فتحت الرسالة وعيني بتجري بين السطور، ولقيتها كاتبة: “أنا آسفة يا ابن الناس.. أنا مكنش ينفع أرجع، ولا كان ينفع نتقابل ونفتح دفاتر قفلها الزمان. أنا جربت أعيش في وهم الماضي الكام يوم اللي فاتوا، بس لقيت نفسي بظلمك وبظلم ابني وبظلم نفسي. طليقي كلمني وندم على كل حاجة، وطلب منّي نرجع لبعض عشان نربي ابننا مع بعض في الغربة .. وأنا وافقت وقررت أسافر له تاني بكره. انساني يا رامز، وعيش حياتك مع مراتك وبنتك، الماضي عمره ما بيرجع.”
الموبايل وقع من إيدي على الترابيزة، والصدمة شلتني مكنتش قادر حتى أتنفس. الضحكة اللي كانت مالية وشي وأنا خارج من عند المأذون اتحولت لكسرة ماعدتش على حد قبل كده. حسيت إن الدنيا بتلف بيا، والناس في الكافيه أصواتهم بدأت تبعد وتبعد..
أنا بعت كل حاجة.. بعت الست الأصيلة اللي صانتني وصانت بيتي، رميت بنتي وضيعت أسرتي في ثانية عشان وهم.. عشان سراب جريت وراه وفي الآخر ملقيتش غير الهوا. هي رجعت لطليقها وهتسافر تعيش حياتها، وأنا بقيت واقف في نص الطريق.. لا طايل الماضي اللي عشت عمري كله ببكي عليه، ولا طايل الحاضر اللي هدمته بإيديا وعمري ما هعرف أرجعه تاني.
قمت من مكانى زى المجنون، مشيت في الشوارع وأنا مش حاسس برجلي ولا بالناس اللي حواليا. مكنتش مصدق إني بالبساطة دي خسرت كل حاجة في لحظة واحدة. الغرور والعمى اللي كانوا مسيطرين عليا اتمسحوا، ومبقاش فاضل غير حقيقة واحدة بتصرخ في وشي: أنا ضيعت نفسي بإيديا. رجعت البيت.. أو اللي كان بيت. فتحت الباب، لقيت الشقة ضلمة وموحشة، الهوا فيها بارد زى البرود اللي كنت بعاملهم بيه. دخلت أوضة بنتي، شفت سريرها الفاضي، ولعبها اللي مفيش إيد صغيرة هتلمها تاني. دخلت أوضتي، فتحت الدولاب لقيت نص وهدومي أنا بس اللي موجودة، والنص التاني فاضي.. فاضي زى حياتي دلوقتي.
قعدت على الأرض والدموع اللي حبستها سنين نزلت فجأة بحرقة وعمري ما بكيت زى اليوم ده. افتكرت كل مرة مراتي كانت بتستناني فيها صاحية وتعبانة وأنا أصدها، افتكرت الهدايا اللي كانت بتجيبها في عيد ميلادي وعيد جوازنا وأنا كنت برميها ومبفكرش حتى أفتحها.. شفت قسوتي كلها شريط بيتعرض قدام عيني، وعرفت إن اللي جرالي ده هو ذنب الست الطيبة دي وبنتي اللي ملهاش ذنب.
طلعت الموبايل وأنا بوجع وبإيد بترتعش، وحاولت أرن على مراتي – اللي بقت طليقتي – مكنتش مستني إنها ترد، بس كان عندي أمل أسمع صوتها.. لكن الخط كان مقفول. بعتلها رسالة ودموعي بتنزل على الشاشة: “أنا آسف.. أنا كنت أعمى ومستاهلكيش.. ضيعتك وضيعت بنتنا من إيدي عشان سراب، وأنا دلوقتي بدفع الثمن”.
عارف إن الأسف مش هيصلح اللي انكسر، وعارف إن الست اللي شافت مني كل الجفا ده مستحيل تصفالي أو ترجعلي بسهولة، بس أنا بقيت عايش في جحيم الندم.. الندم اللي بياكل في صدري كل ما أفتكر إني بعت الأصل عشان وهم ملوش وجود.
فاتت الشهور وأنا صاحي نايم في الدوامة دي.. مبقتش أطيق أدخل الشقة، كل ركن فيها كان بيصرخ في وشي بأيامي معاهم. الهدوء اللي كنت بتمناه زمان وبورب بسببه بره البيت، بقا هو عقابي الأكبر، هدوء قاتل يخليك تسمع صوت ندمك جوه دماغك.
حاولت كذا مرة أروح لبيت أهلها، كنت بروح وأقف تحت البيت بالساعات ومش قادر أدخل، خايف من نظرة أبوها، وخايف أكتر من نظرة عينيها هي.. النظرة اللي مفيش فيها عتاب، النظرة الباهتة اللي بتقولي “خلاص.. أنت مبقتش تعنيلي حاجة”. وفي المرة اللي جمعت فيها شجاعتي وطلعت، أخوها قابلني على الباب، مغلّطنيش ولا شتمني، بالعكس.. بصلي بشفقة وقال لي: “يا ابن الناس، أختي شافت معاك أيام صعبة ورضيت، ولما طلبت الطلاق أنت مستنيتش ثانية ووافقت.. دلوقتي هي بدأت تفوق وبنتك بدأت تنسى الخوف اللي كانت عايشة فيه، سيبهم في حالهم ونبي، والفلوس اللي بتبعتها للبنت بتوصلها، ودخولك وسطهم تاني ملوش لازمة”.
الكلمتين دول خلوني أفهم إني فعلاً متّ في نظرهم، وإن الرجوع بقا مستحيل. بقيت أنزل شغلي زى الآلة، الضحكة اللي كانت مالية وشي لما الوهم رجع، اتمسحت تماماً ومبقاش يترسم مكانها غير خطوط التعب والندم. كل ما أشوف أب شايل بنته في الشارع وبيضحك معاها، قلبي يتعصر.. أفتكر بنتي اللي كانت بتستخبى في أوضتها أول ما تسمع صوت مفتاحي.
وفي ليلة عيد ميلادي.. الليلة اللي كانت دايماً بتعمل المستحيل عشان تفرحني فيها وأنا بكل برود أكسر بخاطرها، قعدت بطولي في الصالة الضلمة، قدامي علبة شوكولاتة صغيرة كنت شاريها وأنا راجع، فتحتها وأكلت منها لقمة.. كانت مرّة، مرّة زى طعم الأيام اللي عايشها دلوقتي. بصيت للسقف وقلت بصوت مخنوق بالدموع: “كنتِ بتقوليلي بعد الجواز مفيش حاجة اسمها حب.. وأنا الحقيقة مَعميتش غير لما خسرتك، وعرفت إن الحب كان عايش معايا تحت سقف واحد، وأنا اللي دبحته بإيديا عشان أدور على سراب في الآخر سابني وطار”.
مرت سنة كاملة وأنا على الحال ده، لحد ما مابقتش قادر أستحمل البعد أكتر من كده. الشوق لبنتي، والندم على خسارة مراتي بقوا بياكلوا في قلبي ليل نهار. قررت إني مش هستسلم، وهحاول بكل الطرق إن أولع الشمعة اللي طفيتها بإيديا، حتى لو هبوس التراب اللي بيمشوا عليه. بقيت أتحجج بأي حاجة عشان أروح أشوف البنت، وأحاول أفتح مع طليقتي أي كلام. كنت بشتري للبنت أحسن اللعب، وأجيب لطليقتي معاها الهدايا اللي عمري ما جبتها لها زمان؛ علب شوكولاتة غالية، وحاجات كانت بتحبها.. كنت بحاول أعوضها عن كل سنة جفاف عاشتها معايا.
لكن الصدمة كانت في رد فعلها.. الست اللي كانت بتموت في كلمتي زمان، بقت وبكل برود تقابل كل محاولاتي بـ حيطة سد، صد جاف ومستمر. في يوم، رحت أسلم على البنت وأرجعها ليها بعد ما قضت معايا كام ساعة، وقفت على الباب وطلعت علبة شوكولاتة وباقة ورد صغيرة، وبصيت لها برجاء وقلت لها بصوت كله كسرة: “أنا عارف إني غلطت في حقك كتير يا بنت الناس.. بس والنببي سامحيني، أنا اتعلمت الدرس وقسوتك دي فوق تمن اللي عملته. خلينا نرجع عشان خاطر بنتنا، وأنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان أرضيكي، وهرجعلك الضحكة اللي حرمتك منها سنين.”
بصت للورد وللشوكولاتة بنظرة سخرية وجع، مفيهاش أي لهفة، وبعدين رفعت عينيها في عيني بكل جمود وقالت لي بنبرة رصينة صدمتني: “الشوكولاتة دي والورد دول مخرجووش من قلبك ليا.. دول خارجين من ندمك وخسارتك. أنت مش عايزني أنا يا رامز أنت بس صعبان عليك نفسك وصعبان عليك البيت اللي اتهد. الورد ده كان هيبقى ليه طعم زمان وأنا بترجاك تبص في وشي، لكن دلوقتي.. ملوش أي قيمة.” زقت إيدي بالراحة وهي بتاخد البنت، وكملت كلامها وهي بتقفل الباب في وشي:
“القلب اللي كسرته وموتّه بالبرود، مبيصحاش بشوية هدايا وأسف.. أنت طلقتني عشان تفضى لحبيبتك، وهي سابتك ورجعت لحياتها، فـ متجيش دلوقتي تخليني أنا الخيار البديل عشان تداري بيه خيبتك. بنتك هتشوفها في مواعيدها، لكن أنا.. بره حياتك للأبد.” الباب اتقفل في وشي، ومعاه اتقفلت آخر طاقة أمل كنت عايش عليها.. وعرفت إن الصد اللي كنت بعاملهالها زمان، رجعلي أقوى ومحمل بمرارة الندم اللي هعیش بيها طول عمري.