منوعات

مـ,ـرض حماتي 3 حكايات زهرة حصري

— «لا يا سيدي، هالة مش تعبانة.. هالة حامل، والبيت ده هيستقبل أول حفيد للورثة الجداد بعد كام شهر!» الفرحة ملأت المكان، والصراخ بالزغاريد من حماتي وعايدة وأميرة غطى على أي أثر للحزن القديم. خالد حض.نني بحب وفخر، وأنا حسيت إن كل الوجع والتهم والظلــ,,ـــــم اللي مريت بيه في بداية جووزي، كان مجرد اختبار صلب عشان يحميني ويبنيلي مكانة غالية في قلب العيلة دي. لكن، رغم الفرحة دي كلها والأجواء المبهجة.. وبعد مرور شهرين كاملين، وفي هدوء الليل، وأنا قاعدة في شقتي فوق وبقرأ كتاب.. سمعت صوت جرس الباب بيرن رن خفيف ومتواصل في ساعة متأخرة جداً من الليل..

ولما قربت وبصيت من العين السحرية.. شفت واحدة ست لافة وجهها بطرحة سودا، ودفعة جواب أبيض مغلف من تحت الفتحة السفلية للباب، وجريت على السلم بسرعة! فتحت الباب بالراحة، وسحبت الجواب المكتوب عليه بخط إيد غريب ومشفر: (إلى هالة.. لا تفرحي كثيراً بالطفل الذي في بطنك، فالحقيقة التي يخفيها عليكِ خالد وحماكِ عن أصل هذه العيلة أشد خطراً من سموم سمر!)

وقفت مكان بباب الشقة، والجواب الأبيض في إيدي بيترعش، والكلمات المكتوبة بخط مشوه ومبتور بتتعاد في دماغي زي الصدى: (لا تفرحي كثيراً بالطفل الذي في بطنك، فالحقيقة التي يخفيها عليكِ خالد وحماكِ عن أصل هذه العيلة أشد خطراً من سموم سمر!) جسمي كله اتجمد، والبرودة سرت في أطرافي رغم حرارة الجو. بصيت ناحية السلم اللي اختفت فيه الست المفزوعة، ما كانش فيه غير صوت هواء خفيف بيلف في الممر. دخلت وقفلّت الباب بالضبة والمفتاح، مشيت بالراحة لحد أريكة الصالة وقعدت، ماسكة بطني بإيد، وبالإيد الثانية ضاغطة على الجواب اللي كان زي الجمرة المسكوبة في كفي.

يقصدوا إيه بـ “أصل العيلة”؟ وإيه السر اللي ممكن يكون يخفيه خالد وحماه، بعد كل اللي مرينا بيه؟ بعد العقود، والورث، وأرض أبويا، وقضية سمر، وأميرة المظلومة، والدموع اللي اتسالت؟ هو فيه سر ثاني لسه مستخبي تحت بلاط البيت ده؟ سمعت خطوات خالد نازلة على السلم الداخلي لشقتنا فوق، جاي من أوضة النوم وهو بيمسح عينيه من النوم: — «هالة؟ أنتِ لسه صاحية يا حبيبتي؟ كنتِ بتتكلمي مع مين عند الباب؟»

بسرعة وبدون ما أفكر، طبقت الجواب ودخلته تحت مخدة الكنبة، ولفت وشي له وأنا بحاول أبتسم ابتسامة باهتة ومضروبة: — «لا يا خالد.. ده.. ده كان جرس الباب رن وغلطة من حد من الجيران، نزلت أشوف مفيش حاجة.. ادخل كمل نومك أنت.» خالد قرب مني ودقق في وشي الحزين والأصفر، وقعد جنبي ومسك إيدي المتلجة: — «مالك يا هالة؟ أنتِ بتترعشي كده ليه؟ فيه حاجة تعباكي ولا الحمل مأثر عليكِ؟ تحبي نطلع للمستشفى دلوقتي؟»

نظرة خالد كانت مليانة خوف صادق واهتمام، نظرة راجل وقف جنبي قدام أخته وسلايفه، ونصرني لما الكل شك فيا. عقلي كان بيتصارع: هل أطلعه على الجواب وأسأله فوراً؟ ولا أستنى وأعرف مين الست دي وأصل الحكاية من غير ما أعمل حــ,,ـــــريقة جديدة في البيت اللي يادوب بدأ يرتاح؟ قلت له بصوت متقطع: — «أنا كويسة يا خالد.. بس افتكرت اللي حصل اليومين اللي فاتوا وقلقانة شوية.. روح نام وأنا جاية وراك.»

خالد اقتنع بصعوبة وقام، بس أنا ما جانيش نوم طول الليل. فضلت باصة للسقف، وعيني كل شوية تروح للمخدة اللي تحتها الجواب. ولما أشرقت شمس الصبح، ونزل خالد شغله، سحبت الجواب ونزلت بيه لشقة حماتي تحت. كانت حماتي وحمايا قاعدين في الصالة بيشربوا الشاي، وحمايا بيفرز جرايد الصبح. دخلت عليهم ووشي باين عليه التعب، ولما حمايا شافني، قام بسرعة وقالي: — «صباح الخير يا هالة يا بنتي.. مالك؟ وشك كئيب كده ليه الصبح؟ الحفيد الغالي عامل فيكي إيه؟»

ما نطقتش بكلمة.. سحبت الجواب من جيبي وحطيته على الترابيزة قدام حمايا وحماتي. حمايا بص للجواب باستغراب، وسحبه وفتحه وقرأ الكلمات المكتوبة فيه. شفت ملامحه بتتغير في ثواني؛ النظرة الحنونة الطيبة اختفت، وتحولت لملامح وجوم وصدمة ورعب ما شفتوش في عينيه حتى لما سمر هجمت بالبلطجية على العمارة! حماتي لاحظت التغير وقالت بخرعة: — «فيه إيه يا حاج؟! الجواب ده فيه إيه؟! وريني كده!» حمايا قفل الجواب بسرعة وبقوة في إيده، وبصلي بصارمة وعيون زي جمر النــ,,ـــــار، وقال بصوت واطي ومكتوم بس يقطع النفس:— «الجواب ده جالك إمتى يا هالة؟ ومين اللي إدالك إياه؟!» قلت له وأنا برتجف:

— «جالي امبارح بالليل.. ست لافة طرحة سودا رمت الجواب من تحت الباب وجريت.. إيه هو السر يا عمي؟ إيه اللي بتخفوه عليا وعلى خالد؟! ومين العيلة دي بالظبط؟!» حمايا قام وقف، وبص للشباك المقفول وكتفانه محنية كأنه شايل جبل تقيل، ولفت وشها لحماتي وقالها جملة خلّت حماتي تصرخ وتحط إيدها على فمها بذهول: — «كان لازم نعرف إن الأيام مش هتسيبنا في حالنا.. السر اللي اندفــ,,ـــــن من ثلاثين سنة، طلع يطاردنا من جديد يا أم خالد!»

حماتي بدأت تبكي وتقول: — «لا يا حاج! بلاش نفتح الأبواب المقفولة! هالة دي بنتنا وخالد ابننا، بلاش تخرب البيت بيديك!» أنا صرخت فيهم بأعلى صوتي والدموع نازلة من عيني: — «أنتم بتتكلموا عن إيه؟! افهموا!! أنا مش هتحرك من هنا ولا هسكت إلا لما أفهم إيه العلاقة بيني وبين أصل العيلة دي، وليه الجواب بيقول إن خالد وأبوه يخفوا سر عن أصل العيلة أشد من السموم!» حمايا اتنهد تنهيدة طويلة وموجوعة، وقرب مني، وقعد قدامي مسك إيدي بك.سرة وقال:

— «السر يا هالة مش عن الفلوس والأرض اللي كتبناهالك.. السر عنك أنتِ وعن خالد بالذات.. السر إن خالد جوزك.. ما كانش المفروض يكون من العيلة دي أصلاً، وأبوكي الله يرحمه.. هو السبب الحقيقي في القصة دي كلها!» اتسمرت مكاني والأرض بدأت تدور بيا. الكلام نزل على دماغي زي المطرقة، وبصيت لحمايا بعيون مبرقة ومش قادرة أستوعب الحروف اللي تخرج من فمه. خالد.. جوزي وسندي.. ماله بـ أبويا الله يرحمه؟ وإيه العلاقة السريّة اللي جمعت بين أبويا وعيلة حمايا من أكثر من ثلاثين سنة؟

حماتي كانت قاعدة على الأريكة بتبكي بصلة وصوت مكتوم، تغطي وشها بإيديها، وحمايا ينظر للأرض بك.سرة حقيقية، كأن الجواب الخفي ده سحب من جسمه كل القوة والصلابة اللي كان يتظاهر بيها قدام الكل. قربت من حمايا وصوتي بيترعش من الخوف والذهول: — «أبويا؟! أبويا الله يرحمه ماله ومال خالد؟! افهم يا عمي أرجوك.. أنت بتقول إيه بالضبط؟!» حمايا حط إيده على ركبته وبدأ يتكلم بنبرة مليانة ألم وندم، بصوت هادي طالع من أعماق الماضي:

— «من ثلاثين سنة يا هالة.. أنا وأبوكي الله يرحمه كنا أصحاب عمر وأخوات ما ولدتمش أم واحدة. كنا شغالين مع بعض في التجارة والمقاولات هنا في القليوبية. وفي يوم من الأيام، حصلت دــ,,ـــــادثة سير بشعة على الطريق الزراعي، عربية أبوكي اتصدمت بنقل تقيل.. أبوكي نجا بفضل ربنا، بس العربية التانية كان فيها عيلة مسافرة، ما.ت الأب والأم في اللحظة، وما نجلش من الدــ,,ـــــادثة دي غير طفل صغير عمره شهور..» بلعت ريق بصعوبة وسألته: — «الطفل ده.. هو خالد؟!» حمايا هز رأسه بدموع وقال:

— «أيوه يا هالة.. خالد هو الطفل ده. أبوكي لما شاف الطفل ومأساة العيلة اللي انتهت في ثواني، جالي وهو بيبكي وبيتقطع من الذنب، وقال لي: “يا عوض الله، العيل ده ماليش أي ذنب في المو.ت اللي حله بعيلته، وأنا مش هسيبه يتربى في ملجأ ولا يتغلب في الدنيا”. أبوكي نسب الطفل ليا أنا وأم خالد، لأننا وقتها كنا متجوزين وبقالنا سنين ربنا ما رزقناش بعيال والأطباء قالوا إن أملنا ضعيف. أنا وأم خالد أخدنا الطفل، وكتبناه باسمي وربيناه كأنه ابننا البكر وسرنا المكتوم ما حدش يعرفه في الدنيا غيري أنا وأبوكي وأم خالد!»

أنا دموعي نزلت بانهيار، وسألته بحشرجة: — «طب وطالما أبويا هو اللي جابهولكم، وليه الجواب بيقول إن فيه خطر وعلاقة سرية تخفوها عن أصل العيلة؟ وليه خالد بالذات ما يعرفش؟!» حمايا كمل وهو بيمسح دموعه:

— «لأن العيلة اللي ما.تت في الدــ,,ـــــادثة يا بنتي.. ما كانتش عيلة عادية. كانت عيلة كبيرة وناقذة في الصعيد، وكان بينهم وبين عائلات ثانية تار ودم قديم! وقتها، أبوكي وأنا خفنا لو السر اتعرف أو أهله العصب عرفوا بمكانه، يأخدوا الولد ويغرسوه في بحر الدم والتار، أو يتأذى بسببه! علشان كده دفــ,,ـــــنا السر، وقطعنا كل خيط يربط خالد بأصله الحقيقي وحميناه في بيتنا. وأبوكي الله يرحمه قبل ما يمو.ت، وصاني وقالي: “يا عوض الله، لما تكبر هالة وتتجوز خالد، اكتب الأرض والبيت باسمها هي، عشان تكون دي الأمانة اللي بنرد بيها حقه ونحميهم هما الاثنين بملك حلال”.»

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى