الثقة رجعت حتة حتة.. مش عشان عمر اتحايل، لا.. عشان كان بيصحى من كوابيسه ويروح يودي حبيبة المدرسة. عشان كان بيقول الحقيقة حتى لما كانت بتبينه وحش. الثقة رجعت لما حبيبة تعبت بجد في الشتا، وفضل قاعد على كرسي بلاستيك في المستشفى 16 ساعة ماسك إيدها كأنه بيأدي أقدس وظيفة في العالم.
بعد سنة ونص، طلب مني أتجوز من جديد. مش في قصر.. في مطبخنا الصغير، وحبيبة بتلون في الأوضة التانية والحاجة فاطمة بتزعق مع التليفزيون. حط علبة قطيفة صغيرة وقالي دي من غير تحالفات، من غير كدب، ومن غير أوامر من حد. ضحكت وأنا بعيط..
الخاتم كان أبسط دهب شفته في حياتي.
إنت لسه محتفظ بالعلبة دي؟ هز راسه كنت مستني اللحظة اللي أستحق فيها اللي جواها.
اتجوزنا يوم جمعة في المحكمة، قدام قاضي ميعرفش إنه بيجوز اتنين بيبدأوا حياة من فوق ركام بيت قديم. حبيبة كانت لابسة فستان أصفر، والحاجة فاطمة كانت بتزغرد بجد المرة دي.
وبعد سنتين، خلفنا تامر.. سميناه على اسم السواق اللي مات، عشان فيه ديون لازم تتسدد بالحنية. حبيبة بقت رئيسة اتحاد عمال البيت، مسيطرة على أخوها الصغير. عمر كان يرجع من الشغل، يشيل تامر، وينزل لمستوى حبيبة يسمع تقريرها اليومي الأول..
لأنه اتعلم إن تضييع التفاصيل الصغيرة هو اللي بيخلي الراجل يخسر كل حاجة غالية.
الحياة مبقتش حدوتة وردي.. كان فيه لحظات رعب لما عربية غريبة تهدي قدام البيت. كان فيه ليالي عمر بيصحى مرعوب إن فيه حد في الجنينة. كان فيه أيام بفتكر فيها القاهرة وأحس إن الهدوء ده خنقة. بس كان فيه حاجات تانية فطار يوم الجمعة، تامر وهو نايم على صدر أبوه، وحبيبة وهي بتعلم الحاجة فاطمة إزاي تبعت استيكرز على الواتساب.
وبعد 5 سنين من يوم ما عمر دخل المحل عندي.. وصل جواب مجهول المصدر. جواه كان فيه صورة..
ليلى، كبرت وبقت عروسة عندها 10 سنين، واقفة على مسرح المدرسة كماسكة كمانجة وبتضحك ضحكة جنان. وجنب الصورة ورقة صغيرة بخط مرتب
لسه بتحب الكوكيز بالشوكولاتة.. وع فكرة.. أنا طول عمري كنت بكره لبس اللولي والبرندات التقيلة دي. خليكي سعيدة.. نهى
وقفت
قدام رخامة المطبخ ماسكة الجواب، وشمس العصر مخيرة المكان ذهب. لما عمر دخل، اديته الصورة من غير ولا كلمة. بص لوش ليلى، وغمض عينه.. مش من الحزن المرة دي.. أعتقد من الامتنان. إن فيه ناس طلعت من الضلمة دي بأسماء جديدة.. بس بقلوب لسه حية.
بالليل.. حبيبة وتامر كانوا بيجروا ورا بعض في الجنينة.
الحاجة فاطمة بتدندن في المطبخ.. والسما لونها بنفسجي هادي. عمر قعد جنبي على سلم البيت ومسك إيدي
عمرك ندمتي إنك مشيتي زمان؟ بصيت لعيالي.. وللبيت البسيط.. وللحياة اللي كلفتنا كل حاجة عشان تدينا في الآخر حقيقة أحلى من أي برستيج.
لأ.. الهروب هو اللي أنقذنا. بص لي وعينيه فيها لمعة والرجوع؟ ضغطت على إيده والرجوع هو اللي كملنا.
في الجنينة، حبيبة كانت بتشرح لأخوها الصغير إزاي يحافظ على الورد. عمر ابتسم.. لسنين طويلة كنت فاكرة إن النجاة هي النهاية.. بس اتعلمت إن النجاة مجرد كوبري.
الشغل الحقيقي بيبدأ بعد ما تنجو، لما تحاول تبني حياة ناعمة بإيدين لسه فاكرة شكل الحرب.
إحنا عملنا كده.. مش بجمال مثالي، ولا بشياكة أفلام.. بس عملناه بجد. ولأول مرة من وقت طويل، كانت الحقيقة كفاية جداً.
بقلم نرمين عادل همام
تمت