الجزء الثالث والأخير
قعدت مسمرة مكاني على السر,,ـــــير، الدم جمد في عروقي، ونفسي بقى بيطلع بصعوبة كأن الأكسجين خلص من الأوضة. كلمة أحمد كانت لسه بترن في وداني وكأنها شقلبت كل حياتي في ثواني معدودة: “اللي بيحصل في البيت ده أكبر منك بكتير… وعشان تحافظي على حياتك تبطلي تسألي!”
يعني إيه؟! يعني أحمد كان عارف؟! جوزي، حبيب قلبي اللي أمنت له وحكيت له على كل خطوة، كان عارف إن في مرعبة تانية عايشة معانا في نفس البيت، بل وفي نفس الأوضة؟!
قمت من على السر,,ـــــير وأنا بمشي بتخبط زي الدلوكة، فتحت باب الأوضة وطلعت أجري على الصالة وأنا بصيح بجنون:
— أحمد! فهموني إيه اللي بيحصل هنا؟! إنتوا مخبيين عني إيه؟! مين الست دي؟! وامك مالها بكل ده؟!
حماتي كانت قاعدة على الكنبة بتشرب شاي بكل برود وهدوء، ولا كأن في أي كارثة بتحصل. بصتلي بنظرة كلها شفقة مصطنعة، وقالت بصوت بطيء:
— صوتك ما يعلاش يا ست سارة.. إحنا في بيت محترم، والفضول ده هو اللي هيضيعك في الآخر. زي ما ضيّع اللي قبل منك.
الجملة نزلت على دماغي زي الصاعقة.
— اللي قبل مني؟!
تقصدي مين باللي قبل منك؟! هو أحمد كان متجوز قبلي؟!
أحمد طلع من المطبخ وبطنه مكشوفة شوية وشايل كوباية ماية، وبصلي بملامح ميتة كأنه اتحول لشخص تاني خالص.. شخص أعرفه ولا عمره دخل حياتي. قال ببرود مرعب:
— أيوة يا سارة.. كنت متجوز قبلك. ومريم.. مراتى الأولى.. كانت قاعدة في نفس الأوضة دي، وعلى نفس السر,,ـــــير ده.
حسيت إن الأرض بتميد بيا، والحيطان بتقرب تطبق عليّ.
— مريم؟! ومريم راحت فين؟! اتطلقتوا؟!
حماتي ضحكت ضحكة ناشفة وصعيرة، وقالت وهي بترتشف من كوباية الشاي:
— تتطلق؟! لا يا حبيبتي.. مريم ماطلقتش. مريم اختفت..
زي ما أنتِ هتختفي بالظبط لو فضلتي تعاندي وتفتحي بوقك بأسئلة ملهاش لازمة!
بصيت لأحمد وعניا بتدمع بوجع مقهور ومرعب:
— أحمد.. إنت بتعمل فيا كده ليه؟! هي دي الست اللي كانت جوه الدولاب إمبارح؟! دي مريم؟!
أحمد اتنهد بحزن مصطنع ونزل راسه للأرض وقال بصوت خافت:
— مريم كانت ذكية زيك كده.. كانت دايماً عايزة تفهم، وعايزة تتدخل في أسرار العيلة. ولما أمي حاولت تظبطها وتعلمها أصول البيت، رفضت وتمردت. وفي ليلة… مريم دخلت الأوضة دي ومخرجتش منها تاني. جسمها اتنسخ هنا، وروحها بقت محبوسة في البيت، بتلف بالليل تدور على مكانها اللي اتسرق منها..
مكانك أنتِ!
برقت في وش أحمد وأنا حاسة بإن الهستيريا هتمسكني:
— أنت بتقول إيه؟! أنت بتقول إن أمك قت/لت مراتك الأولى؟! وإنت ساكت ومشاركها في الجر/يمة؟!
— اخرسي!
صرخ أحمد بصوت عالي خلى حماتي تقفز من مكانها. أحمد قرب مني ومسكني من دراعي بقوة لحد ما حسيت إن عظمي اتكسر، وقال في وداني بصوت هامس كالنحلة المسمومة:
— أمي م.رتش حد.. البيت ده ليه قوانينه، وليه أسياده القدام. مريم باعت نفسها عشان الفلوس والجاه، ولما حاولت تهرب، البيت خد روحتها. وأنتِ… جيتي برجلك لنفس المصير!
ساعتها بس فهمت..
فهمت ريحة زيت الورد المرتبطة بحماتي، وفهمت ليه حماتي كانت بتديني طقم مقفول ومشاي وخشن، وفهمت ليه أحمد كان بيبص لي بنظرة غريبة كل ما ألبس لبس خفيف…
هم مش بيتحكموا فيا عشان العادات والتقاليد ولا عشان الغيرة… هم كانوا بيحاولوا يخلقوا “قرابين” جديدة، أو يلبسوني طابع معين عشان يسلّموا روحي للبيت والست اللي جواه!
جريت على باب الشقة بكل قوتي وأنا بصرخ:
— أنا ماشية! أنا هسيب الزفت البيت ده ومش هقعد فيه دقيقة واحدة!
جريت على الأوكرة وشدتها بكل ما أوتيت من قوة.. لكن الباب كان متقفل بمية قفل!
لفيت ورايا، ولقيت أحمد وقف قدام الباب وكاتم المفتاح في جيبه، وبصلي بابتسامة صفراء ميتة:
— رايحة فين يا سارة؟ العروسة ما تسيبش عريسها الصبحية.. وبعدين، الباب ده مش بيفتح لبرة.. الباب ده بيتفتح بس لما “صاحبة البيت” ترتاح!
حماتي قامت وقفت، ومسكت في إيديها زجاجة صغيرة مليانة زيت الورد، وقالت بصوت هادئ ومقشعر:
— تعالي يا بنتي.. ريحي دراعك الموجوع ده.. الدهان ده هو اللي هيخليكي تنامي نومة أبدية، وتدخلي في عالمنا.. عالَم العيلة اللي مبيخرجش منه حد أبدًا!
بقيت أرجع لورا بخطوات مرتعشة لحد ما خبطت في ضهر الدولاب الكبير.
وفجأة…
باب الدولاب اتفتح لوحده ببطء شديد، وطلعت منه الست الكبيرة.. مريم، أو الكيان اللي بقى شكله مرعب أكتر من الأول، ومدت إيديها الطويلة الناشفة مسكت كتافي من ورا، وقالت بصوت شيطاني طلع من قاع الأرض:
— نورتي دارك يا ضرتي الجميلة.. الدور عليكي تكملي الحكاية!
حاولت أصرخ… حاولت أقاوم… لكن ريحة زيت الورد غزت خياشيمي بغزارة، وعניا بدأت تغمض لوحدها، وأحمد وأمه واقفين بيتفرجوا عليّ ببرود وكأنهم بيقدموا أضحية جديدة للبيت الملعون.
آخر حاجة سمعتها قبل ما أغيب عن الوعي تمامًا، هي صوت قفل الباب بيتفتح ويتقفل… وصوت ضحكة مرعبة بتملى الحوائط:
“مفيش خروج من هنا يا سارة… البيت بقى بيتك للأبد!”
(بعد مرور شهرين)
في حي شعبي هادئ في القاهرة، كان أحمد قاعد على القهوة بيشرب شاي، وبيتكلم مع واحد من جيرانه الجداد بابتسامة واسعة:
— أيوة يا عم الشيخ… مراتي الأولى سابتني وطفشت من البلد، وأنا لسه متجوز عروسة جديدة، بنت حلال وهادية، ورافضة تخرج من الأوضة خالص من كتر ما هي بتحب قعدتنا!
الجار بص له باستغراب وقال:
— غريبة يا أحمد.. هي كل ست تدخل بيتك تطفش ولا تختفي كده من غير ما أهلها يسألوا عليها؟! دي تاني مراتك تختفي في نفس الأوضة!
أحمد ضحك ضحقة خبيثة وغمز لولد صغير ماشي في الشارع، وقال بصوت واطي:
— عيب عليك يا أبو حميد.. البيت هنا ليه بركة خاصة، واللي بيدخله.. بينسى طريق الخروج نهائي!
وفوق في نفس الشقة، جوه الأوضة المقفولة، كان في كدمات جديدة على دراع عروسة تانية قاعدة قدام المراية، وبتبتسم بابتسامة ميتة، وجنبها مشبك شعر أسود.. مستنية الضحية اللي بعدها!