخد حاجة مش حقي.
ثم بص لأخويا
أنا جاي أطلب تنفيذ اتفاق والدك.
أخويا قال بعصبية
مفيش اتفاق بيني وبينك.
عماد ابتسم
أنا ما قلتش بيني وبينك.
ووضع الملف على المكتب.
الاتفاق كان بيني وبين والدك.
المحامي فتح الملف، وبدأ يقرأ الأوراق.
كلما قلب صفحة، كانت ملامحه تتغير.
مروة كانت تراقب في صمت.
ثم قالت
ممكن أفهم اللي بيحصل؟
عماد رد
والد زوجك كان شريكًا معي في مشروع عقاري. قبل وفاته، حصل خلاف بيننا، واتفقنا
على تقسيم بعض الممتلكات.
أخويا قاطعه
وأبويا حل الموضوع قبل ما يمــ,,ـــــوت.
عماد هز رأسه
لا.
ثم وضع ورقة أمامه.
والدك كتب اتفاقًا جديدًا قبل وفاته بشهر.
المحامي قرأ الورقة، ثم قال
الاتفاق ده صحيح من حيث المبدأ.
أخويا أمسك الورقة.
مستحيل.
عماد قال
والدك كان يعرف إن نصيبك في الميراث أكبر مما تتخيل، لكنه كان حاطط شرطًا.
مروة سألت
شرط إيه؟
عماد نظر إلى أخويا وقال
إن جزءًا من العقار لا ينتقل إليك إلا بعد تسوية ديون المشروع القديم.
أخويا ضــ,,ـــــرب بيده على المكتب.
يعني العقار مش ملكي؟
جزء منه فقط.
سادت لحظة صمت.
ثم قال عماد
وفي حاجة تانية.
أخويا رفع عينيه.
إيه؟
عماد أخرج صورة قديمة.
وضعها أمامه.
كانت صورة لأخويا ووالده وعماد أمام العقار.
لكن خلف الصورة كان مكتوب تاريخ قديم جدًا.
مروة أخذت الصورة.
قلبتها.
ثم قرأت الكلام المكتوب خلفها.
وفجأة تغير وجهها.
قالت
التاريخ ده قبل جوازكم بسنة.
أخويا بص لها.
وبعدين؟
قالت
يعني أبوك كان مخطط لكل حاجة من بدري.
عماد قال
والدك كان يريد أن يحميك من قرار متهور.
أخويا سأل
قرار إيه؟
عماد نظر إلى مروة.