منوعات

كل مره برجع حكايات نرمين عادل2

جمّد الخبط على الباب الحديد الدماء في متتالية،الجزء الثالث الثالث متسارعة، كأنها مرزبة بتدك الحديد عشان السكون اللي خيم على البيت بعد ما مشي طارق وأهله. سحبت الورقة المقطوعة وحطيتها جوه جيبي بسرعة، ومسكت تليفوني بإيدي المرتعشة، واتجهت ناحية شباك الدور الثاني المفروش بالشيَش.. فتحت مجرى الشباك بسنتيمترات بسيطة وبصيت لتحت بحذر شديد.. مقالات ذات صلة دعوة حكايات امانى السيد 2
منذ 5 دقائق دعوة حكايات امانى السيد 1
منذ 8 دقائق

حكايات ميرا1
منذ 3 ساعات زياد وفرح4
منذ 4 ساعات
تحت ضوء صفيحة الشارع المائل، ما كانش طارق ولا الحاجة صفية ولا حد من عيلتهم.. كانوا تلات رجالة أجسادهم ضخمة، لابسين هدوم كاجوال غامقة، وواحد منهم ماسك في إيده عتلة حديد بيحاول يغرزها بين ضلفتين الباب عشان يخلع اللسان! صرخت بنبرة حادة خرجت من الشباك: – «مين أنت أنت وهو؟ بتعملوا إيه عند بيتي في الوقت ده؟ ابعدوا عن الباب فوراً وإلا هفرغ فيكم المسدس!»

كانت كدبة.. أنا عمري ما مسكت مسدس في حياتي، أكبر أداة جراحية مسكتها كانت مشرط في المستشفى، بس الخوف لما بيوصل لحده، بيتحول لجرأة غريبة. الراجل اللي ماسك العتلة وقف، ورفع رسه لفوق.. كان وش خاطف، أسمر، بعلامة جرح قديمة واخدة خدّه الشمال كله.. ابتسم ابتسامة باهته وباردة وقال بصوت خشن ومبحوح: – «اهدِي على نفسك يا ست ندى.. إحنا مش جاين نأذيكي ولا نسرقك.. إحنا جايين ناخد الحساب القديد.. الحساب اللي أمك فاطمة الله يرحمها عاشت وماتت وهي مأجلاه!»

الحساب القديم؟! راسي دارت.. أمي الست الطيبة الغلبانة بياعة الفول اللي كانت بتصحى الساعة أربعة الفجر عشان تدمس الفول وتجهز الطعمية، ليها حساب مع رجالة بالشكل ده؟ قُلت بصلابة زايت عن حدها: – «أمي ما سابتش ديون لحد! ولو ليك حق، الشارع مفتوح ودواوين الحكومة موجودة.. امشي أنت وهو من هنا قبل ما أطلب النجدة!» الراجل الأسمر ضحك ضحكة مكتومة، وقدم خطوة ناحية الشباك ورشق عينيه في عينيا:

– «نجدة إيه يا أبلة؟ النجدة دي تطلبيها لـ طارق الفافي اللي لسه مطرود من شوية! إنما إحنا دخلتنا دخلة أصول.. المعلم “توفيق الجبلي” بيبعتلك السلام، وبيقولك: بلاطة الفرن اللي في المطعم يا تفتحيهالنا بالرضا وتسلمينا الخريطة والأوراق، يا إما نفتحها إحنا وطريقتنا مش هتعجبك!»

المعلم توفيق الجبلي؟ الاسم وقع على ودني زي الصاعقة! افتكرت الاسم ده فوراً.. دا راجل من أكبر تجار العقارات والأراضي القديمة في وسط البلد، كان دايماً بيجي يقعد في المطعم بتاع أمي، وكان يحاول يشتري أصل عقد المحل والبيت بأرقام خيالية وأمي كانت بترفض وتطرده كل مرة وتقول له: “اللي بيعرق في شبر يا توفيق، ما بيبيعوش بمال القارون!”. بقيت واضحة دلوقتي.. طارق ما كانش بيتجوزني حب ولا عشرة! طارق وأمه كانوا عارفين إن فيه حاجة مستخبية هنا.. كانوا بيحاولوا يستولوا على البيت عشان ينقبوا ويفتشوا تحت الساتر العائلي، ولما طردتهم، المعلم توفيق قرر يلعب في المفتوح ويستخدم الكروت الثقيلة!

نزلت بسرعة من على السلم، رجليا كأنها شايلا جبال.. الشارع كان فاضي تقريباً وعم سيد البواب مش موجود، باين طارق طرده أو هدد بأي حاجة عشان يفضي الشارع! وقفت ورا الباب الحديد وبيني وبينهم سنتيمترات، وقُلت بثبات: – «المعلم توفيق ملوش عندي حاجة.. والأوراق وبلاطة الفرن دي ملكي أنا وبس.. لو راجل يقرب من الشارع ده، وقسم الشرطة أهو على بعد خطوات، وأقسم بالله لأقلبها قضية رأي عام، وأنتوا عارفين المستشفى اللي بشتغل فيها وشغلي مع الدكاترة والكبارات!»

الراجل اللي جرحه في خده قرب من الشباك الصغير بتاع الباب الحديد وغمز بعينه: – «تمام يا ست ندى.. الليلة دي إحنا هنمشي احتراماً للوصية.. بس افتكري كويس، البلاطة دي مش تحتيها ذهب ولا فلوس.. تحتيها اللي يودي رقاب كتير في حبل المشنقة.. أولهم طارق جوزك، وأولهم ناس في المنطقة أنتِ فاكراهم أهلك وسندك! معاكي لحد بكرة العصر.. يا تتصلي بالرقم ده، يا هتلاقي المحل والبيت قايدة فيهم النــ,,ـــــار!» رمى كارت صغير من فتحة الباب، ومشوا التلاتة واستقلوا عربية جيب سودة اختفت في ظلام المعادي.

نزلت على ركبي في الجنينة.. مسكت الكارت وبصيت له.. كان عليه رقم تليفون واسم: “توفيق الجبلي – للمقاولات والتجارة”. قلبي كان بيذق بعنــ,,ـــــف، حاسة إن في شبكة كبيرة ومظلــ,,ـــــمة كانت ملفوفة حوليا طوال الخمس سنين اللي فاتوا وأنا مغمية عيني.. طارق الجوز اللطيف اللي كان بيتمسكن، وأمه الحاجة صفية اللي كانت بتدعي التدين والطيبة، وتوفيق الجبلي الراجل الثري الجشع.. كلهم كانوا أطراف في لعبة واحدة، والضحية كانت أمي فاطمة.. وأنا!

دخلت البيت وقفلت الباب بـ مية قفل.. ودخلت المطبخ سحبت أداة حادة، ورجعت على الأوضة فوق.. طلعت الورقة المقطوعة وقعدت اقرأ الجملة تاني وتاني: «يا ندى يا بنتي.. البيت ده مش مجرد ورث.. البيت ده تحته سر دفــ,,ـــــنه أبوكِ قبل ما يمــ,,ـــــوت، وسر تاني خالص طارق وأمه بيمــ,,ـــــوتوا عشان يوصلوا له من قبل ما يتجوزك.. أوعديني لو حصل لي حاجة، ما تفتحيش الخزنة اللي تحت بلاطة الفرن في المطعم القديم إلا وأنتِ معاكي…»معايا إيه؟! النص التاني من الورقة مقطوع! بدأت أفتش في كل حتة في الأوضة.. في المكتبة القديمة، في أدراج أمي، تحت الملايات، جوه علب الخياطة..

ساعة كامة وأنا بقلب الأوضة حتة حتة والعرَق نازل على وشي زي المطر.. ولما فقدت الأمل وقعدت على الأرض أعيا من التعب واليأس، عيني جت على حاجة صديدة قديمة محطوطة على تسريحة أمي.. برطمان زجاجي صغير، جوا منه “مصنع الفول” الصغير جداً المصنوع من النحاس، اللي كانت أمي تحط فيه الصدقات ودعوات الناس الطيبين.. مسكت البرطمان وكسرته على الأرض.. وبين القطع الزجاجية، لقيت الورقة الصغيرة المطوية المقطوعة!

جمعت الحتتين جنب بعض.. اكتمل النص! وقرأت الجملة المتبقية:
nextpage–> «… إلا وأنتِ معاكي (المفتاح الفضي) اللي سايباهولك جوه السلسلة اللي في رقبتك.. المفتاح ده مش بيفتح الخزنة بس يا ندى.. المفتاح ده بيفتح باب حقيقة أبوج.. حقيقة إن أبوج ما ماتش في دــ,,ـــــادثة زي ما الكل فاهم.. أبوج ات. عشان العقد الأصلي بتاع أرض السوق كله!» أنفاسي اتجمدت! أبويا ات.؟ وأمي عاشت طول عمرها كتمة السر ده عشان تحميني؟

وفجأة.. تليفوني رن! بصيت على الشاشة.. كان رقم طارق! ترددت ثانية، وبعدين فتحت الخط وحطيته على ودني من غير ما أتكلم. صوت طارق خرج من التليفون، بس ما كانش الصوت المنكسر ولا الغضبان بتاع شوية فاتوا.. كان صوت هادي، بارد، فيه حشرجة شريرة عمري ما سمعتها منه قبل كده: – «ندى.. أظن التلاتة بتوع المعلم توفيق زاروكِ ووصلولك الرسالة، صح؟» اتخنق صوتي من البكاء والصدمة: – «إنت.. إنت متفق معاهم يا طارق؟ إنت اللي تسلطهم عليا؟»

ضحك طارق بصوت واطي ومستفز: – «تسليط إيه يا عبيطة؟ المعلم توفيق ده نبقى إحنا شركاؤه! أمك فاطمة كانت فاكرة نفسها أذكى من السوق كله.. قفلت على الأوراق وسابتنا نلهث وراها سنوات.. أنا اتجوزتك بناءً على طلب أمي والمعلم توفيق يا ندى! خمس سنين صابر عليكي وعلى قرفك وعلى تمريضك وعلى وردياتك اللي بتخلص نص الليل، كل ده عشان حظة زي دي! عشان اليوم اللي أمك تمــ,,ـــــوت فيه وتستلمي الورث وتفتحي البلاطة!»

الدموع نزلت من عيني سخنة زي النــ,,ـــــار، بس كانت دموع تطهير.. قسوة الحقيقة قطعت آخر خيط كان بيبقيني على الشخص ده. طارق كمل بثقة: – «اسمعيني كويس يا ندى.. البلاطة دي هتتفتح بكرة العصر، والمستندات والعقد الأصلي بتاع أراضي السوق هيرجعوا للمعلم توفيق، وهتتنازلي عن البيت ده بالرضا.. مقابل إنك تاخدي مليون جنيه وتبدأي حياتك بعيد عننا وتطلعي باللي باقي من كرامتك.. لو رفضتي؟ البلاطة هتتفتح برضه، بس ساعتها مش هتكوني موجودة عشان تصرفي المليون جنيه.. ولا حتى عشان تشوفي بكرة!»

سكتت لحظة.. مسحت دموعي بإيدي بصلابة.. وقفت على رجليا وحسيت بنبض جديد بيسري في جسمي.. نبض بنت فاطمة وبنت الراجل اللي ات. وغدروا بيه! قُلت له بنبرة صوت ما فيهاش نقطة انكسار واحدة، وبكل برود أذهله هو شخصياً: – «طارق.. أنت فاكر إنك راجل وأذكياء؟ أنت وأمك والمعلم توفيق مجرد حشرات بتتغذى على أوجاع الناس.. وأنا مش ندى البصامة بتاعت زمان.. بكرة العصر؟ بكرة العصر مش هيكون وقت فتح البلاطة ليكم.. بكرة العصر هيكون جنازتك أنت وشركائك في السوق وفي الشرطة وفي كل حتة خنتوا فيها ربنا!»

قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة.. ومسكت السلسلة النحاس اللي في رقبتي.. خنقت المفتاح الفضي الصغير بين صوابعي.. المعركة ما بقتش على بيت أو شقة.. المعركة بقت على تار أبويا وحق أمي وحياتي أنا! نزلت تحت، وفتحت درج المكتب القديم.. طلعت أجندة أمي وفهرس الأسماء، وبدأت أدوّر على اسم واحد بس كانت أمي دايماً بتقولي عليه: “لو الدنيا اسودت في وشك يا ندى وما لقيتيش ظهر، كلمي الراجل ده.. ده اللي فاضل من ريحة الشرفاء”.

لقيت الاسم مكتوب بالبند العريض: “اللواء المتقاعد / حمزة العطار – مباحث الأموال العامة وال. العمد”. رفعت التليفون ودست على الأرقام وحطيت الجهاز على ودني وأنا ببتسم ابتسامة الانتقام… تفتكروا اللواء حمزة العطار هيقف مع ندى؟ ولا طلع هو كمان طرف في لعبة أقدم وأكبر مما تتخيل؟ وإيه اللي حيحصل لما ندى تنزل بنفسها تفتح بلاطة الفرن قبل العصر؟
nextpage–> الجزء الرابع صوت رنات التليفون كان بينبض في ودني زي ساعة توقيت بتعد التنازلي لمعركة حياتي.. كل رنة كانت بتاخد معاها حتة من الخوف اللي سكن قلبي سنين، وبتبدله بصلابة جانيت من وسط الوجع.

– «ألو.. مين معايا؟» صوت الراجل كان رخيم، فيه صرامة قاطعة تحسسك إنك بتكلم سد حجر مش مجرد بني أدم.. صوت اللواء حمزة العطار. أخذت نفس عميق، وقُلت بنبرة ثابتة رغم المجهود: – «مساء الخير يا سيادة اللواء.. أنا ندى.. ندى بنت المرحوم عبد الحميد وبنت الحجة فاطمة بتاعة مطعم وسط البلد.» سكوت مفاجئ خيّم على الناحية التانية من الخط.. سكوت تقيل، وبعدها سمعت صوت نفس عميق وزفير هادي، قبل ما يترد عليا بصوت اتغيرت نبرته تماماً وبقت فيها دفء وأبوّة غير متوقعة:– «ندى؟ بنت فاطمة؟ يا أهلاً يا بنتي.. البقاء لله في أمك.. أنا عرفت متأخر للأسف وكنت بره مصر..

أمك كانت ست بعشر رجال يا ندى، وشيلت السر وحمتك بعينيها طول العمر.. طمنيني عنك، فيه حاجة حصلت؟ عشان فاطمة الله يرحمها قالت لي يوم ما ندى تتصل بيك، اعرف إن الكلاب حاصروها!» الكلمة قطعت شكوكي تماماً.. الراجل ده مش مجرد اسم في أجندة، ده الشرف اللي أمي سابتهولي سند في الظلــ,,ـــــمة. قُلت له بكل تفاصيل الليلة: طرد طارق وأهله، تهديد توفيق الجبلي والرجالة بتوعه، مكالمة طارق الأخير وعرض المليون جنيه، والورقة المقطوعة، وسلسلة أمي والمفتاح الفضي اللي فتح سر
وعقد أرض السوق.سمعني اللواء حمزة بدون ما يقطعني بنقطة واحدة.. ولما خلصت، قال بصوت هادي يرعب من كتر ثقته:

– «سمعيني كويس يا ندى.. طارق وتوفيق الجبلي وأمه صفية، دول مش مجرد ناس طمعانين في بيت.. دول شبكة تزوير واستيلاء على أراضي الدولة والأوقاف في وسط البلد والمعادي من التسعينات.. أبوكِ عبد الحميد اكتشف إن العقود اللي توفيق الجبلي بيبني بيها أبراج هي عقود مزورة، وإن العقد الأصلي لأرض السوق كلها كان تحت إيده.. ولما رفض يبيعه أو يدخل معاهم في اللعبة، صفّوه.. وغطوا على الجريمة كأنها دــ,,ـــــادثة عربية عادية.»

مقالات ذات صلة دعوة مظلوم حكايات امانى السيد 3
منذ 23 ثانية دعوة حكايات امانى السيد 2
منذ 5 دقائق دعوة حكايات امانى السيد 1
منذ 8 دقائق حكايات ميرا1
منذ 3 ساعات
دقات قلبي زادت، واللواء كمل: – «أمك فاطمة أذكيك من إنها تبلغ وقتها وهي لوحدها ومعاها طفلة صغيرة اللي هي أنتِ.. آثرت الخفاء واستحملت الفقر وشقا الفول والطعمية وخبّت العقد والأوراق في مكان ما يوصلوش له، وحاطت طارق في طريقك عشان تشوفي بنفسك حقيقته وتكشفيهم وهم فاكرين إنهم بيلعبوا بيكي!»

– «طب والعمل يا سيادة اللواء؟» سألته بلهفة، «توفيق هدد إنه هيحــ,,ـــــرق البيت والمحل بكرة العصر لو ما سلمتلوش اللي تحت البلاطة!» رد اللواء حمزة بضحكة واثقة: – «بكرة العصر؟ ممتاز.. هما فاكرين إنك خايفة وقاعدة في البيت بتدوري على مخرج.. وده السر اللي هنلعب بيه! أنتِ مش هتستني بكرة العصر يا ندى.. أنتِ هتنزلي المطعم القديم النهاردة بالليل.. الفجر بالظبط! تفتحي بلاطة الفرن بالمفتاح الفضي، وتطلعي الصندوق اللي تحتيها.. وأنا هكون مستنيكي هناك مع رجالتي!»

– «المطعم؟» قُلت بدهشة، «المطعم مقفول من يوم وفــ,,ـــــاه أمي والمنطقة هناك بتنام من بعد نص الليل!» – «ده المطلوب بالظبط.. حركة الفجر هي الحركة الوحيدة اللي مش هيتوقعوها.. هما مراقبين البيت هنا في المعادي وفاكرين الأوراق جواه، ومش حاطين في حساباتهم إنك معاكي المفتاح أو إنك عارفة مكان البلاطة الصح.. يلا يا ندى.. البسي هدومك، وانزلي من الباب الخلفي للبيت اللي بيطلع على الممر الجانبي.. عم سيد البواب مستنيكي هناك وعارف هيعمل إيه.»

قفلت مع اللواء حمزة، وحسيت بنــ,,ـــــار بتسري في جسمي.. الخوف المريض اتلاشى تماماً وحل محله رغبة قاطعة في إنهاء المهزلة دي وإرجاع حق فاطمة وعبد الحميد. ارتديت عباية سوداء خفيفة، وربطت شعري، وحطيت المفتاح الفضي جوه إيدي، ومعاه تليفوني.. وطلعت من الباب الخلفي للجنينة في الظلام.. لقيت عم سيد البواب واقف مستنيني ومجهز تاكسي قديم تبع واحد صاحبه. ركبت التاكسي.. وفي الطريق لوسط البلد، كانت شوارع القاهرة فاضية وهادية.. بس جوايا كانت حرب شتعلة!

وصلنا الشارع القديم.. شارع “المبيضة” في وسط البلد.. الدكاكين كلها مقفولة، والأنوار خافته، والمطعم بتاع أمي واقف كأنه شواهد شاهدة على السنين.. محفور على لافتته الخشبية القديمة: «مطعم الأمانة – فاطمة وعبد الحميد».

نزلت من التاكسي بحذر.. مسكت المفتاح الكبيرة وبدأت أفتح القفل المصدي للشراعة الحديدية للمحل.. صوت صرير الحديد كان بيتردد في الشارع الفاضي زي نداء البعث.. فتحت الباب ودخلت، وريحة الفول المحمص والبهارات القديمة والمكان المكتوم ضــ,,ـــــربت في مناخيري.. ريحة أمي!شغلت كشاف التليفون.. واتجهت فوراً للمطبخ الداخلي.. الفرن البلدي القديم المبني من الطوب الأحمر كان واقف في الزاوية.. نزلت على ركبي، وبدأت أزيح التراب والصاج القديم اللي مغطي البلاطة اللي جنب القاع.

ولقيت البلاطة! بلاطة رخام سوداء، متفاوتة عن باقي بلاط الأرضية.. وفوقيها خرم صغير جداً بحجم المفتاح الفضي اللي في رقبتي! مقالات ذات صلة دعوة مظلوم حكايات امانى السيد 3
منذ 37 ثانية دعوة حكايات امانى السيد 2
منذ 6 دقائق دعوة حكايات امانى السيد 1
منذ 9 دقائق حكايات ميرا1
منذ 3 ساعات
مسكت المفتاح، إيدي كانت بتهتز بسيط، وحطيته في الفتحة.. ولفيته! «تِك».. صوت ميكانيكي واطي صدـ,,ـــر من تحت الرخامة، والبلاطة اترقعت لفوق سنتيمترات!

رفعت البلاطة بإيدي.. وتحتيها لقيت التجويف! صندوق حديدي أسود صغير، متغطي بقماش خيش قديم لحمايته من الرطوبة.. مسكت الصندوق ورفعته.. كان ثقيل، بس قبل ما ألحق أفتحه أو أطلع بيه.. سمعت صوت خطوات رجالة بتدخل المحل بسرعة! صوت تصفيق بطيء وبارد قطّع هدوء المكان: – «برافو يا ندى.. والله وبقيتي شاطرة بتسمعي الكلام وتنفذي في الوقت المناسب!» تجمّدت في مكاني.. لفيت كشاف التليفون ناحية الصوت.. كان واقف عند باب المطعم طارق جوزي.. وجنبه الحاجة صفية لافة شال أسود على رأسها وعينيها بتلمع بشر.. وجنبهم المعلم توفيق الجبلي بكرشه الضخم وعصايته الأبنوس، ووراه تلات رجالة مدججين بالسلاح!ابتسم طارق ابتسامة نذالة وقرب خطوات:

– «فاكرة إنك أذكى منا يا ندى؟ فاكرة إننا سيبناكي تمشي من المعادي من غير ما نكون حاطين جهازم تتبع في عربية التاكسي بتاعة عم سيد البواب الخاين؟» الحاجة صفية زغردت بصوت خافت ومستفز: – «الله أكبر! الحمد لله اللي أظهر الحق! هاتي الصندوق يا حلوة بجدعنة كده، عشان ما تروحيش لأمك فاطمة وأبوكِ في نفس التربة الليلادي!» توفيق الجبلي قدم خطوة، ورفع عصايته وشاور بيها عليا:

– «سلمي الصندوق يا بنت عبد الحميد.. العقد ده حقي وحق نسلي.. وأنتِ مالكيش فيه غير رصاصة تسكتك للأبد لو عصلجتي!» بقيت محاصرة جوه المطبخ الضيق.. الصندوق الحديدي في إيدي، وال.ة قدامي.. وطارق واقف يضحك بشماتة وكأنه بيشوف مسرحية! بس في اللحظة دي بالظبط.. وقبل ما أي حد منهم يخطو خطوة ثانية للمطبخ.. اتفتحت الشبابيك الخشبية العليا للمطعم بعنــ,,ـــــف! وأنوار كشافات هائلة وعالية جداً ضــ,,ـــــربت في وشوشهم وعمت عينيهم تماماً!

وصوت ميكروفون قوي هز المنطقة كلها وصداه رج أركان الشارع: – «اثبت مكانك أنت وهو! المكان كله محاصر! المباحث العامة والعمليات الخاصة.. أي حركة هتتصفوا في مكانكم!» توفيق الجبلي اترمى لورا من الصدمة.. وطارق وشه بياض كأنه ميت، ورجليه لم تعد تشيله وقعد على الأرض.. والحاجة صفية بدأت تصوت وتدعي وتلطم على وشها! دخل اللواء حمزة العطار من الباب وهو ماسك طبنجته، ووراه عشرات من رجال الشرطة والعمليات الخاصة اللي انتشروا في المحل وسيطروا على الرجالة المسلحين في ثواني!

قرب اللواء حمزة مني، ومد إيده وساعدني أقوم من على الأرض، وبصلي بابتسامة فخر: – «عفارم عليكي يا ندى.. وقفتي ثابتة زي أمك فاطمة بالظبط!» بصيت لطارق وهو بيتربط بالكلبشات مع أمه وتوفيق الجبلي.. كان باصص لي بعيون مليانة توسل ورعب، وبيحاول يتكلم: – «ندى! ندى سامحيني! أنا اتخدعت.. أمي وتوفيق هما اللي أجروني وغصبوا عليا! ندى اعفي عني!» بصيت له بكل قرف وازدرء، وقُلت له بثبات يسحق كبرياءه: – «أنت مش اتخدعت يا طارق.. أنت بعت ندوك وعشت خاين وشغّال عند اللي يسوى والمال.. والحساب النهاردة مش حساسي أنا.. الحساب ده حق دم أبويا وسنين قهر أمي فاطمة!»

اقتادوهم كلهم بره المحل وسط ذهول أهل المنطقة اللي بدأوا يتجمعوا على الصوت.. مسكت الصندوق الحديدي، وفتحته بالمفتاح الفضي قدام اللواء حمزة.. وجوه الصندوق، لقيت العقد الأصلي لأرض السوق والمحلات.. ومعه شريط تسجيل قديم (كاسيت) مكتوب عليه بخط أمي: “اعترافات وتدابير توفيق الجبلي وسطوته”. بس وأنا بطلع الشريط.. لقيت ورقة مطوية ثالثة وأخيرة تحت العقد.. ورقة مكتوبة بدموع ورعشة إيد أمي قبل ما تمــ,,ـــــوت بأيام.. فتحت الورقة وقرأت المكتوب فيها، وفي اللحظة دي.. العقد والشريط وقعوا من إيدي على الأرض من هول الصدمة!

الورقة ما كانتش عن توفيق الجبلي.. ولا عن أرض السوق.. الورقة كانت بتكشف السر الأكبر والأخطر اللي أمي خبته عن العالم كله.. سر يخص ندى نفسها وحقيقة نسبها للبيت ولعائلة عبد الحميد وفاطمة!تفتكروا إيه السر المرعب اللي كتبته أم ندى عن نسبها وحقيقتها؟ وإيه اللي هيحصل لما الشريط ينزل للنيابة ويكشف الرؤوس الكبيرة اللي ورا توفيق الجبلي؟ مقالات ذات صلة دعوة مظلوم حكايات امانى السيد 3
منذ 48 ثانية دعوة حكايات امانى السيد 2
منذ 6 دقائق

دعوة حكايات امانى السيد 1
منذ 9 دقائق حكايات ميرا1
منذ 3 ساعات
الجزء الخامس والأخير وقعت الورقة من إيدي وكأنها جمرة نــ,,ـــــار مشتعلة.. الأرض تحت رجليا اتسحبت، وصوت دقات قلبي بقى يصرخ في ودني أعلى من أصوات سرينات عربيات الشرطة اللي مالية الشارع بره. اللواء حمزة العطار لاحظ ذهولي وصدمتي اللي خلت لون وشي يبياض كأني شفت جــ,,ـــــثه.. نزل على ركبتيه بسرعة، جاب الورقة من الأرض وبصلي بتساؤل وقلق:

– «ندى! مالك يا بنتي؟ إيه اللي مكتوب في الورقة دي وخلاكي تتسمري كدة؟» لساني كان مشلول.. مش قادرة أطلع حرف واحد.. شاورِت لإيده بالورقة، وقرأ هو السطور اللي كتبتها أمي فاطمة بخط إيدها المرتعش قبل ما تفارق الحياة بأيام قليلة:

«يا ندى يا بنتي.. لو تقرأي الكلمات دي، يبقى السر انطوى وحق عبد الحميد رجع.. بس فيه حق تاني لازم تعرفيه قبل ما تقابلي ربنا.. أنتِ مش بنتنا بالدم يا ندى.. أنتِ طفلة عبد الحميد جابك من الملاذ لما كان عمرك أيام، بعد ما دكاترة المستشفى قالولنا إن رحمي مش هيشيل أطفال.. عبد الحميد سِمّاكِ ندى، وكتبك باسمنا عشان يحميكي ويفرح بيكي.. وربنا شاهد إني حبيتك أكتر من أي أم ما جابتش! لكن السر الأكبر يا ندى.. إن السرين بتوع توفيق الجبلي والملف ده.. أصلهم يرجع لأبوكي الحقيقي اللي عبد الحميد مات عشان يحمي سر أهله!»

غبت عن الوعي لثواني.. أفكاري تضاربت وتلاطمت زي أمواج البحر.. أنا مش بنت فاطمة وعبد الحميد؟ الست اللي قضت عمرها تحميني، واللي وقفت على رجليها في مطعم الفول عشان تسيبلي بيت وسند، مش أمي الحقيقية؟ وعبد الحميد الراجل الطيب اللي ات. عشان العقد، مش أبويا بالدم؟ اللواء حمزة حط إيده على كتفي برفق شديد، ونبرة صوته الحازمة تحولت لأبوة مطلقة:

– «اهدِي يا ندى.. اهدِي يا بنتي واقفي على حيلك.. فاطمة وعبد الحميد هما أهلك الحقيقيين.. اللي يربي ويكبر ويحمي بروحه ويضحي بحياته هو الأب والأم الحقيقيين، مش اللي يرمي ويختفي! والورقة دي ما تنقصش من قدرك، دي بتزيدك شرف إنك بنت أبطال عاشوا وماتوا بشرفهم!»كلامه نزل على قلبي زي المية الباردة في عز الصيف.. مسحت دموعي بإيدي، واستجمعت نَفَسي، ورفعت رأسي لفوق.. اللواء حمزة عنده حق.. فاطمة هي أمي اللي شيلت اسمها، وعبد الحميد هو أبويا اللي مات عشان يحميني.. ومفيش سر في الدنيا هيغير الحقيقة دي.

أخذ اللواء حمزة الشريط الكاسيت والعقد الأصلي، وأمر رجالة المباحث بنقل الصندوق والتحفظ على المكان بالكامل.. وخرجنا من المطعم. مقالات ذات صلة دعوة مظلوم حكايات امانى السيد 3
منذ دقيقة واحدة دعوة حكايات امانى السيد 2
منذ 6 دقائق دعوة حكايات امانى السيد 1
منذ 9 دقائق حكايات ميرا1
منذ 3 ساعات
في الشارع القديم، كان منظر توفيق الجبلي وطارق والحاجة صفية وإبراهيم وهم متكلبشين ومحطوطين في البوكس بتاع الشرطة منظر يداوي أي جرح..

طارق شافني طالعة مع اللواء حمزة، حاول يصرخ ويهز الكلبشات في إيده: – «ندى! ارجعي يا ندى! أنا اتخدعت والله.. أمي هي اللي أغرتني بالفلوس! سامحيني واقفي جنبي في النيابة!» بصيت له بعيون ميتة، عيون مفيش فيها حتى كره.. القرف والازدراء هما كل اللي حسيت بيه ناحيته.. قُلت له بنبرة قاطعة هزت الشارع: – «أنت ما تستهلش حتى إني أكرهك يا طارق.. أنت مجرد نكرة بعت شرفك وكرامتك عشان قرشين.. والحساب اللي هتدفعه في السجــ,,ـــــن مش هيكون بس على التزوير والسرقة.. هيكون على دم عبد الحميد وسنين شقاء فاطمة!»

الحاجة صفية كانت بتصوت وتلطم على وشها وتدعي عليا وعلى الدنيا، وتوفيق الجبلي وشه كان اسود زي الفحم وهو شايف مستقبله وإمبراطوريته المزيفة بتنفي في ثواني. مرت الأيام والأسابيع بعد الليلة دي زي السحاب.. أمام النيابة العامة، اتفتحت التحقيقات في قضية إعادة فتح م. عبد الحميد والتزوير والاستيلاء على أراضي الأوقاف.. الشريط الكاسيت اللي أمي سابته كان فيه تسجيلات صريحة لتوفيق الجبلي وهو بيعترف بتهديد عبد الحميد وبترتيب الدــ,,ـــــادثة المفتعلة اللي أودت بحياته.. وبمساعدة طارق وزوجته وأمه في محاولة سرقة العقود بعد وفــ,,ـــــاه أمي فاطمة.

صدـ,,ـــر بعد شهور من المحاكمات..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى