بعد أسبوعين، استدعاني المحامي لتوقيع أوراق الطلاق، جلس كريم في الجهة المقابلة من الطاولة، شاحبًا، هزيلًا، كأنه كبر عشر سنوات، كان ينظر إلى يدي الخالية من الخاتم، نفس الخاتم الذي وضعته في كف يارا، لم أحضر الخاتم، لم أطلبه، لم أرد شيئًا لمس يديها، قال المحامي إن كريم مستعد للتنازل عن الفيلا مقابل عدم تصعيد بعض الاتهامات العائلية، ضحكت بهدوء وقلت: الفيلا لا تهمني، والاتهامات ليست عائلية، دي أموال شركة وحقوق ناس، نظر إليّ كريم برعب: يعني مش هتتنازلي؟ قلت: عن حقي الشخصي في الخيانة؟ أنا تجاوزته، لكن عن حق الشركة والناس؟
لا، أبي لم يربني أن أبيع العدل مقابل بيت، ضرب بكفه على الطاولة وقال: إنتي بتنتقمي، نظرت في عينيه وقلت: لا، أنا فقط توقفت عن حمايتك من نفسك.
أما يارا، فقد حاولت لعب دور الضحية ببراعة، نشرت على حساباتها كلامًا مبهمًا عن الصديقات اللواتي يتحولن إلى أعداء، وعن النساء اللواتي يستخدمن نفوذ عائلاتهن لتدمير غيرهن، بعض الناس صدقوها في البداية، فهي تعرف كيف تبكي أمام الكاميرا، وكيف تختار كلمات تجعلها تبدو مكسورة، لكن دينا لم تصمت، نشرت تسجيلًا صوتيًا ليارا وهي تضحك وتقول إن ملك لا تعرف كيف تحتفظ برجل، وإن كريم سيكون طريقها لحياة أرقى، ثم خرجت رسائل قديمة، وتحويلات، وصور من كاميرات الفيلا، وفي يوم واحد انقلب التعاطف عليها، بدأت التعليقات تنهشها كما نهشتني هي في السر لسنوات، لم أشمت، أقسم أنني لم أشمت، لكنني شعرت أن
السماء حين ترد لا تحتاج إلى صوت عال، فقط تفتح الستار في اللحظة المناسبة.
بعد شهر، دخل أبي المستشفى لإجراء فحوصات دورية، كنت أجلس بجواره حين وصلني اتصال من رقم غير معروف، ترددت ثم أجبت، كان صوت يارا، منهارًا، مبحوحًا، قالت: ملك، أرجوكِ، محتاجة أشوفك، كدت أغلق، لكنها صرخت: أرجوكِ، أنا حامل، تجمدت يدي، نظرت إلى أبي، ففهم من وجهي أن شيئًا حدث، خرجت إلى ممر المستشفى وسألتها: من كريم؟ صمتت، وكان صمتها إجابة، قالت:
هو مش عايز يعترف، وبيقول يمكن مش ابنه، ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة، ليس لأن الأمر مضحك، بل لأن العدالة أحيانًا تأتي على هيئة مرآة قاسية، قلت لها: ولماذا تتصلين بي؟ قالت: لأنك الوحيدة اللي تعرفيه، قولي له ما ينكرش ابنه، أغمضت عيني، يا لسخرية القدر، المرأة التي دخلت بيتي لتأخذ زوجي، تطلب مني الآن أن أقنعه ألا يتخلى عنها وعن طفلها، قلت لها بصوت خافت: يارا، أنا لست جسرًا تعبرين عليه كلما غرقتِ، صرخت: يعني هتسيبيني؟ قلت: كما تركتِني مرتين، لكن الفرق أنني لن أؤذيكِ، لن أكذب عليكِ، ولن أسرق منكِ شيئًا، فقط لن أنقذكِ من نتيجة أفعالك، ثم أغلقت الهاتف.
في تلك الليلة بكيت، ليس حزنًا عليها، بل حزنًا على الطفل الذي سيأتي إلى الدنيا وسط كل هذا الخراب، كنت أعرف ألم أن يدفع الأبناء ثمن خطايا الكبار، لذلك في الصباح أرسلت لها رقم محامية متخصصة في إثبات النسب وحقوق الطفل، رسالة واحدة فقط: هذا ليس من أجلك، من أجل الطفل، لم ترد، ولم أنتظر ردًا.
مرت الشهور، وبدأت حياتي تتشكل من جديد، عدت إلى عملي في الشركة لكن بشروط مختلفة، لم أعد أضع قلبي فوق عقلي، لم أعد أعتذر عن قوتي كي لا يشعر أحد بالضآلة، استأجرت شقة أوسع في الزمالك تطل على النيل، اشتريت نباتات كثيرة، ودهنت غرفة النوم بلون هادئ، لأول مرة منذ سنوات اخترت أشياء لأنني أحبها أنا، لا لأن كريم يفضلها، ولا لأن يارا قالت إن ذوقي قديم، كنت أتعلم ببطء أن الخيانة لا تسرق الحب فقط، بل تسرق من الإنسان ثقته في اختياراته، وكان عليّ أن أستعيد نفسي قطعة قطعة.
في إحدى الأمسيات، عدت من العمل فوجدت ظرفًا عند الباب، لم يكن عليه اسم مرسل، فتحته بحذر، وجدت داخله خاتم زفافي، الخاتم نفسه الذي وضعته في كف يارا، ومعه ورقة صغيرة مكتوب عليها بخطها:
لم يجلب لي غير اللعنة، أمسكت الخاتم طويلًا، تذكرت لحظة خروجي من الفيلا، يدي المرتعشة، صوت ضحكتها في غرفتي، وجه كريم المذنب، ثم فتحت نافذة الشرفة، نظرت إلى النيل المظلم، ولم أرمِ الخاتم كما تفعل البطلات في الأفلام، بل وضعته في درج مغلق، ليس لأنه يعني لي شيئًا، بل لأنه دليل، دليل على أنني نجوت، وعلى أن الشيء الذي ظننته يومًا رمزًا للأمان كان مجرد دائرة ذهبية صغيرة لا تمنع رجلًا من الكذب ولا صديقة من الطعن.
بعد ستة أشهر صدر قرار بإحالة كريم وشريكه إلى المحاكمة في قضية الاختلاس والتزوير، أما يارا فقد تم استدعاؤها كشريكة في تلقي الأموال وإخفاء مصدرها، حاولت أن تدعي الجهل، لكنها وقعت على عقود، واستلمت مبالغ، واستخدمت حسابها، لم يعد البكاء ينفع، في أول جلسة رأيتهما معًا في الممر، لم يكونا حبيبين، لم يكونا حتى حليفين، كان كل منهما ينظر للآخر كأنه سبب مصيبته، كريم قال لها بغضب: إنتي اللي ورطتيني، فردت عليه: إنت اللي وعدتني، وقفت بعيدًا أراقبهما دون أن يشعروا بي، وفهمت أخيرًا أن الخيانة لا تبني علاقة، إنها فقط تجمع شخصين فوق خراب، وحين يبدأ الخراب يهتز، يسقطان معًا.
بعد الجلسة اقترب مني كريم، كان أضعف من أن يهدد، قال: هل سامحتيني؟ السؤال أربكني، ليس لأنني لم أعرف الإجابة، بل لأنني أدركت أنني لم أعد أفكر فيه بما يكفي لأكرهه، قلت: سامحتك بمعنى إني مش هفضل شايلة نارك جوايا، لكن مش هنسى، ومش همنع العدل ياخد مجراه، أطرق رأسه، وقال: وكنتِ بتحبيني؟ نظرت إليه بدهشة، كم هو أناني حتى في سقوطه، لا يريد معرفة جرحي، بل يريد أن يتأكد أنه كان محبوبًا، قلت: كنت أحب الصورة التي صدقتها عنك، أما أنت الحقيقي فأنا بالكاد أعرفك، ثم تركته ومضيت.
في نهاية العام، شُفي أبي تمامًا بحسب آخر تقرير، احتفلنا في بيت العائلة في المعادي، كان هناك ضحك حقيقي لأول مرة منذ زمن، جلست في الشرفة التي كبرت فيها، أراقب أشجار الشارع القديمة، فقال أبي: هتفضلي خايفة؟ سألته: من إيه؟ قال: من إنك تثقي في الناس تاني، صمتّ طويلًا ثم قلت: هثق، بس مش بنفس العمى، ابتسم وقال: العمى مش طيبة يا ملك، الطيبة إنها تفتحي قلبك، والعقل إنه يكون معاكي مفتاح الباب، ضحكت، وشعرت أن شيئًا في صدري يتنفس أخيرًا.
أما يارا، فقد أنجبت طفلها بعد أشهر، سمعت الخبر من دينا، قيل إن كريم رفض الاعتراف في البداية، ثم أثبت التحليل أنه الأب، لم أذهب، لم أتصل، لكنني أرسلت صندوق ملابس للطفل دون اسم، لا أعرف إن كانت عرفت أنه مني أم لا، ولم يهمني، كنت أفعل ذلك حتى لا أصبح نسخة قاسية من الذين آذوني، فالنجاة بالنسبة لي لم تكن أن أتعلم الانتقام فقط، بل أن أظل إنسانة رغم كل شيء.
في يوم من الأيام، وأنا خارجة من مقر الشركة، رأيت يارا واقفة على الرصيف المقابل، كانت تحمل طفلها، وجهها متعب، شعرها مربوط بإهمال، ولم يبق من غرورها القديم شيء، توقفت حين رأتني، وتوقفت أنا أيضًا، لم تقترب، وأنا لم أقترب، فقط نظرت إليّ بعينين ممتلئتين بكلام كثير لا فائدة منه، ربما أرادت الاعتذار، ربما أرادت تبريرًا أخيرًا، ربما أرادت أن تسأل إن كنت أنا من أرسلت الملابس، لكننا بقينا صامتتين، ثم رفعت يدها قليلًا كأنها تحيي ذكرى الصداقة القديمة، لم أرد التحية، ليس كرهًا، بل احترامًا للحدود التي تأخرت كثيرًا في وضعها، مشيت إلى سيارتي، ولأول مرة لم أشعر بثقل في
قدمي.
بعد عام كامل، وقفت أمام المرآة أرتدي فستانًا أزرق بسيطًا لحضور افتتاح فرع جديد للشركة في القاهرة الجديدة، الفرع الذي كان كريم يحلم أن يفتتحه باسمه، لكنني أنا من وقفت على منصته وألقيت الكلمة، تحدثت عن العمل، عن الثقة، عن أن الشركات لا تقوم فقط على المال بل على النزاهة، كان أبي في الصف الأول يصفق بفخر، وبعد الكلمة اقتربت مني صحفية وسألتني عن أصعب درس تعلمته في الفترة الأخيرة، ابتسمت وقلت: تعلمت أن الخسارة ليست دائمًا عقابًا، أحيانًا تكون إنقاذًا متأخرًا، وأن الله حين يكشف لك وجوه الناس لا يفعل ذلك ليكسرك، بل ليحررك.
في تلك الليلة عدت إلى شقتي، خلعت حذائي، صنعت لنفسي كوب شاي بالنعناع، وجلست أمام النافذة، لم يكن هناك أحد ينتظرني، ولا رجل يملأ البيت بكلام كاذب، ولا صديقة تضحك في المطبخ وهي تخفي خنجرًا خلف ظهرها، كان البيت هادئًا، لكنه لم يكن موحشًا، كان يشبهني، متعبًا لكنه آمن، فتحت درج المكتب، أخرجت الخاتم للمرة الأخيرة، نظرت إليه طويلًا، ثم وضعته داخل ظرف مع كل الأوراق والصور والتسجيلات، كتبت على الظرف كلمة واحدة: انتهى، وأغلقته.
لم أنتقم كما كانوا يظنون، لم أحرق العالم، لم أصرخ في الشوارع، لم ألاحقهم بالشتائم، كل ما فعلته أنني توقفت عن حماية من طعنوني، وتركت الحقيقة تمشي وحدها، والحقيقة حين مشت، داست كل الأكاذيب التي بنوها فوق قلبي.
وأما أنا، فقد بدأت من جديد، لا كضحية، ولا كزوجة مخدوعة، ولا كصديقة ساذجة، بل كامرأة عرفت قيمتها أخيرًا، امرأة نزعت خاتمًا من إصبعها فاستردت يدها كلها، أغلقت بابًا كان يؤذيها، ففتح الله لها أبوابًا لم تكن تتخيلها، وحين تذكرت دعائي تلك الليلة، وأنا أبكي في سيارتي بعد أن خرجت من الفيلا، تذكرت أنني قلت فقط:
يا رب، أنا تعبت، خد لي حقي بطريقتك، ولم ينتظر الله طويلًا، لأنه أحيانًا حين يكون الظلم واضحًا إلى هذا الحد، لا تحتاج السماء إلا لحظة واحدة لتقلب الطاولة على الجميع
يتبع