منوعات

حماتي وتصرفاتها الغريبة

بس جوزي كان واقفًا كالجبل. لا يهتز. قال بصرامة لو كنتِ فكرتي في الكلام ده قبل ما تعملي اللي عملتيه، ما كانش وصلنا لكده. النهاردة أنا بخرج من البيت، وكل فلوس كنت ببعتهالك هتتوقف. اللي عايز يصرف عليكِ يصرف، واللي عايز يأكلك يأكلك. أنا انتهى دوري هنا. سامحيني إن كنت قصرت في حقك، لكن ما أقدرش أعيش مع إنسانة بتتعامل معايا بالنفاق والخداع.
طلعنا من الشقة، وسمعت صوت صړاخها وندبها ورانا، بس ما رجعناش. نزلنا على السلم، وأنا ماشية جنبه، حاسة بقلبي بيتقطع عليه وعليها. كنت عارفة إن المشوار ده كان أصعب مشوار في حياته.

لما وصلنا للعربية، ركبنا وسارنا من غير كلام. الطريق كان طويل، والليل بدأ يخبط على القاهرة. سألته وأنا بمسح دموعي هنروح فين دلوقتي؟
رد بهدوء عندنا شقة صغيرة كنت مجهزها من زمان في مدينة نصر، كنت فاكر نأجرها ونستفيد من فلوسها. خلاص، نروح نقعد فيها لحد ما ربنا يفرجها.
وصلنا الشقة. كانت صغيرة، بس نظيفة، مليانة هوا وشمس. دخلنا، وقلوبنا مليانة ۏجع، بس في نفس الوقت مرتاحة. لأنه الحقيقة طلعت، والحق ظهر. جوزي قعد على الكرسي في الصالة، وغطى وشه بإيديه، وبكى. بكى كطفل صغير.

قعدت جنبه، ضميت كتوفيه، وسيبته يفضفض كل الألم اللي كان مخباه جوا قلبه من سنين. ما قطعت حديثه، ما قلتله شيء. كنت عارفة إن ده اللي محتاجه حد يسمعه من غير ما يحكم عليه.
مرت الأيام. أول أسبوع كان صعب جدًا. حماتي كانت بتتصل كل ساعة، ترسل رسايل، تبعت ناس يترجوا جوزي يرجع. كانت تقول إنها ماتتأكلش، وإنها تعبانة، وإن البيت عليها اتقلب سجن. بس جوزي كان صامد. كان يقول لو رجعت النهاردة، هترجع تعمل اللي كانت بتعمله بكرة. الچرح اللي اتفتح مش بيتقفل بكلمة آسفة.

لازم تتعرف إن لكل فعل رد فعل، وإن اللي بيحط نفسه في موقف الخېانة ما يلومش اللي خسره.
سلفتي حاولت تتواصل معايا كذا مرة. كانت بتكلمني بكل ود زي ما كانت بتعمل دائمًا، كأن شيئًا ما حصل. بس أنا كنت بقتنع إن الود ده كان كله تمثيل. لما كانت بتشوفني بآكل وأولادها بيحلموا، ما كان قلبها يرق لي ولا ليهم. كانت ساكتة ومستفيدة. فكنت برد عليها باختصار وأقفل الخط. ما كنتش عايزة أدخل في نزاعات ولا أحكي كلام. كنت عايزة أعيش في سلام مع جوزي وبيتنا الجديد.

بعد شهر تقريبًا، جاتني مكالمة غريبة. واحدة جارتنا القديمة في بيت حماتي، قالت لي يا ستي، أم جوزك حالتها بتسوء. ما بتاكلش، ما بتشربش، والطبيب قال إن ضغطها وصل لحد خطېر. بتقول عايزة تشوفك أنتِ وزوجك قبل ما ټموت. ترددت كتير. قلت لجوزي اللي سمعته، وقلت له أنا مش هقدر أمنعك لو عايز تروح تشوفها. دي أمك، والله بيحب العفو. فكر كتير، وبعدين قال هروح معاكي. بس هشوفها من غير ما أرجع أقعد هناك. عشان بر الوالدين، مش عشان الرجوع في قرار اتخذته.

رحنا زي ما اتفقنا. لما دخلنا الشقة، لقيناها متغيرة تمامًا. وشها ذبلان، وعيناها غايبة، وصوتها بالكاد مسموع. أول ما شافت جوزي، بكت وقالت سامحني يا ابني سامحيني يا روحي ما كنتش عايزة أأذيك كانت غلطة عمري جوزي قعد جنبها، مسح على إيدها، وقال برفق أنا مسامحك يا ماما. والله ما يرضى يزعل منك. بس لازم تعرفي إن اللي حصل علمنا درس كبير. العلم اللي بيتنى على النفاق ما بيدوم. والحب اللي فيه تفضيل وغدر بېموت. أنا هفضل أزورك، وأبعتلك فلوس، وأجيبلك كل حاجة تحتاجيها. بس العيشة هنا خلاص انتهت.

بكت وقالت أنا عارفة أنا خسرتك وخسړت نفسي عشان ناس ما كانوش يستاهلوا. سلفتي كانت كل همها الفلوس والأكل، وأنا كنت عمياء مش شايفة. دلوقتي عرفت إن كنز الحب والوفاء اللي كان عندي في إيديا وضيعته بإيدي. بقينا نزورها كل أسبوع. جوزي كان بيجيب لها الدواء، والأكل، والفلوس، وكل ما تحتاج. بس العلاقة ما رجعت زي ما كانت. الچرح ترك أثره. والثقة لما بتنكسر بتبقى زي الزجاج المكسور ممكن تلصقه، بس الشرخ بيفضل موجود للأبد.

مع الوقت، بدأت حياتنا الجديدة تستقر. الشقة الصغيرة أصبحت جنتنا. كنت أطبخ، وأرتب، وأملأها بالحب والضحك. جوزي كان بيقول لي دائمًا ربنا عوضني بيكي عن كل حاجة خسرتها. أنتِ اللي وقفتي جنبي في وقت ما حدش وقف. أنتِ اللي أثبتِلي إن في الدنيا لسه حب حقيقي ونقي. وكنت أرد عليه وأنت اللي علّمتني إن الرجولة مش في الصوت العالي، ولا في القوة، لكن في إنك تاخد قرار صعب عشان تحافظ على كرامتك وكرامة اللي بتحبها.

مرت سنتين. حماتي ربنا أخذها لجواره بعد ما عاشت أيامها الأخيرة في هدوء وندم. قبل ما ټموت، أوصت ليا ببعض حاجات صغيرة كانت عزيزة عليها، وقالت لي مكانك كان في قلبي من الأول، بس الشيطان لعب بيا. خليكي قوية، وربنا يخليكِ لابني. الدنيا دارت، والكل أخذ نصيبه من خير عمله ومن شره. وفي ليلة من ليالي رمضان، كنت قاعدة مع جوزي في شرفتنا الصغيرة، نأكل فطارنا . بص لي وقال تفتكري لولا اللي حصل وخروجنا من بيت العيلة ، كنا هنعيش السعادة دي؟

هزيت رأسي وقلت مش عارفة. بس اللي أعرفه إن ربنا بيمرنا بامتحانات عشان يطهر قلوبنا، ويقوي علاقتنا ببعض. كل محڼة بتبقى هدية من ربنا، بس مغلفة بغلاف صعب. ولما نفتحها، نلاقي فيها الخير كله. ضميت إيده في إيدي، وكملنا أكلنا في صمت ومحبة. عرفت إن الحياة مش بتخلص لما ننكسر بتخلص لما نستسلم للكسر. وإن أقوى انتصار هو إنك تفضل تحب وتعطي رغم كل اللي حصل لك. وإن الحقيقة مهما اتخبيت، يومها هتطلع، والظلم مهما طال، نهايته هتجيء.

وبكده، اكتملت قصتنا. قصة ۏجع وخېانة، بس في النهاية قصة عدالة وسعادة وخلاص. عرفنا إن الطريق للجنة مش مفروش بالورود، وإنما بالمشقة والصبر والتسامح. وإن اللي يبني حياته على طاعة الله ورضاه، ربنا بيفتح له أبواب الخير كلها، من حيث لا يحتسب.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى