منوعات

دنيا وحسن بقلم ملك ابراهيم

دنيا اتكلمت وسط العياط: “أنا بدور على حسن أخويا .. بابا وماما عند ربنا وعمّي خد فلوسنا وحسن سابني هنا ومشي. الراجل بص لمراته، وبنتهم صحيت وبصّت لدنيا بعينين خايفين ومُشابهين. مراته خدت دنيا في حـ,ـضنها، وناولتها سندوتش جبنة من شنطتها: “كولي يا روحي لحد ما نوصل”. دنيا كلت لقمة، ومسكت إيد البنت الصغيرة، كأنها لقت طوق نجاة. الراجل قال له مراته بهمس: “ناخدها معانا ونبلغ في المحطة الجاية”. دنيا نامت وهي متشبثة بإيد البنت، والقطر بيجري بيهم.زووم اتون ادسمنذ 3 أيام 6 دقائق
الست ردت علي جوزها: لو سلمناها في المحطة هتتبهدل..

احنا هناخدها معانا لحد ما يظهر لها أهل.. ولو مظهرش حد أهي تعيش معانا وتساعدني في شغل البيت. حسن كان نايم في بيت ناظر المحطة بيحلم بأخته، مش عارف هيلاقيها ازاي؟ ودنيا مع ناس اغراب متعرفش مصيرها معاهم هيكون ايه؟ ناظر المحطة لفّ مع حسن على اخته في كل المحطات ، شهور عدّت. كل قطر يصفّر، حسن يجري للرصيف، وبعدين يرجع خطواته تقيلة. سؤال واحد بيعيش في دماغه : ياتري آنتي فين يا دنيا ؟

لحد ما ليلة، قعد على الكنبة وفقد الامل انه يلاقي اخته عبد الرحيم حط إيده على كتفه: “هنفضل ندور”. حسن هز راسه، وبلع ريقه وسكت. غمض عينه على ضوء السلم الأصفر، واتخيل دنيا بتضحك في حتة بعيدة، ومكانش عارف إنها في نفس اللحظة ماسكة إيد بنت تانية وخايفة تنام أحسن تختفي زي ما حسن اختفى.

السنين جريت، وعبد الرحيم ما خلاش كلمة من وعده تهبط. دخّل حسن المدرسة، يصحى له بدري، يذاكر له تحت لمبة السلم، وكل قرش يجيبه من المحطة يخبيه لهدوم ومصاريف. حسن كبر وهو شايل صورة دنيا في العين وبروازها متني في محفظته. خلص ثانوية، عبد الرحيم باع غويشة لمراته عشان أول قسط في الجامعة، وحسن دخل حقوق. الليالي كانت سهر ومذكرات، والصبح يشتغل في المخازن. لما النتيجة طلعت، عبد الرحيم علّقها على الحيطة بإزاز، ومراته دبـ,ـحت فرختين ونادت الجيران: “ولدنا كبر وبقى محامي”.
لما سن الجواز دق، العرسان بدأوا يدقوا الباب. أغلبهم جايين عشان دنيا: “سمعنا عن البنت الحلوة اللي عندكم”.

نعيمة مؤدبة وبنت حلال، لكن دنيا جمالها سارق العين. أم نعيمة كل مرة تبتسم للضيوف، وبعد ما يمشوا تسيب الباب وتدخل تكتم غيظها. أبو نعيمة يرمي كلمة عابرة: “البيت بيت بنتي، واللي ييجي لنعيمة أهلا، واللي يجي لدنيا…يتفضل يمشي”. دنيا تحس بالوشوشة، تبعد عن الصالة، وتساعد في المطبخ زيادة، كأنها بتتأسف على حاجة ما عملتهاش. مرة سمعت أم نعيمة بتقول لجارتها : “مصلحة بنتي أهم”. دنيا بلعت ريقها، ودخلت توَضّب أوضة نعيمة، حطت الطرح ع الدولاب ورتبت السر,,ـــــير، وفضلت سرحانة في شباك المطبخ: لو حسن هنا، كان دخل ضحك، وقال “محدش قدك يا دنيا”، ومشي الزعل بكلمة.

بس حسن بعيد، وهي كل يوم تشيل شعور إنها ضيفة زادت على أهلها، وتحاول تعوّضه بخدمة صامتة، وعيونها تنام كل ليلة على صورة ولد صغير في خيالها، مش عارفة إن الزمن كبّره وبقى محامي بيدوّر عليها في كل محضر.الليلة دي ام نعيمة ما طوّلتش في اللف والدوران. دخلت على دنيا وهي لسه بتطبق الغسيل، وقفلت الباب وراها:
— كفاية علينا لحد كدا. بنتي عانس جنبك، وكل اللي ييجي يمشي من بابنا عشانك. روحي لحالك بعيد عننا.

دنيا اتجمدت، الغسيل وقع من إيدها: “طب أروح فين؟” ام نعيمة بصت الناحية التانية: “ربنا يسهلك، دوري على أهلك”. لمّت دنيا طرحتين وحاجاتها في كيس بلاستيك، ونزلت السلم قبل ما أبو نعيمة يرجع من القهوة عشان ما تبصش في وشه. الشارع استقبلها تاني، بس المرادي مافيش حسن يمسك إيدها. مشيت لحد ما رجليها وجعوها، قعدت على رصيف محطة ، حـ,ـضنت ركبها، وجواها صوت واحد بيتكرر: “حسن… لو لقيتك بس”.

الليل كان بارد، والطرحة على راسها قديمة، بس الحلم اللي شايلاه جديد ومضواي: تلف المدن لحد ما تلاقي اسم اخوها على يافطة، أو تسمع حد بينده على واحد اسمه حسن، ويطلع هو. نامت على الكرسي وهي حاطة الكيس تحت راسها، وعينيها مقفولة على خيال ولد صغير ماسك إيدها وبيعدّي بيها من الشارع للمحطة، زي زمان.دنيا فضلت ماشية في شارع ضلمة، حواري أضيق من صوتها. راجل طالع من خمارة سدّ عليها الطريق، عينه حمرا وريحة بقه عفنة، ومَد إيده. دنيا رجعت خطوة، وهو قرب، إيدها لمست قالب طوب جنب حيطة.

لما هجم، ضـ,ـربته على دماغه بكل الرعـ,ـب اللي فيها، وقع سايح في دـ,ـمه، وهي جريت. الراجل دخل المستشفى بين الحياة والمـ,ـوت، والشرطة جابتها من كاميرا محل. في القسم، دنيا بتحكي: “حاول يلمسني”، والمحضر مكتوب سـ,ـرقة. الضابط بيبص لقيد التعريف: لا شهادة، لا أهل، لا عنوان. اتحبست احتياطي.

جوه الحجز، السقف عالي واللمبة بتطن. دنيا على بلاط بارد، بتفتكر إيد حسن وهي بتعدّيها الشارع. بتنام على صوت مفتاح الزنزانة، وتصحى على اسمها وهى نازلة تحقيق. كل مرة تقول: “ما سـ,ـرقتوش… ده كان هيإذيني”، بس الورقة ما بتتـ,ـغيرش. في ليلة هادية، همست لنفسها: “يا رب ألاقي أخويا حسن أنا محتاجاه آوي دلوقتي “، وما عرفتش إن اخوها اللي بيدوّر من سنين بقى محامي، وإن اسمه اتردد الأسبوع اللي فات في نيابة جنب زنزانتها، من غير ما الجدران تقول.اليوم بتاع الجلسة جه، دنيا وقفت في القفص، إيدها ماسكة حديدة باردة. قبل قضيتها كان في مرافعة تانية؛

محامي شاب واقف ببدلة غامقة، صوته هادي وواضح: “التهمة بلا دليل، والشهود ما شافوش حاجة، ونطلب براءة”. القاعة ساكتة، والكل مركز معاه. دنيا عينيها عليه، قلبها بيدق بسرعة مش فاهمة ليه: الملامح، الوقفة، النبرة فيها حاجة مألوفة، كأنها شافت هذا الشاب زمان، صغير، وهو يشدها بعيد عن الازاز قدام مطعم.
حاولت تركز في الكلام، بس دماغها بتعيد ملامحه: الخط حوالين العين، الحركة وهو بيشاور للقاضي، الضغطة الخفيفة على سنانه لما بيتضايق. همست لنفسها: “حِسن؟” الكلمة وقعت جوه قلبها قبل ما عقلها يصدق.

القاضي خبط بالجلسة اللي بعدها، دنيا رجعت خطوة لورا، عينيها عليه وهو بيجمع ورقه، مستنية أي لمحة تقولها إن الحدس ده صح، أو إن التعب خَلاها تشوف اللي هي عايزاه في أي شاب مألوف.القاعة فضيت شوية، والقاضي طلع يراجع الأحكام. المحامي الشاب قرب من موكلته في القفص يطمنها ويوعدها بالبراءة. دنيا، إيدها متعلقة بالقفص، نادت عليه بصوت مبحوح:

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى