طاهر مقدرش ينام ليلتها. فضل يتقلب في الصرير، وعينه على السقف. الكلام كان بيتردد في ودنه زي صوت القطر. “المزور”.. “النهب”.. “الست لما ميبقاش عندها حاجة تخاف عليها”.كان يسأل نفسه: “البت دي جابت الجبـ,ـر…
طاهر مقدرش ينام ليلتها. فضل يتقلب في الصرير، وعينه على السقف. الكلام كان بيتردد في ودنه زي صوت القطر. “المزور”.. “النهب”.. “الست لما ميبقاش عندها حاجة تخاف عليها”.كان يسأل نفسه: “البت دي جابت الجبـ,ـروت ده منين؟ دي كانت بتبكي لو صوتي علي!” مكنش فاهم إن الظلم المستمر بيمـ,ـوت الخوف في القلوب، ومبيفضلش غير الرغبة في رد الاعتبار.الصبح طلع، وطاهر نزل المحل ووشه أصفر ومخطوف. محمود أخوه الكبير شافه بالمنظر ده، قعد جنبه وقاله: “مالك يا طاهر؟
وشك مقلوب ليه؟ البت نكدت عليك عاد؟ ما قولتلك من الأول، اللي تمد إيدها على مال جوزها وتسرقه متعمرش.”طاهر حس بغصة في حلقة. لقى نفسه مش قادر يجاري أخوه في الكدبة اللي هو نفسه ألفها. بلع ريقه وقال بصوت مكتوم: “لا يا محمود.. مفيش حاجة، مريم قايمة بالبيت وزيادة.. الظاهر بس أنا اللي مضغوط في الشغل.”محمود بصله باستغراب وسكت.مر أسبوع، ومريم مكنتش بتتكلم. بتطبخ، وتنظف، وتهتم بالواد، بس وجودها في البيت كان زي الطيف.. هدوء يسبق العاصفة. وطاهر كان عايش في رعب الأيام اللي بتجري من مهلة الشهر.في يوم الجمعة، الحاجة توحيدة، أمه، عزمت العيلة كلها عندها في الدوار الكبـير.
طاهر ومريم راحوا، وأول ما مريم دخلت، زوجات إخوات طاهر لووا بوزهم، وأمه قعدت تربع في قعدتها وبصت لمريم بقرف وقالت: “أهو الهانم شرفت.. اطلعي يا مريم مع الحريم في المطبخ ساعديهم، ولا إنتي جاية تقعدي هانم ورجلك فوق رجل؟”مريم ماردتش، ابتسمت هديت وقامت عشان تدخل المطبخ.طاهر، اللي كان قاعد وعينه على مريم، شاف نظرة التحدي في عينها قبل ما تدير وشها.
افتكر الوعيد والورق والفـ,ـضائح وسط السوق. جسمه كله اتنفض، وحس إن اللحظة دي هي اللي هتحدد مصيره.وقف في وسط المضيفة، وقدام أمه وإخوته كلهم، وقال بصوت عالي حاد: “استني يا مريم.. مفيش دخول مطبخ، ومفيش حد هنا يكلم مراتي بالنبرة دي واصل!”المضيفة كلها سكتت. الحاجة توحيدة نزلت رجلها من على الكنبة وبصت لابنها بذهول: “وعال! أنت بتعلي صوتك في بيتي وعشان مين؟ عشان اللي…”طاهر قاطعها وقلبه بيمـ,ـوت من الخوف بس مكنش قدامه حل تاني: “عشان مراتي وست بيتي يا أماه!
أنا سكت كتير، بس لحد هنا وخلصت. مريم ممدتش إيدها على حاجة، ولا عمرها كانت نكدية ولا مهملة.. الشيطان هو اللي كان عا ميني، وأنا اللي كنت بتبلى عليها لما كنا بنختلف، عشان أبان أنا الراجل اللي مفيش منه!”محمود أخوه وقف وزعق: “أنت بتقول إيه يا طاهر؟ أنت اتهبلت؟ أنت مش جيت بكيت لأبوها وقرطستنا كلنا؟”طاهر بص في الأرض وقال بنبرة مكسورة حقيقية: “كنت غلطان.. وربنا يحاسبني على كل كلمة ظلم قولتها في حقها. مريم ست أصيلة، واستحملت طبعي وحمقي، والكل لازم يعرف إنها طاهرة وشـ,ـريفة وضفرها برقبة أي حد يلقح عليها كلمة.
“الحاجة توحيدة وشها جاب ألوان، وبصت لمريم اللي كانت واقفة عند باب المطبخ، ملامحها هادية، مفيش على وشها غير نظرة نصر باردة وصامتة.بعدها بساعتين، كان طاهر ومريم في العربية راجعين على بيت أبوها.طاهر كان سايق وإيديه بترتعش على الدريكسيون. بص لمريم وقال بصوت مخنوق: “أهو.. قولت قدام أهلي كلهم وكسرت كلمتي وكلمة أمي في الأرض.. ارتحتي عاد؟”مريم مبصتلوش، كانت بتبص من الشباك على الغيطان اللي بتجري، وقالت ببرود: “ده نص الحق يا ابن علوان.
. فاضل النص التاني.. أبويا.”وصلوا بيت مرزوق. الراجل العجوز فتح الباب وهو مستغرب من جيتهم من غير ميعاد. طاهر دخل، والمكان كان ضيق، بس في عين طاهر ليلتها كان أضيق من خرم الإبرة.أبو مريم قال بقلق: “خير يا ولدي؟ في حاجة تانية حصلت؟”طاهر، وعينه في الأرض، قدم خطوتين، ومسك إيد الراجل العجوز وبـ,ـاسها، وبعدين وطى راسه وباس على رأسه قدام خيلان مريم اللي كانوا قاعدين بالصدفة.طاهر قال بصوت مسموع: “سامحني يا عم مرزوق.. أنا جيت لحد بيتك أهو وبقولك بنتك ست الستات، وأنا اللي غلطت في حقها وشيطان ونعلته..
حقك عليا، ورقبتي سدادة لأي حاجة تطلبها.”الراجل العجوز دمعت عينيه وبص لبنته وهو مش مصدق إن جوزها “الفرعون” منكسر بالمنظر ده. لما رجعوا شقتهم بالليل، وقفلوا الباب.طاهر رمى نفسه على الكنبة، حاسس إنه اتهد، هيبته قدام أهله راحت، وصورته قدام نسايبه اتهزت. بص لمريم وقال بمرارة: “أنا عملت كل اللي أنتي عايزاه.. ووطيت راسي قدام الصغير والكبير.. الورق والدفتر اللي معاكي فين بقا؟”مريم مشيت بخطوات بطيئة لحد ما وقفت قدامه. فتحت شنطتها، وطلعت الدفتر القديم، وحدفته في حجره.طاهر فتح الدفتر بلهفة.
. وشه اتقلب، وعينيه برقت بصدمة وهو بيقلب في الصفحات.الدفتر كان كله أبيض.. مفيش فيه ورقة واحدة مكتوبة! لا ورق قرض، ولا تزوير، ولا حسابات شريكه!بص لها وهو مش قادربينطق، شفايفه بترتعش: “أنتي.. أنتي ممعاكيش حاجة؟ كنتي بتغفليني؟”مريم ابتسمت، أول ابتسامة حقيقية من خمس سنين، وقالت بثقة خلت ركبه تسيب:”أنا ممعاييش ورق يا طاهر.. بس معايا قلبك اللي كان بيمـ,ـوت من الخوف على قرشك وسمعتك ومحلك.. أنا عمري ما كنت حرامية ولا هكون، وعمري ما هفضح أبو ابني بره البيت. بس كان لازم أهد المعبد اللي أنت بنيته على كتافي بالكدب.
. كان لازم أخليك تلم السم اللي بخيته في قلوب الناس بنفسك.”قربت من باب الأوضة، ولفت وشها وقالتله الكلمة الأخيرة:”الناس بره دلوقتي رجعت تحترمني.. وأهلك هيعملوا لي ألف حساب.. وأبويا نام ليلته وهو رافع راسه.. وأنت لسه جوزي وأبو ابني.. بس من النهاردة، البيوت دي ليها أصول، واللي يفكر يهد مراته عشان يعلى.. بيصحى يلاقي نفسه في القاع.. تصبح على خير يا ابن علوان.”دخت ورزعت الباب، وسابته مع الدفتر الفاضي، يواجه الحقيقة اللي هو صنعها بخوفه، والبيت اللي مبقاش ينفع يتمر ع فيه تاني.طاهر فضل قاعد في الصالة مكانه لحد ما الفجر أذن.
الدفتر الفاضي في حجره كان أتقل عليه من جبل. كان بيبص للورق الأبيض ويحس بالغل والخوف بياكلوا في قلبه؛ الغل لأنه اتغفل واتلوى دراعه بحبل ديب دايب، والخوف من الست اللي نايمة جوه دي، اللي عرفت تلمسه من الحتة اللي بتوجعه من غير ما تملك في إيدها ورقة واحدة.قام وقف، وطق طق صوابعه بغيظ، وبص لباب الأوضة المقفول وقال بصوت واطي حاقد: “ماشي يا مريم.. بعتيني الهوا وخلتيني فرجة لأهلي وناسي؟ وحياة حرقة دمي دي ما هعديهالك.. البيوت المقفولة ياما بتشيل، واليومين دول هيعدوا، وترجعي تحت إيدي تاني.”الصبح جه، والحياة برة البيت مكنتش زي جوة.
طاهر نزل المحل، وأول ما دخل، لقى نظرات العمال متغيرة. محمود أخوه دخل وراه، وقفل باب المكتب، وبص له بنظرة حادة وقاله: “أنت صغرتنا النهاردة قدام الحريم يا طاهر. أمك قافلة على نفسها الأوضة من امبارح ومقاطعة الزاد، بتقول ولدي كسر كلمتي عشان خاطر مراته. أنت إيه اللي جرى لعقلك؟”طاهر بلع الإهانة، مكنش قادر يقول لمحمود إنه كان خايف من الفضـ,ـيحة، فقال وهو بيجز على سنانه: “يا محمود، أنا قولت اللي يرضي ربنا.. وميرضيش حد إننا نظلم ولية.”محمود سابه وخرج وهو بيقول بقلة حيلة: “براحتك يا ابن أبويا، بس اللي يطاطي للحريم، يستحمل مرارهم.
“أما عند مريم، فالوضع كان مختلف تماماً.أبوها جاعلها البيت العصر، شايل في إيده شنطة فاكهة ووشه منور ومبسوط. دخل وسلم على بنته وباس راسها وقال بدموع: “أنا نمت امبارح يا مريم وأنا حاسس إن أمك الله يرحمها راضية عني. طاهر جالي لحد عندي ووطى على راسي، والبلد كلها عرفت إن بنتي غالية وست الستات.
أنا كنت قاسي عليكي يا بنتي، بس الخوف من كلام الناس كان عا ميني.”مريم طبطبت على إيد أبوها وقالت بنبرة راضية: “متقولش كده يا أبا، أنت فوق راسي، والحمد لله إن الحق ظهر.”مرت الأسابيع، وطاهر كان بيحاول يرجع هيبته في البيت باي طريقة.بدأ يرجع لأسلوبه القديم بالتدريج؛ يدخل البيت يرمي الحاجه، يتلكك على شكل الأكل، يزعق للواد الصغير من غير سبب، وعينه دايماً على مريم، مستني منها غلطة، أو لفتة ضعف عشان يرجع يكسر عينها تاني ويعوض الكسرة اللي عاشها.وفي ليلة، طاهر دخل البيت لقى مريم قاعدة بتأكل الواد.حدف الجلابية بتاعته في الأرض وزعق: “إيه القرف ده؟
أنت مش شايفة الهدوم وسخة؟ ولا خلاص شفتي نفسك علينا بعد قعدة الدوار؟”مريم حطت معلقة الأكل من إيدها بالراحة. بصت له بمنتهى الثبات، ومقامتش تجري تجيب الهدوم زي زمان، ولا بكت.قامت وقفت، ومشت لحد ما بقت قدامه، وبصت في عينيه مباشرة وقالت: “طاهر.. أنت لسه متعلمتش الدرس؟”هو رجع خطوة لورا من غير ما يحس، وصوته هدي سنة: “درس إيه وزفت إيه؟ أنا الراجل هنا، واللي أقوله يمشى.”مريم ابتسمت نفس الابتسامة الباردة وقالت: “الراجل اللي كان هيمـ,ـوت من الخوف من دفتر فاضي؟
طاهر.. أنا لما رجعت معاك، رجعت عشان ابني وعشان أبويا، ورجعت وأنا عارفة إنك مش هتنظف من يوم وليلة. أنت فاكر إنك لو رجعت تزعق وتفتري تاني، الناس هتصدقك؟ أنت نسيت إنك روحت للدوار وقدام أهلك كلهم قولت إنك كنت بتتبلى عليا؟ وروحت لأبويا وبست راسه وقولت إنك كنت كداب؟”قربت منه خطوة كمان، وكملت بصوت واطي ومسموع: “الناس دلوقتي لو سمعتك بتشكي مني تاني، مش هيقولوا مريم مهملة.. هيقولوا طاهر علوان اتجنن، يوم يقول مراتي شريفة ويوم يقول حرامية. أنت بايدك حطيت نفسك في خانة الكداب قدام البلد كلها.. يعني أي كلمة هتقولها عليا بعد كده، هترد في وشك أنت.
“طاهر حس كأن حد ضـ,ـربه قلم فّوقه على الحقيقة المريرة.مريم لوت دراعه بالحق وبشهادته هو على نفسه! هو اللي حرق كروته كلها بإيده لما اعترف قدام الناس، وبقى أسير للـ “الصورة” الجديدة اللي رسمها بنفسه عشان يداري على فضيحته.مريم وطت، شالت الجلابية من الأرض، حطتها في إيده بمنتهى الأدب، وقالتله: “اغسل وشك يا أبو علي، وعينك متجأرش في البيت ده تاني.. عشان المركب تمشي، والناس تفضل شيفاك راجل.”سابته ودخلت تكمل تآكيل ابنها، وطاهر فضل واقف في الصالة، باصص للجلابية اللي في إيده.
. عرف ليلتها إن مريم مكسرتوش وبس، دي قفلت عليه القفص، ورمت المفتاح في البحر، ومبقاش قدامه غير إنه يعيش معاها بـ “الأصول”.. الأصول اللي عاش عمره كله يهرب منها.
طاهر دخل الحمام، فتح الحنفية على آخرها ونزل بوشه في المية الساقعة، كان بيحاول يطفي النار اللي بتاكل في نفوخه. المية كانت بتنزل وهو بيفتكر كلامها.. “حطيت نفسك في خانة الكداب”. الكلمة دي كانت بتلف في دماغه زي الساقية.
مريم قفلت عليه كل السكك، حتى سكة الشكوى اللي كان عايش عليها وعامل بيها راجل برة البيت، اتسدت.خرج وهو بينشف وشه، وبص لسرير ابنه علي اللي نايم في غطاه، وبص لمريم اللي كانت بتلم الأطباق بهدوء وثقة تخوف. طاهر مقدرش ينام ليلتها. فضل يتقلب في الصرير، وعينه على السقف. الكلام كان بيتردد في ودنه زي صوت القطر. “المزور”.. “النهب”.. “الست لما ميبقاش عندها حاجة تخاف عليها”.كان يسأل نفسه: “البت دي جابت الجبـ,ـر…
“مريم لفت وشها، حطت الصينية على التربيزة، وبصتله وعينها لأول مرة تدمع، بس مكنتش دموع ضعف، كانت دموع قهر قديم تصفى حساباته.قالتله بصوت واطي وموجوع: “والخمس سنين دول كنت فين أنت من الحنية يا طاهر؟ لما كنت ببات عياط وأنت نايم بتشخر جنبي؟ لما كنت بتشوف أهلك بيلقحوا عليا الكلام وتضحك وتزيد عليهم؟ لما خليت أبويا الراجل العجوز يبصلي بنظرة عار وهو مش مصدق إن بنته تمد إيدها على مال مش بتاعها؟ أنت اللي مـ,ـوت الحنية بإيدك يا ابن علوان.. يوم ما قررت تبيع لحمي عشان تشتري بيه هيبة كدابة وسط الناس.
“مسحت دمعتها بسرعة قبل ما تنزل على خدها، وكملت: “أنا مابقتش حجر.. أنا بقيت الوش اللي أنت صنعته.. فـ ارضى بـ صنع إيدك.”الشهور عدت، والمنيا كلها بقت تتناقل سيرة “بيت طاهر وعمرانه”.الحاجة توحيدة أمه لما لقت ابنها مبقاش يجي يشكي، ولما لقت مريم بتدخل الدوار وراسها في السماء، وإخوات طاهر بيعملوا لها ألف حساب، بدأت تنسحب بالتدريج. الستات في البلد بقوا يقولوا: “مريم بنت مرزوق طلعت أصيلة، وطاهر مبيقدرش يستغنى عنها، ده كان غضبان يومين والشيـ,ـطان عمى عينه ورجع لعقله.”أما طاهر، فـ حاله اتقلب.المركب اللي مريم قالت عليها بقت ماشية، بس طاهر كان حاسس إنه “راكب قطار” وموش يد في الدريكسيون.
في المحل، بقا يشتغل وعينه في الأرض، مبقاش يقعد على القهوة كتير يتباهى ويحكي، بقا يخلص شغله ويرجع البيت وهو شايل شيلته في سكات.وفي يوم، طاهر رجع البيت العصر، لقى مريم مجهزة السفرة، وكان قاعد معاها أبوها عم مرزوق.الراجل العجوز أول ما شاف طاهر، وش الصبح ضحك، وقام وقف وقاله: “أهلاً يا ولدي.. خطوة عزيزة، أنا قولت أجي أطمن على علي وعلى مريم، وأجيب معايا شوية خضار من الغيط.
“طاهر بص لعم مرزوق، وافتكر اليوم اللي داس فيه على كرامة الراجل ده، وبص لمريم اللي كانت بتغرف الرز بابتسامة صافية لـ أبوها.حس بحاجة غريبة بتتحرك في صدره.. لأول مرة مكنش غل ولا خوف، كان “خجل”. خجل من الراجل الطيب اللي مسامح ومبسوط، وخجل من مريم اللي بالرغم من كل اللي عملته، كانت حريصة إن أبوها ميعرفش الحقيقة اللي تكسر قلبه، وتفضل صورته قدام حماه إنه الراجل اللي رجع للحق.
قعد طاهر على السفرة، وبص لعم مرزوق وقال بنبرة هادية ولأول مرة تطلع من قلبه: “تنور يا عمي.. البيت بيتك، وخيرك سابق دايماً.”مريم رفعت عينها وبصت لطاهر.. النظرة ليلتها كانت مختلفة. مكنتش نظرة التحدي الباردة، كانت نظرة فاحصة، كأنها بتبص لـ حتة أرض كانت بور وبدأت تطلع زرع من جديد.بعد ما عم مرزوق مشى، والبيت هدي.طاهر كان قاعد في البلكونة بيشرب الشاي وباصص لـ قمر الليالي العربية. مريم دخلت عليه، حطت كوباية مية جنبه، وكانت رايحة تدخل.
طاهر نده عليها بصوت هادي: “مريم..”وقفت عند الباب من غير ما تلتفت: “نعم يا طاهر؟”طاهر سكت لثواني، كأن الكلمة تقيلة على لسانه، بس كان لازم تطلع عشان يفك القفص اللي هو حبس نفسه فيه: “أنا.. أنا متشكر.”مريم لفت وشها وبصتله باستغراب: “على إيه؟”طاهر بص للأرض وقال: “عشان محدش عرف بموضوع الدفتر الفاضي.. وعشان أبوكي نام وهو راضي عني.. وعشان.. عشان لسه باقية على البيت ده بالرغم من كل اللي عملته.”مريم وقفت وبصت للنيل البعيد من البلكونة، خدت نفس طويل وقالت: “البيوت مش ورق يا طاهر بنكتب فيه اللي احنا عايزينه ونقطعه لما نزهق.
. البيوت لحم ودم وأسرار. أنا مكنتش عايزة أهدك.. أنا كنت عايزة أهد (الكدب) اللي فيك، عشان نعيش صح.. لو لسه فاضل فيك حتة سليمة، شيلها لـ ابنك ولـ بيتك، واليوم اللي فات.. مات.”سابت البلكونة ودخلت، بس المرة دي، مرزعتش الباب. سابته موارب.. زي الباب اللي سابه مصطفى لـ عايدة في جامع العزايزة.. باب بيعدي منه النور بعد عتمة طويلة، وطاهر قعد يشرب شاي وهو حاسس إن الحمل اللي على كتافه بدأ يخف، وإن مريم، بالرغم من كل الوجع، كانت هي السند الحقيقي اللي حماه من نفسه.
طاهر فضل باصص للباب الموارب، وكأن النور اللي طالع منه بيغسل وساخة السنين اللي عاشها في الكدب والنقص. حس لأول مرة من يوم ما اتجوزوا إنه قادر يتنفس بجد، من غير ما يحضر كدبة جديدة، ومن غير ما يشيل هم “الوش” اللي هيقابل بيه الناس الصبح.الدفتر الفاضي اللي كان خانقه، اتقلب في نظره لصفحة جديدة، بيضا، مفيش فيها سيرة قديمة ولا غل.المركب مشيت، والمرة دي مش بالخوف، لكن بـ “السكوت اللي وراه رضا”.
في سوق الجمعة، طاهر كان واقف وسط تجار القماش الكبار، ومحمود أخوه كان قاعد بيمشي حسابات الدكان. دخل عليهم واحد من قرايبهم من بعيد، وبخـ,ـبث الصعايدة رمى كلمة: “إيه يا أبا علي؟ سمعنا إن الهانم بقت هي الكل في الكل في البيت، والشور شورتها.. عاد طاهر علوان كلمته تنزل الأرض؟”محمود أخوه رفع عينه ومستني يشوف طاهر هيثور ويقلب الدنيا زي زمان عشان يثبت رجولته، لكن طاهر ابتسم ابتسامة هادية، أخد نفس طويل وقال بمنتهى الرزانة: “الست الأصيلة يا ولد عمي، اللي تصون غيبتك وتلم بيتك وتستحمل طبعك الحامي، الشور شورتها والراس راسها.
ومريم بنت مرزوق شالتني في وقت أنا نفسي كنت بايع فيه نفسي.. فاللي يقول كلمتها تنزل الأرض، يبقى ميعرفش الأصول.”محمود بصل أخوه بذهول، بس المرة دي مكنش ذهول قرف، كان احترام. طبطب على كتف طاهر وقال بصوت واطي: “عفارم عليك يا ابن أبويا.. كبرت في عيني الليلة.”لما رجع البيت المغرب، كان شايل في إيده ربطة نعناع أخضر وفطير مشلتت من اللي مريم بتحبه. دخل، لقى البيت هادي، وريحة البخور مغطية المكان. علي الصغير كان نايم، ومريم قاعدة في الصالة، بتخيط زرار مقطوع في جلابية من جلابيبه.طاهر حط الحاجه على التربيزة، وقعد على الكنبة القريبة منها.
بص لإيدها وهي بتتحرك بالإبرة، وقال بصوت حنين، صوت مسمعتهوش مريم منه من يوم دخلتها: “تعبتي نفسك ليه يا مريم؟ كنتي سبيها وأنا أوديها للترزي الصبح.”مريم رفعت عينها، وبصت للجلابية، وبعدين حطت عينها في عينه. النظرة ليلتها مكنش فيها حذر، ولا كان فيها برود.. كانت نظرة الست اللي لقت جوزها أخيراً راجع بيته بكامل إرادته.قالت وهي بتبتسم نص ابتسامة هادية: “الترزي ميعرفش قفلتك يا طاهر.
. الخيط ده أنا اللي بايدي بلم بيه اللي اتقطع.. في الهدوم، وفي العمر.”طاهر قدم خطوة، ومد إيده ومسك طرف الجلابية اللي في حجرها، وقال وعينيه بتلمع: “واللي اتقطع في العمر.. يتصلح يا بنت مرزوق؟”مريم قطعت الخيط بسنانها، فردت الجلابية، وحطتها في إيده وقالت بصوت ثابت ودافي: “طالما النية طاهرة، والبيت مقفول علينا، ومحدش ليه كلمة جوه العتبة دي.. يتصلح.. ويزيد عليه كمان.”طاهر أخد الجلابية، وحس إن الروح ردت فيه.
في الليلة دي، المنيا نامت وهي بتتكلم عن “طاهر علوان” وعن هيبته وسط السوق، بس جوه البيت المقفول، طاهر كان عارف إن الهيبة الحقيقية مش في الصوت العالي ولا في كسر الستات.. الهيبة الحقيقية إنك تلاقي الست اللي تقفل عليك سرك، وتحميك من نفسك، وتعيش معاها راجل بالأصول.. مش بالورق.البيت مبقاش مجرد حيطان وسقف، بقى عامل زي الأرض اللي شربت ميتها بعد جفاف طويل. طاهر لقى نفسه بيتغير من غير ما يحس؛
الخبث اللي كان مالي عينيه اتبدل بنظرة هادية، والغل اللي كان بياكله من جوة اتقلب لـ رغبة حقيقية إنه يعوض مريم عن كل ليلة نامت فيها ودموعها على خدها.مرت سنة كاملة. سنة مريم مخرجتش فيها كلمة واحدة برة العتبة، ولا طاهر سمح لمخلوق يلقح بكلمة. مريم حملت، والبيت كله بقى عايش على أمل العيل الجديد اللي هيجي يربط القلوب أكتر وأكتر.
في ليلة شتوية، المطرة كانت مغرقة الشوارع، وصوت الرعد بيزلزل الشبابيك. مريم جاليها الوجع. طاهر اتجنن، بقا يجري في الشقة مش عارف يعمل إيه، نزل في المطر وجاب الداية والحاجة توحيدة أمه، وفضل واقف ورا الباب، إيديه على قلبه، بيدعي ربنا يسترها ويقوم مراته بالسلامة.جوه الأوضة، الحاجة توحيدة كانت قاعدة جنب مريم، بتمسح على رأسها وتدعي لها. وفي وسط الوجع، مريم مسكت إيد الحاجة توحيدة وقالت بنبرة طالعة من قلبها: “سامحيني يا أماه لو كنت في يوم زعلتك.. أنا ماليش غيركم، وطاهر ده أبو ابني وسندي.
“الحاجة توحيدة دمعت، والشك القديم كله داب في اللحظة دي. بياض قلب مريم وصبرها غسلوا كل السم اللي طاهر بخه زمان. طبطبت عليها وقالت: “مسامحاكي يا بنتي، أنتي ست الأصايل، وربنا يعلم إن غلاوتك بقت من غلاوة ولدي.”وبعد ساعات من القلق، صرخة صغيرة شقت هدوء الليل. الواد شرف الدنيا.الداية خرجت وفي إيدها الواد ملفوف في شال أبيض. طاهر خده منها، وجسمه كله بيرتعش. بص لوش ابنه، وبعدين دخل الأوضة جري. قعد على ركبه جنب السرير، وحط الواد في حضن مريم.طاهر دمعته نزلت، وباس رأس مريم وقال بصوت مخنوق من الفرحة: “مبروك يا أم علي.
. يتربى في عزك يا ست الستات.”مريم ابتسمت بتعب، وبصت لطاهر وقالت: “هنسميه إيه يا أبو علي؟”طاهر بص لابنه، وبعدين بص في عين مريم وقال بنبرة مليانة يقين: “هنسميه (مرزوق).. على اسم الراجل الطيب اللي خلف وعرف يربي.”مريم عينها لمعت بالفرحة، وحست إن رد الاعتبار لـ أبوها في اللحظة دي كان أكبر مكافأة ليها على كل اللي استحملته.### النهايةبعد أسبوع، الدوار كان مليان على آخره في عقيقة “مرزوق الصغير”.
البلد كلها كانت موجودة؛ تجار الدهب، والأكابر، وعم مرزوق قاعد في صدر المكان، ولابس جلابية جديدة طاهر اللي جايبها له بنفسه، والضحكة مش سايعاه.الحاجة توحيدة كانت واقفة وسط الحريم، ولابسة كـردانها الدهب، وبتوزع الشربات وبتقول بأعلى صوتها: “صلوا على النبي.. مرزوق الصغير نور عيلتنا، وأمه مريم دي ست الحُسن والأصل كله، ربنا يخليها لبيتها ولجوزها.”طاهر كان واقف وسط الرجالة، بيوزع اللحم ومبسوط. وفي وسط الزحمة والزيّطة، عينه جت في عين مريم اللي كانت واقفة عند باب الحريم الكبـير، شايلا ابنها، ورافع راسها، والكل بيتحايل يخدمها.طاهر ابتسم لها من بعيد، وهز رأسه كأنه بيقولها: “أهو.
. لميت السم كله بإيدي.”مريم ردت له الابتسامة بصفاء.. الابتسامة اللي قفلت صفحة الماضي ورمتها في النسيان.البيوت مش ورق بنشخبط فيه ونرميه.. البيوت أصول، وأمان، وسر مبيطلعش برة العتبة. وطاهر ومريم قفلوا بابهم على سرهم، وعاشوا عمرهم كله والبلد بتتحاكى بـ “أصل مريم” و”رجولية طاهر”.. والسر فضّل دفيان جوة الدفتر الفاضي اللي بنوا بيه بيت ميهدهوش الريح.