منوعات

انا ارمله حكايات روماني مكرم 2

السر اللي افتكرته في اللحظة دي رجع الروح لجسمي بعد ما كنت جثة هامدة. افتكرت جوزي الله يرحمه، “محمود”، قبل وفاته بشهور لما جاب لي علبة قطيفة حمراء وقالي: “يا هناء، البيت ده أنا وأخويا سيف ورثناه عن أبويا، بس سيف طول عمره ملوش في الشقا، وأنا اللي دفعت دم قلبي في بنا الدورين التاني والتالت. وعشان أأمنك إنتي والعيال، أنا عملت لك عقد بيع وشراء وتنازل عن الشقة دي، وموثق في الشهر العقاري وبصمة إيدي عليه.”

العقد ده كان مدفون وسط ورق قديم في قاع الدولاب، مكنتش عايزة أطلعه زمان عشان ميعملش حساسية بيني وبين حماتي وسيف، وكنت فاكرة إن سيف هيصون لحم أخوه بالمعروف، مكنتش أعرف إن النفوس اتقيدت بالغل والجشع. قمت جري على الدولاب، قلبت الورق كله وإيديا بترتعش، لحد ما إيدي لمست الورقة الصفراء الموثقة. فتحتها وقريت السطور.. الكلام واضح، الشقة ملكي “بيع وشراء قطعي وغير قابل للإلغاء”. يعني سيف لما باع لفريدة، باع لها نصيبه في بيت العيلة كـ “مبنى وأرض”، لكن شقتي أنا برا الحسبة دي تماماً ومحدش يقدر يخرجني منها بقوة القانون.

شلت العقد في مكان أمان، ومسحت دموعي. النظرة المكسورة اللي كانت في عيني اختفت، وحل محلها نظرة حد بيحارب عشان لقمة عيالها. حكايات رومانى مكرم تاني يوم، نزلت من الصبح وروحت لمحامي من طرف أبويا، ورجعت البيت وأنا عارفة رأسي من رجلي. دخلت لقيت سيف وقاعد مع أمه في الصالة تحت، وحماتي عمالة تقنع فيه: “يا بني بلاش كسر خاطر هناء، بلاش تاخد شقتها، دي برضه مرات أخوك وشايلة عيال الغالي.”

سيف رد عليها بنرفزة وهو بيشرب الشاي: “يا أمي فريدة دافعة تمن البيت، ومش هتقعد فوق، وبعدين هناء مش هتترمي في الشارع، الشقة اللي فوق موجودة، هي هتعملي فيها دراما ليه؟” دخلت عليهم بكل ثقة، ووقفت قدام سيف. بص لي باستخفاف وقالي: “ها يا هناء، بدأتي تلمي الحاجه؟ العمال جايين بعد بكرة عشان يبدأوا توضيب.” قعدت على الكرسي اللي قباله وحطيت رجل على رجل، وبكل برود قولت له: “مش هلم قشاية واحدة من الشقة يا سيف.. والشقة دي مش هتخرج منها غير على قبرها.”

سيف وقف والغل ملى وشه: “إنتي هتعلي صوتك عليا في بيتي؟ أنا قولت كلمتي، والورق اللي مع فريدة يرميكي برة البيت كله لو لعبتي معايا!”

طلعت صورة من عقد الشهر العقاري ور ميتها على الترابيزة قدامه: “الورق اللي مع فريدة ده تبلوا مبلول وتشربوا ميته يا سيف. أخوك الله يرحمه بايع لي الشقة دي بيع وشراء وموثق في الشهر العقاري من سنين. يعني إنت لما بعت لفريدة، بعت لها الهوا، أو بعت لها نصيبك في الأرض والشقة اللي فوق بس. شقتي دي برا البيعة، ولو فريدة أو عمالها حطوا رجلهم فيها، المحضر هتعمل في قسم الشرطة بالهجوم على ملكية خاصة والتعدي على حرمة منزل.”

سيف مسك الورقة، وعينيه كانت بتتحرك بسرعة بين السطور، ووشه بدأ يقلب ألوان.. الأخضر والأصفر، الصدمة لجمت لسانه. حماتي برقت عينيها وقالت: “محمود عمل كده يا هناء؟” قولتلها: “أهو ورق ابنك الغالي يا ماما، اللي كان خايف عليا وعلى عياله من غدر الزمن.. وغدر أخوه.” في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت فريدة، وكانت شايلة معاها كتالوجات ديكور وشكلها فرحانة، وبتقول: “سيف حبيبي، أنا كلمت مهندس الديكور وهيجي…” سكتت لما شافت منظر سيف والورقة في إيده وهو بيترعش من الغضب. قربت منه وقالت: “في إيه يا سيف؟ مالك واقف كده ليه؟”

سيف بصلها ورمى الورقة في وشها وهو بيصرخ: “المحروس أخويا ضحك علينا كلنا! البيت مش ملكي لوحدي، والشقة دي هناء معاها عقد مسجل ليها من سنين!” فريدة مسكت الورقة وقريتها، ولأول مرة أشوف علامات الرعب والغل تظهر على وشها بالشكل ده. بصت لي وقالت بحدة: “إنتي فاكرة بالورقتين دول هتاخدي جوزي والبيت؟ أنا دافعة شقا عمري في الخليج عشان أشتري البيت ده وأعيش فيه ملكة، مش هسيبك تاخديه!”

رديت عليها بكل برود وقمت وقفت قدامها: “البيت بيتك يا حبيبتي، اطلعي عيشي فوق في الشقة الضيقة اللي مش عاجباكي، أو خدي سيف وعيشوا في الشارع، إنما شقتي دي خط أحمر. والسبع أيام اللي إدتهملي عشان أنقل؟ أنا بديهملك إنتي وسيف عشان تشيلوا ورقكم وتشوفوا هتعملوا إيه، لأن خطوة واحدة تانية في طريقي.. هتشوفوا مني وش عمركم ما تخيلتوه.” فريدة لفت لسيف وقالت له بزعيق هز البيت: “يعني إيه يا سيف؟ إنت ضحكت عليا؟ بعت لي بيت مش بتاعك؟ أنا عايزة فلوسي دلوقتي حالا يا إما هحبسك!”

سيف وقف مشلول مش عارف يرد، وحماتي حطت إيديها على راسها وهي بتصوت من الفضيحة اللي هتحصل في المنطقة. وأنا سبتهم في وسط حريتهم اللي بدأوا ياكلوا في بعض فيها، وطلعت شقتي، قفلت بابي بالمفتاح والترباس، وحضنت عيالي وأنا حاسة لأول مرة من سنتين.. إن ظهري مش مكشوف. بس الحرب مخلصتش هنا، فريدة مش الست اللي تستسلم بسهولة، وسيف لما لقى نفسه مهدد بالحبس وخسارة فريدة والفلوس، عقله وداه لحتة تانية خالص.. حتة مكنتش أتوقع إن أخو جوزي ممكن يوصل لها أبداً!

#الكاتب_رومانى_مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم الصوت العالي والزعاق اللي كان جادد في بيت حماتي تحت اختفى فجأة، وحل محله سكون مرعب. السكون ده مكنش مريحني، لإن الهدوء اللي بيجي بعد العاصفة دايماً بيكون وراه مصيبة أكبر. عدا يومين، ومفيش أي حس لسيف ولا لفريدة. حتى حماتي منزلتش ولا رنت عليا، والعمال اللي كانوا المفروض يجوا يهدوا الشقة مجوش. كنت فاكرة إن فريدة لوت دراع سيف وأجبرته يرجع لها فلوسها، أو إنهم بيدوروا على حل قانوني، بس اللي غاب عن عقلي إن الشيطان لما بيتحشر في زاوية، مبيفكرش في القانون.. بيفكر في الأذى.

في اليوم التالت، الساعة كانت حوالي 2 بالليل. العيال كانوا نايمين، وأنا قاعدة في الصالة بقرا في كتاب، هدوء الليل قطعته حركة غريبة برا الشقة. صخب خفيف، وصوت خطوات رجلين بتتحرك بحذر شديد على السلم، مكنتش خطوة سيف المعتادة الرزيعة. قمت براحة من غير ما أعمل صوت، وقربت من الباب. بصيت من العين السحرية، الدنيا كانت ضلمة كحل، لمبة السلم كانت مكسورة، بس لمح خيال طويل واقف قدام باب الشقة وبيمد إيده ناحية كالون الباب.

حكايات رومانى مكرم قلبي بدأ يدق زي الطبل، وجسمي كله سقع. لقيت الكالون بيتحرك براحة.. حد بيحاول يفتح الباب بمفتاح! سيف معاه نسخة من مفتاح الشقة القديم، بس أنا كنت مأمنة نفسي وقافلة بالترباس الحديد اللي ركبته من يومين. لما المفتاح عِشق في الكالون ولف، خبط في الترباس ووقف. اللي برا عرف إن الباب مقفول من جوه، فسمعت نفس حار ومكتوم وصوت همس واطي جداً.. صوت سيف وهو بيكلم حد: “مقفول بالترباس من جوه يا فريدة.. مش هعرف أدخل.”

رد عليه صوت فريدة الهامس والمليان غل: “اتصرف يا سيف! الورق الأصلي بتاع الشهر العقاري جوه الدولاب بتاعها، المحامي قالي لو الورق ده اختفى أو اتحرق، العقد اللي معايا هيبقى هو الوحيد اللي ساري، ومحدش هيدور ورا واحدة أرملة. لازم تدخل وتجيب الورق الليلة دي قبل ما ترفع القضية الصبح!” الدم هرب من عروقي. الاتنين جايين يسرقوا العقد! سيف اللي المفروض عم ولادي، جاي نص الليل يتسحب زي الحرامية عشان يسرق حق الأيتام ويرضّي الست اللي عميت قلبه وعينيه بالفلوس والحب المزيف.

سيف رد عليها بخوف: “أنا مش حرامي يا فريدة، لو صحت ولمت علينا الناس هتبقى فضيحتنا بجلاجل في المنطقة!” فريدة وزته بجحد: “فضحتك هتبقى أكبر لما أرفع عليك قضية النصب وأرميك في السجن بالفلوس اللي أخدتها مني وصرفتها على تجهيز شقتنا! خلص نفسك.. ادخل من بلكونة المطبخ، إنت عارف إن سورها قريب من سلم السطح.” سمعت خطواتهم بتبعد وبتطلع لجهة السطح. في اللحظة دي، الخوف اللي كان شالني اتحول لكتلة من النار. جريت على المطبخ، وقفلت باب المطبخ الخشب وعشقته بالترباس هو كمان، ووقفت وراه وأنا ماسكة في إيدي “إيد الهون” الحديد، وعيني على شباك البلكونة.

ثواني وسمعت خربشة على السور، وخيال سيف ظهر وهو بينط جوه البلكونة. بدأ يزق في ضلفة الشباك الألوميتال براحة لحد ما فتحها، ومد إيده عشان يفتح باب المطبخ.. بس الباب مكنش بيفتح. سيف بدأ يضغط أقوى بصدره، وفي اللحظة دي أنا مأستنتش. فتحت باب المطبخ فجأة وبكل قوتي، وبدون ما ينطق بكلمة، نزلت بإيد الهون على إيده اللي كانت ممدودة. سيف صرخ صرخة مكتومة وهو بيمسك إيده اللي اتصابت: “آه.. إديا! هناء إنتي صاحية؟”

شغلت نور المطبخ، ووقفت قدامه وعيني فيها شرار: “صاحية وعارفة إنك جاي تسرق يا سيف! جاي تسرق ورق عيال أخوك عشان الست اللي ممشياك وراها زي الخاتم؟” فريدة أول ما سمعت الصوت، نزلت جري من السلم ودخلت البلكونة وراه، وبصتلي بكل بجاحة وقالت: “آه جايين ناخد حقنا، والبيت ده بتاعي، والورق اللي معاكي ده هنـاخده يعني هنـاخده!”

مسكت تليفوني اللي كان في جيب جلاليبي، ورفعته في وشهم وأنا ببتسم بوجع وسخرية: “تؤ.. مش هتاخدوا حاجة. لإن من أول ما سمعت صوتكم على الباب وأنا مشغلة تسجيل الصوت والفيديو.. والمكالمة اللي دارت بينك وبينه على السلم متسجلة، ومحاولتكم لدخول الشقة سرقة نص الليل متصورة فيديو واضح وصريح لوشوشكم.” سيف وش الصدمة لجمه، وفريدة خطت خطوة لقدام وهي ناوية تهجم على التليفون وتخطفه: “هاتي التليفون ده هنا!”

رفعت إيد الهون في وشها وصوتي طلع قوي زلزل الحيطان: “خطوة واحدة كمان يا فريدة، وهتكون دماغي ودماغك للبوليس، والتسجيل ده دلوقتي حالا بيتبعت على الواتساب للمحامي بتاعي ولجروب العيلة والمنطقة كلها.. عشان الكل يعرف سيف وفريدة جايين يعملوا إيه في نص الليل في شقة أرملة!” فريدة وقفت مكانها، وبصت لسيف برعب، وسيف وقع على ركبه في البلكونة وهو ماسك إيده اللي بتنزف وبصلي وعينيه فيها انكسار حقيقي لأول مرة.. بس الانكسار ده مكنش بسبب الندم، كان بسبب المفاجأة التانية اللي ظهرت وراهم في ضلمة السلم، وصوت خطوتها خلتنا كلنا نلف برأسنا!

#الكاتب_رومانى_مكرم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى