حمــاتي أعطت بنتي هدية في عيد ميلادها التامن… وبعد ثواني خطـ . ـفتها منها قدام الناس كلها وكنت على وشك أفقد أعصابي، لولا إن جوزي اتكلم فجأة بطريقة ماكنتش أتوقعها أبدًا…بنتي “ليان” كملت تمان سنين الأسبوع ده.
من أيام وهي مش قادرة تخبي فرحتها بالتورتة، والزينة، وصاحباتها اللي جايين من المدرسة. ليان طفلة طيبة بشكل يوجـ . ـع القلب… من النوع اللي يشكر حتى لو اديته قلم أو شـ . ـراب.
عشان كده لما حمـ . ـاتي “سامية” دخلت شايلة شنطة هدايا كبيرة وقالت بصوت عالي: دي هدية مميزة جدًا.
ماشكّتش في حاجة.
بصّت حوالين نفسها الأول واتأكدت إن كل الناس مركزين معاها، وبعدها حطت الشنطة قدام ليان.
وقالت بابتسامة متصنعة: يلا يا حبيبتي… افتحي هدية تيتة.
ليان بصّتلي الأول بخوف، كأنها خايـ . ـفة تتحمس زيادة. هزّيتلها راسي بابتسامة صغـ . ـيـرة.
مزقت ورق الهدية بسرعة… وفجأة اتجمدت مكانها.
كان جهاز Nintendo Switch جديد.
شهقت ليان وضمّت العلبة لصدرها بقوة وكأن حد هيخطـ . ـفها منها. بجد ده بتاعي؟!
مالت سامية لقدام وهي مستمتعة بكل ثانية.طبعًا بتاعك… ودلوقتي نقول إيه؟
وش ليان نور من الفرحة. شكرًا يا تيتة!
لكن ابتسامة سامية اختفت بسرعة.
لا يا حبيبتي… مش كده.
وفجأة المكان كله سكت.
قالت سامية بصوت واضح قدام الناس: المفروض تقولي: “شكرًا يا تيتة سامية إنك جبتيلي حاجة غالية رغم إني مش دايمًا أستاهل.”
ليان رمشت بعدم استيعاب. يعني إيه؟
قالت سامية وهي باصة للكبار: بعلمها الامتنان والأصول.
إيدين ليان بدأوا يترعشوا. بس أنا شكرتك فعلًا…مش بالطريقة الصح، قالتها سامية ببرود.
وفجأة مدت إيدها وخطـ . ـفت الجهاز من حـ ـ ـضن بنتي.
ليان اتجمدت… وبعدها دموعها نزلت فورًا.
همست بصوت مكسور: تيتة… لو سمحتي… دي هديتي…
حـ ـ ـضنت سامية العلبة لصدرها وقالت:
هتفضل عندي لحد ما تتعلمي تقدري النعمة.
وانفجـ ـرت ليان في العياط.
وفي وسط عيد ميلادها… الصمت خنق المكان كله.
قمت من مكاني بعصبية لدرجة إن الكرسي اتزحلق جامد على السيراميك. يا طنط سامية… رجعي الهدية حالًا.
بصّتلي بإهانة وقالت: مـ . ـاتدخليش بيني وبين تربيتي لحفيدتي.
وقبل ما أتكلم وأقول كلام أندم عليه… جوزي “كريم” عمل حاجة عمري ما توقعتها.
بصيتله بصدمـ . ـة وقلت: كريم… إنت بتتكلم بجد؟!
بصيتله بذهول… لأن كريم طول عمره بيتجـ . ـنب أي مواجهة مع أمه.
طول جوازنا وهو عنده نفس الجملة الجاهزة: “خلاص يا سارة… دي أمي.” حتى لما كانت تغلط… حتى لما كانت تجرحني قدام الناس… كان دايمًا يختار السكوت.
عشان كده لما وقف فجأة وسحب نفس طويل وبص لأمه بنظرة باردة عمري ما شفتهاش قبل كده… قلبي وقف.
قال بهدوء غريب: — أمي… هاتي الجهاز.
سامية رفعت حاجبها باستفزاز وكأنها مش مصدقة إنه بيكلمها بالطريقة دي. — نعم؟ — بقولك هاتي الجهاز لبنتي.
ضحكت بسخـ ـ ـرية وهي ضامة العلبة لصدرها أكتر. — وأنا بربيها.
ولا إنتوا نسيتوا يعني إن الجيل ده مدلّع ومابيعرفش قيمة الحاجة؟
ليان كانت مستخبية ورا ضهري وبتعيط بصوت مكتوم. إيديها الصغـ . ـيـرة ماسكة فستاني بقوة لدرجة حسيت برعشتها.
كريم قرب خطوة. — إنتِ مش بتربيها… إنتِ بتهينيها.
المكان كله سكت.
حتى صحاب ليان الأطفال وقفوا يبصوا بخوف. أخت كريم كانت فاتحة بقها من الصدمـ . ـة. أما سامية… فوشها بدأ يحمر.
— بتكلمني أنا كده قدام الناس يا كريم؟ — أيوه. عشان إنتِ غلطانة قدام الناس.
أنا نفسي حسيت إني مش مستوعبة اللي بيحصل. دي أول مرة في عشـ .
ـر سنين جواز أشوفه يواجهها.
سامية ضحكت ضحكة قصيرة مليانة سم. — واضح إن مراتك لعبت في دماغك كويس.
لكن كريم ما بصليش حتى. فضل مركز معاها وقال: — محدش لعب في دماغي. أنا بس أخيرًا بطلت أضحك على نفسي.
اتـ . ـوتر الجو أكتر. حمـ . ـاتي لفت تبص للضيوف وكأنها بتدور على حد ينقذها أو يوافقها. لكن الناس كانت محرجة.
لأن اللي عملته كان واضح زيادة عن اللزوم.
قالت بعصبية: — أنا اشتريت الهدية بفلوسي… ومن حقي أخدها لو البنت قليلة الذوق.
وقبل ما أتكلم، ليان طلعت صوت صغير مخـ . ـنوق:
— أنا مش قليلة الذوق…
الكلمة طلعت منها بطريقة كـ . ـسرت قلبي.
كريم نزل لمستواها بسرعة ومسح دموعها. — إنتِ أحسن بنت في الدنيا يا ليان… ومفيش حد يقولك غير كده.
وبعدين وقف تاني وبص لأمه: — آخر مرة هقولها باحترام… هاتي الجهاز.
سامية كانت مصدومة. يمكن لأول مرة تحس إن السيطرة بتفلت من إيدها.
لكن عنادها كبر أكتر. حـ ـ ـضنت العلبة وقالت: — لا.
وفي اللحظة دي… كريم عمل حاجة خلتني أنا شخصيًا اتجمد.
مد إيده وأخذ الجهاز منها بالقوة.
شهقة طلعت من الموجودين. سامية صـ . ـرخت:
— إنت اتجـ . ـننت؟!
لكنه تجاهلها تمامًا… ولف ناحية ليان وحط الجهاز بين إيديها برفق. — عيد ميلاد سعيد يا قلب بابا.
ليان حـ ـ ـضنت العلبة بسرعة وكأنها خايـ . ـفة تختفي. ثم رمت نفسها في حـ ـ ـضنه وهي بتعيط.
وأنا… لأول مرة من سنين… حسيت إني شايفة جوزي الحقيقي.
لكن سامية ما سكتتش.
وشها بقى أحمر بشكل مخيف وقالت بصوت عالي: — بعد اللي عملته ده… اعتبر إني ماعنديش ابن!
كريم رد فورًا: — ولو تمن إني أحمي بنتي إنك تكرهيني… فأنا موافق.
الصمت رجع يضـ ـرب المكان.
حتى الموسيقى اللي كانت شغالة في الخلفية حسيتها بعيدة.
سامية بصت حوالين نفسها، مستنية حد يوقف معاه. لكن محدش اتكلم.
أخو كريم بص للأرض. مراته سكتت. حتى عمته الكبيرة اللي دايمًا تدافع عنها… كانت محرجة.
لأن الحقيقة كانت واضحة جدًا.
هي كـ . ـسرت قلب طفلة في عيد ميلادها… لمجرد إنها تحب تتحكم.
فجأة سامية اتجهت ناحيتي وأنا متوقعة إنها هتنفجر في وشي. لكنها قالت ببرود مـ . ـرعـ . ـب: — مبروك… أخدتي ابني مني.
وقبل ما أرد، كريم سبقني: — لا يا أمي… إنتِ اللي ضيعتي ابنك بنفسك.
ملامحها اهتزت للحظة.
واضح إن الجملة وجـ . ـعتها فعلًا. لكن بدل ما تراجع نفسها… زاد غضـ ـبها.
مسكت شنطتها بعنـ ـف وقالت: — تمام. ولا حد فيكم يشوف وشي تاني.
ومشيت.
الباب اتقفل وراها بقوة خلت ليان تنتفض.
كل الضيوف بقوا متـ . ـوترين. واحدة من الأمهات حاولت تبتسم للأطفال وقالت: — طب يلا يا جماعة… نقطع التورتة؟
لكن الجو كان مكسور.
أنا قربت من كريم وهمست: — إنت كويس؟
رد بعد ثواني: — لا… بس كان لازم أعمل كده من زمان.
بصيت في عينيه واكتشفت حاجة غريبة. كان حزين فعلًا.
مش عشان زعق لأمه… لكن عشان أخيرًا اعترف لنفسه بحقيقتها.
عدّى باقي اليوم بصعوبة. الأطفال حاولوا يرجعوا يضحكوا. ليان ابتسمت بالعافية وهي بتفتح باقي الهدايا. لكن كل شوية كنت ألمحها تبص على الباب… كأنها لسه خايـ . ـفة تيتتها ترجع تخطـ . ـف الجهاز تاني.
وقتها فهمت إن الموقف ده مش مجرد إحراج.
ده جرح.
وفي آخر الليل، بعد ما الضيوف مشيوا والأطفال ناموا، لقيت كريم واقف في البلكونة لوحده.
كان ساكت تمامًا.
قربت منه بهدوء. — مالك؟
فضل باصص للشارع وقال: — عارف إنك مستغربة موقفي النهارده.
ابتسمت بمرارة. — شوية.
طلع ضحكة صغـ . ـيـرة حزينة. — أنا نفسي مستغرب.
سكت ثانية ثم قال: — طول عمري بخاف منها.
بصيتله بعدم فهم. فكمل: — أمي كانت كده معايا أنا كمان.
الهواء برد فجأة حواليّ.
لف ناحيتي لأول مرة. — عمري ما كنت كفاية بالنسبة لها. لو جبت ٩٨٪ كانت تسأل فين الاتنين الباقيين. لو جبت هدية بسيطة كانت تقارنها بهدايا أولاد خالاتي. ولو غلطت غلطة صغـ . ـيـرة… كانت تحسسني إني شخص سـ . ـيئ.
اتنهد وكأنه بيطلع سنين من صدره. — كنت فاكر ده طبيعي… لحد ما شوفتها النهارده وهي بتكسـ .
ـر بنتي بنفس الطريقة.
قلبي وجـ . ـعني عليه فجأة.
كل السنين اللي كنت بزعل فيها من سكوته… عمري ما تخيلت إنه متربي على الخوف بالشكل ده.
قال بصوت منخفض: — لما سمعتها بتقول لليان إنها “مش دايمًا تستاهل”… حسيت إني رجعت طفل صغير واقف قدامها تاني.
سكتنا شوية. ثم سألته: — وإيه اللي خلاك تتكلم المرة دي؟
رد فورًا: — دموع ليان.
الكلمتين دول كسـ . ـروني.
قال: — أنا استحملت على نفسي كتير… لكن مش هسمح لحد يعمل فيها كده.
وفي اللحظة دي… حسيت إني بحبه من جديد.
مش الحب العادي. حب الأمان.
عدّت يومين من غير أي أخبار من سامية. لا اتصال. لا رسالة. لا حتى محاولة تسأل على ليان.
كنت متوقعة ده.
لكن اللي ماكنتش متوقعاه… هو اللي حصل يوم التالت.
كنت في المطبخ بجهز الغدا لما الباب خبط.
فتحت… واتصدمت.
حمـ . ـاتي واقفة برا.
لكن مش لوحدها.
كان معاها شنطة هدايا تانية.
بصتلي ببرود وقالت: — عايزة أشوف حفيدتي.
وقبل ما أرد، ليان خرجت من الأوضة أول ما سمعت صوتها… ثم وقفت مكانها بخوف واضح.
سامية لاحظت ده.
ولأول مرة…
شفت حاجة غريبة جدًا على وشها.
الوجـ . ـع.
نزلت على ركبتها ببطء وطلعت من الشنطة علبة صغـ . ـيـرة. — جبتلك حاجة يا ليان.
لكن ليان ما اتحركتش.
بالعكس… استخبت ورايا.
سامية بلعت ريقها بصعوبة. واضح إنها ما توقعتش رد الفعل ده.
همست: — مش هخدها منك.
ليان ما ردتش.
في اللحظة دي دخل كريم من الشغل. أول ما شاف أمه… جسمه اتشنج.
لكنها سبقته بالكلام. — أنا جاية أعتذر.
أنا وكريم بصينا لبعض بعدم تصديق.
سامية قامت ببطء وقالت: — اللي عملته كان غلط.
واضح إن الكلمة طالعة بالعافية. وكأن عمرها ما اعتذرت لحد قبل كده.
بصت ناحية ليان وقالت: — أنا آسفة إني زعلتك.
ليان فضلت ساكتة.
وسامية… لأول مرة… ما حاولتش تضغط عليها.
بس حطت العلبة على الترابيزة وقالت: — الهدية دي ليكي… ولو مش عايزاها براحتك.
ثم بصت لكريم.
والثانية دي كانت الأصعب.
قالت بصوت مكسور شوية: — وأنا آسفة ليك إنت كمان.
كريم فضل ساكت. مش قسـ . ـوة… لكن لأنه اتوجـ . ـع سنين.
سامية مسحت دمعة بسرعة كأنها مكسوفة منها وقالت: — يمكن فعلًا كنت قاسـ . ـية زيادة.
وبعدين مشيت.
الباب اتقفل بهدوء المرة دي.
وإحنا فضلنا واقفين مش عارفين نستوعب.
بعد دقائق… ليان قربت ببطء من العلبة.
فتحتها بحـ . ـذر.
كان جواها دفتر رسم كبير… وألوان.
وفي أول صفحة مكتوب بخط مرتب: “لأحسن حفيدة في الدنيا… اللي تستاهل كل حاجة حلوة.”
ليان بصتلي وقالت بهدوء: — هو تيتة زعلت لما خفت منها؟
حسيت بغصة في حلقي. لكن كريم قرب منها وقال: — أيوه يا حبيبتي… لأنها فهمت إنها غلطت.
ليان سكتت شوية… ثم قالت بجملة صغـ . ـيـرة جدًا: — طيب ممكن أسامحها بس متزعقليش تاني؟
وفي اللحظة دي… عرفت إن قلب بنتي أنضف من قلوب ناس كبار كتير.