منوعات

ابنتي الصغيره حكايات اسما السيد

بعد أسبوع تقريبًا من اللي حصل في عيد الميلاد… الحياة بدأت تهدى شوية.
أو على الأقل… ده اللي كنت فاكره.
ليان رجعت تضحك تاني، ترسم في الدفتر الجديد، وتقعد بالساعات تلون شخصيات كرتون وهي حاطة لسانها بطرف بوقها بتركيزها المعتاد. أوقات كنت أبص عليها وأتنفس براحة… وأقول لنفسي إن الأزمة عدّت.
لكن الحقيقة إن بعض الجروح ما بتبانش بسرعة.
وفي ليلة من الليالي، بعد ما خلصت أرتب أوضتها، لقيتها قاعدة على السـ . ـرير ضامة الـNintendo لصدرها بطريقة غريبة.
قلت بابتسامة: — لسه خايـ . ـفة حد ياخده منك؟
رفعت عينيها ليا بتردد… ثم سألت:

— ماما… لو حد جابلي هدية… ممكن ياخدها مني لو زعل؟
الكلمة خبطت جوايا بعنـ ـف.
قعدت جـ . ـنبها فورًا. — لا يا حبيبتي. الهدية لما بتتقدم… بتبقى ملك اللي أخدها.
هزت راسها ببطء وكأنها بتحاول تفهم. — أصل تيتة قالت إني لو ماشكرتش صح… أبقى ماستحقهاش.
حـ ـ ـضنتها بسرعة. — اسمعيني كويس… مفيش حد يحدد قيمتك بهدية. وإنتِ محترمة وطيبة، وأي حد لازم يشكرك على قلبك الحلو أصلًا.
فضلت ساكتة شوية. ثم همست: — أنا كنت فاكرة تيتة ما بتحبنيش.
الجملة كـ . ـسرتني.
لأن الأطفال ما بينسوش الإحساس بسهولة.

حتى لو سامحوا… الخوف بيفضل مستخبي جواهم.
ومن يومها بدأت ألاحظ حاجات صغـ . ـيـرة.
كل ما حد يدي ليان حاجة… حتى لو شوكولاتة… كانت تبص للشخص بتـ . ـوتر وتسأله: — بجد ليا؟ مش هتاخدها تاني؟
كل مرة كنت أحس قلبي بيتقطع أكتر.
أما كريم… فكان متغير بطريقة واضحة.
بقى يقضي وقت أطول مع ليان. يلعب معاها. يساعدها في الواجب. يحضر حفلات المدرسة بنفسه.
كأنه بيعوضها… أو يمكن بيعوض الطفل اللي كان جواه هو كمان.
وفي نفس الوقت، علاقته بأمه بقت شبه مقطوعة.
سامية حاولت تتصل كذا مرة. أحيانًا تبعت أكل.

أحيانًا تبعت صور قديمة لكريم وهو صغير.
لكنه كان بيرد باختصار شديد.
مش كره… لكن حـ . ـذر.
وفي يوم الجمعة، وإحنا قاعدين بنتغدى، رن جرس الباب.
فتحت… ولقيت أخت كريم، “دينا”.
وشها كان متـ . ـوتر جدًا.
دخلت بسرعة وقالت: — ماما تعبانة.
كريم رفع عينه فورًا. — مالها؟
دينا بلعت ريقها. — ضغطها علي جدًا… والدكتور قال لازم تبعد عن التـ . ـوتر.
الصمت نزل على السفرة.
كنت شايفة الصراع على وش كريم. الغضـ ـب… والقلق… والذنب القديم اللي بيتزرع جوا الأولاد مهما أهلهم أذوهم.
قال بهدوء:

— وهي عايزة إيه؟
دينا بصتله مباشـ . ـرة. — عايزاك.
ما ردش.
ليان بصت بينا بعدم فهم وهي ماسكة المعلقة الصغـ . ـيـرة. ثم همست: — تيتة هتمـ ـوت؟
قلبي وقع.
كريم اتحرك فورًا ناحيتها. — لا يا حبيبتي… إن شاء الله تبقى كويسة.
لكن السؤال فضل معلق في الجو.
بعد ساعة تقريبًا… كريم قرر يروح يشوفها.
وقبل ما ينزل، وقف عند الباب وسألني: — تيجي معايا؟
فهمت خوفه فورًا.
ماكانش رايح يشوف أمه بس… كان رايح يواجه عمر كامل.
هزيت راسي: — هاجي.
سيبنا ليان عند أختي…

وروحنا.
طول الطريق، كريم كان ساكت بشكل مخيف. إيده على الدركسيون متشنجة. ونظراته ثابتة قدامه.
ولما وصلنا بيت أمه… حسيت التـ . ـوتر في جسمي أنا كمان.
دينا فتحت الباب بسرعة. البيت كان هادي بشكل غريب.
سامية كانت نايمة على الكنبة، وشها شاحب جدًا.
أول ما شافت كريم… دموعها نزلت فورًا.
يمكن لأول مرة أشوف الست دي ضعيفة.
قالت بصوت متعب: — كنت فاكرة إنك مش هتيجي.
كريم وقف مكانه لحظة. ثم قال: — إنتِ أمي.
الجملة كانت بسيطة… لكن مليانة مسافات ووجـ . ـع.
سامية بصتله طويل. ثم قالت:

— أنا ظلـ ـمتك كتير… صح؟
كريم ما ردش بسرعة.
واضح إنه عمره ما تخيل يسمع السؤال ده منها.
وأنا… كنت حاسة إني شاهدة على حاجة أكبر من مجرد خناقة عائلية.
دي سنين كاملة بتتفك.
قال أخيرًا: — أوقات كتير كنت بحس إنك مش شايفاني أصلًا.
سامية قفلت عينيها بألم. — كنت فاكرة إن القسـ . ـوة بتطلع راجل.
ضحكة صغـ . ـيـرة مرة طلعت من كريم. — طلعت طفل خايـ . ـف.
الست دي بدأت تعيط فعلًا.
وأنا واقفة هناك…

لأول مرة فهمت إن بعض الناس بيورثوا الأذى من غير ما يحسوا.
يمكن سامية نفسها اتربت بنفس الطريقة. يمكن عمرها ما اتقالها كلمة حلوة. يمكن محدش حـ ـ ـضنها وهي صغـ . ـيـرة.
لكن الضرر بيفضل ضرر.
قالت وهي بتمسح دموعها: — لما شوفت ليان خافت مني… حسيت إني وحش.
الصمت كان موجـ . ـع.
ثم قالت فجأة: — ممكن تجيبهالي؟
كريم فهم فورًا إنها تقصد ليان.
بصلي للحظة… وكأنه بيسألني.
قلت بهدوء: — القرار قرارها هي.
ولأول مرة… شفت الارتياح على وشه.

لأننا أخيرًا بقينا بنفكر في مشاعر بنتنا قبل أي مجاملة عائلية.
رجعنا البيت.
ولما سألنا ليان إذا كانت تحب تشوف تيتتها… سكتت شوية طويلة.
ثم قالت: — لو مش هتزعلني تاني.
وفي اليوم اللي بعده، جابت سامية نفسها وجت عندنا.
لكن المرة دي ما دخلتش بصوت عالي. مافيش أوامر. مافيش استعراض.
دخلت بهدوء وهي شايلة كيس صغير بس.
ليان كانت مستخبية ورا الكنبة أول ما شافتها.
سامية لاحظت ده… وعينيها لمعت بحـ . ـزن واضح.
قعدت على الأرض بهدوء وقالت: — أنا جبتلك بسكويت بالشوكولاتة اللي بتحبيه.
ليان ما اتحركتش.

سامية ما ضغطتش عليها. بس حطت الكيس جـ . ـنبها وقالت: — ومش لازم تسامحيني بسرعة.
أنا اتفاجئت.
الست اللي طول عمرها شايفة نفسها صح… بدأت أخيرًا تفهم.
مر نص ساعة تقريبًا. سامية قاعدة ساكتة. ليان تراقبها من بعيد.
ثم فجأة… ليان قربت بخطوات صغـ . ـيـرة.
وقفت قدامها وقالت: — إنتِ ليه خدتي الهدية؟
سامية رفعت عينيها ببطء. واضح إنها ما كانتش متوقعة السؤال المباشـ . ـر ده.
قالت بصوت مبحوح: — عشان كنت غبية.
ليان عقدت حواجبها. — يعني إيه؟
سامية ابتسمت بحـ . ـزن.

— يعني كنت فاكرة إن الناس لازم تخاف علشان تسمع الكلام… لكن ده غلط.
ليان فكرت شوية. ثم سألت: — وإنتِ كنتِ بتخوفي بابا كمان؟
الهواء اتسحب من المكان كله.
كريم بص للأرض. وأنا حسيت جسمي اتجمد.
سامية دموعها نزلت فورًا. وقالت بصوت مهزوز: — أيوه… وندمانة.
ليان فضلت باصة لها. ثم فجأة مدت إيديها الصغـ . ـيـرة وحـ ـ ـضنتها.
سامية انهارت.
بكت بشكل صادم. مش بكاء خفيف… بكاء حد شايل جبل فوق قلبه سنين.
حتى كريم اتأثر. شفت دموعه لأول مرة من وقت طويل.
ومن اليوم ده…

حاجات كتير بدأت تتغير.
مش فجأة. ومش بطريقة مثالية.
سامية لسه عندها طبع السيطرة أوقات. ولسه لسانها يسبقها أحيانًا.
لكن كل مرة كانت تغلط… كانت ترجع تعتذر.
وده كان جديد علينا كلنا.
أما ليان… فبقت أقوى.
في المدرسة، حصل موقف بعد شهر تقريبًا. بنت كبيرة حاولت تاخد منها الألوان الجديدة وتقول: — إنتِ صغـ . ـيـرة ومش محتاجاها.
لكن ليان ردت بثبات: — دي حاجتي… ومحدش من حقه ياخدها مني.
ولما حكتلي الموقف… حسيت دموعي قربت تنزل.
لأن بنتي بدأت تفهم قيمتها.

وفي ليلة هادية، بعد ما ليان نامت، كنت قاعدة أنا وكريم في البلكونة.
قلتله: — متخيل إن كل ده بدأ بسبب لعبة؟
ابتسم بتعب. — لا… ده بدأ من زمان قوي.
ثم بصلي وقال: — بس يمكن دي أول مرة حد يوقفه.
سكت شوية. ثم قال: — عارفه أكتر حاجة مـ . ـرعـ . ـباني؟
— إيه؟
— إني كنت ممكن أبقى زيها.
بصيتله بسرعة. لكنه أكمل: — الناس اللي بتتوجـ . ـع… أحيانًا بتوجـ . ـع غيرها من غير ما تحس.
مسكت إيده بهدوء. — بس إنت وقفت.

ابتسملي لأول مرة براحة حقيقية. — عشان إنتِ وقفتي معايا.
وفي الداخل… كانت ليان نايمة وهي حـ ـ ـضنة جهازها الصغير.
لكن المرة دي… ماكانتش خايـ . ـفة حد ياخده منها.
لأنها أخيرًا عرفت إن الحب الحقيقي… ما بيستخدمش الخوف أبدًا.
تمت

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى