لايفي صباح اليوم التالي كان كريم ويارا يطرقان باب شقتي بعنف ويصرخان من خلف الباب كأنهما هما الضحيتان وأنا الجلاد، وقفت في منتصف الصالة الصغيرة التي استأجرتها ليلة أمس في مدينة نصر، حافية القدمين، مرتدية نفس الملابس التي خرجت بها من الفيلا، عيني منتفختان من البكاء، لكن قلبي كان غريبًا ساكنًا، ساكنًا بطريقة أخافتني أنا نفسي، لأنني في المرة الأولى حين خانتني يارا مع خطيبي القديم كنت قد انهرت وصرخت ورميت الأشياء وبكيت حتى فقدت القدرة على الكلام، أما هذه المرة فقد كان داخلي صامتًا مثل مقبرة، طرقت يارا الباب مرة أخرى وهي تصرخ:
افتحي يا ملك، إحنا لازم نتكلم، سمعت صوت كريم بعدها يقول بعصبية: اللي عملتيه ده جنان، إنتي كده بتخربي بيتك بإيدك، ضحكت دون صوت، بيتي؟ أي بيت؟ البيت الذي كانت صديقتي ترتدي فيه روب نومي بينما زوجي يقف خلفها بقميص مفتوح؟ البيت الذي بنته ثقتي وسكنته خيانتهما؟ اقتربت من الباب ولم أفتحه، فقط قلت بصوت هادئ: امشوا قبل ما أطلب الشرطة، صمتا لحظة، ثم قال كريم بنبرة مهددة: الشرطة؟ إنتي ناسية إن الفيلا باسمي؟ وإن كل حاجة تقريبًا باسمي؟
فتحت الباب حينها ببطء، لا لأنني خفت، بل لأنني أردت أن أرى وجهه وهو يكرر كذبة القوة للمرة الأخيرة، كان واقفًا أمامي بملابس غير مرتبة، وجهه شاحب، وعيناه حمراوان من قلة النوم، أما يارا فكانت خلفه ترتدي نظارة سوداء كبيرة تخفي نصف وجهها، لكنها لم تستطع إخفاء ارتعاش شفتيها، نظرت إليهما بهدوء وقلت:
الفيلا باسمك فعلًا يا كريم، لكن الشركة مش باسمك، والحسابات اللي كنت بتسحب منها مش باسمك، والعقود اللي استخدمتها عشان تقنع المستثمر الإماراتي إنك شريك رئيسي اتسحبت من الإدارة القانونية الساعة تسعة الصبح، وبما إنك كنت مسافر دبي النهارده علشان تمضي اتفاق توسع باسم الشركة من غير تفويض، فالمكالمة اللي عملتها امبارح كانت لرئيس مجلس الإدارة، بابا، رأيت لون وجه كريم يتغير في لحظة، أما يارا فخلعت النظارة ببطء وكأنها لا تصدق، همست: إنتي قلتي لباباك؟ نظرت لها وقلت:
لا، أنا وريته، وريته صور دخولك الفيلا، ورسائل كريم، وتحويلات الفلوس اللي كانت رايحة على حسابك باسم استشارات تسويقية وهمية، وريته كمان إن جواز السفر اللي نسيه في عربيتي كان جواه نسخة من عقد سفر مشبوه باسم شركة منافسة، كريم مد يده كأنه يريد أن يمسكني من ذراعي، فتراجعت خطوة ورفعت هاتفي أمامه، قلت: خطوة كمان وهتلاقي التسجيل ده عند المحامي، كان صوته يرتعش وهو يقول:
ملك، اسمعيني، الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة، نفس الجملة، نفس الجملة القديمة التي قالتها يارا يوم وجدتها مع خطيبي داخل شقة العرس، شعرت أن الزمن يعيد نفسه بسخرية قاسية، لكن هذه المرة لم أكن البنت الصغيرة التي تصدق دموع الناس، قلت ببرود: عارف يا كريم؟ أسوأ حاجة في الخيانة مش إنها بتوجع، أسوأ حاجة إنها بتكشف قد إيه الإنسان كان غبي وهو بيدافع عن ناس ما تستاهلش، يارا اندفعت نحوي فجأة وقالت:
أنا غلطت، آه غلطت، بس إنتي كمان كنتي دايمًا واخدة كل حاجة، أبوكي، الشغل، الفلوس، الحب، حتى كريم، دايمًا الرجالة بيختاروكي، وأنا كنت واقفة في ضلك، نظرت إليها طويلًا، إلى المرأة التي بكيت على كتفها يوم دفن أمي، والتي أمسكت يدي في المستشفى يوم كان أبي يتلقى العلاج، والتي سامحتها بعدما كسرت قلبي أول مرة، وسألتها بصوت مبحوح: يعني علشان كنتي حاسة إنك في ضلي، قررتي تسرقي حياتي بدل ما تعملي حياة لنفسك؟ صرخت: أنا ما سرقتش حاجة، هو اللي حبني، التفتُّ إلى كريم وسألته: حبيتها؟
لم يجب، ويارا نظرت إليه بسرعة تنتظر الكلمة التي ستنقذ كرامتها، لكنه أنزل عينيه إلى الأرض، وهنا فقط فهمت هي أيضًا أنها لم تكن حبًا، كانت مجرد ثغرة، مجرد رغبة، مجرد وسيلة رخيصة ليشعر كريم أنه ما زال مرغوبًا ومسيطرًا، ابتسمت بحزن وقلت لها: حتى في الخيانة طلعتي خسرانة، ثم أغلقت الباب في وجهيهما، وتركت صراخهما خلفه يتحول إلى ضجيج بعيد.
في نفس اليوم بدأت العاصفة الحقيقية، لم يكن انتقامي أن أفضحهما على مواقع التواصل أو أصرخ في العائلة أو أرسل صورًا لأمه، لم أكن أريد انتقامًا رخيصًا، كنت أريد أن يرى كل منهما نتيجة اختياراته كاملة، كريم كان يعمل في شركة أبي كمدير تطوير، وأنا التي رشحته للمنصب بعد زواجنا، دافعت عنه أمام الإدارة حين قالوا إنه متسرع ومغرور، غطيت أخطاءه حين خسر أول صفقة، ووقفت بجانبه حين بدأ يتعامل مع أموال الشركة وكأنها امتداد لحسابه الشخصي، لم أكن غبية تمامًا، كنت أرى علامات، لكنني كنت أقول لنفسي إن الزواج يحتاج صبرًا، وإن الرجل تحت ضغط، وإن الحب يعني أن نستر
على من نحب، لكن ليلة رأيت يارا في غرفة نومي، كل الأعذار ماتت، وفي الصباح حين وصل كريم إلى الشركة وجد بطاقته موقوفة، بريده الإلكتروني مغلقًا، ومكتبه خاليًا من الملفات، كان هناك خطاب رسمي بفتح تحقيق داخلي في مخالفات مالية وتضارب مصالح وتسريب بيانات، أما يارا، فقد كانت تعتمد منذ عامين على عقود وهمية مررها لها كريم من ميزانية الحملات الإعلانية، وكانت تظن أن الأمر مجرد فلوس سهلة لا يراجعها أحد، لكنها لم تكن تعرف أن أبي، رغم مرضه السابق وتعبه، كان من النوع الذي يترك الحبل طويلًا فقط ليرى من سيشنق نفسه به.
في المساء اتصلت بي حماتي، أم كريم، بصوت مكسور، قالت: يا بنتي، هو أكيد غلط، بس البيوت ما تتخربش كده، أغمضت عيني وأنا أستمع إلى جملة سمعتها نساء كثيرات قبلي، البيوت لا تخرب حين يخون الرجل، بل تخرب حين تتكلم المرأة، قلت لها بهدوء: يا طنط سامية، البيت اتخرب لما ابنك دخل صاحبتي أوضة نومي، مش لما أنا رفضت أسكت، بكت وقالت: والفضيحة؟ قلت:
الفضيحة إنه عمل كده، مش إني عرفت، ثم أنهيت المكالمة وأنا أشعر أنني أقطع آخر خيط كان يربطني بتلك العائلة، في اليوم التالي أرسل لي كريم عشرات الرسائل، مرة يعتذر، مرة يهدد، مرة يقول إنه كان ضعيفًا، ومرة يقول إن يارا أغرته، ثم في رسالة طويلة كتب: إنتي عارفة إني بحبك، بس إنتي كنتي مشغولة عني طول الوقت، باباكي والشركة ومشاكلك، يارا كانت بتسمعني، قرأت الرسالة وأنا جالسة بجوار أبي في مكتبه، ثم ناولته الهاتف، قرأها بصمت، وبعد لحظة قال:
الرجل الذي يبرر خيانته بتعب زوجته لا يؤتمن على كوب ماء، لم أستطع منع دموعي، فمد يده وأمسك يدي، أبي الذي نجا من السرطان، والذي ظننت أنني سأحميه من صدمة جديدة، كان أقوى مني، قال: سامحتيها مرة فاعتبرت السماح ضعفًا، لكن ربنا أحيانًا يكشف الناس في اللحظة المناسبة قبل ما يضيعوا ما تبقى من عمرك.
مرت ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع اتصلت بي امرأة لا أعرفها، قالت إن اسمها دينا، وإنها كانت تعمل مساعدة ليارا في مشروع سابق، ترددت كثيرًا قبل أن تتحدث، ثم قالت:
أستاذة ملك، أنا عارفة إن الوقت صعب، بس في حاجات لازم تعرفيها، يارا ما دخلتش حياتك تاني صدفة وقت مرض والدك، هي كانت عارفة إنك هترجعي مصر، وكانت محتاجة ترجع لك بأي طريقة، سألتها وقلبي ينقبض: تقصدي إيه؟ قالت: كانت دايمًا بتقول إنك محظوظة زيادة عن اللزوم، وإنها هتاخد مكانها الطبيعي جنب الناس اللي فوق، وقتها ظننتها مجرد غيرة، لكن لما عرفت كريم في فرحك، بدأت تقرب منه ببطء، رسائل، شغل، نصائح، ثم لقاءات، أنا شوفت بعيني، سكتت دينا لحظة ثم أضافت:
وفي مرة قالتلي بالنص، ملك سامحتني مرة وهتسامحني تاني، هي طيبة لدرجة الغباء، شعرت وكأن السكين القديمة التي ظننت أن الجرح أغلق فوقها تحركت داخلي من جديد، لم تكن خيانة عابرة، لم تكن لحظة ضعف، كانت خطة طويلة من امرأة عرفت باب قلبي واستخدمته ضدي.
في تلك الليلة لم أنم، جلست على أرض الشقة، فتحت صندوقًا صغيرًا حملته معي من الفيلا، كان بداخله صور قديمة لي ولـ يارا، صورتنا في الجامعة، في عيد ميلادي، في المستشفى بجوار أبي، في يوم زفافي وهي تمسح دموعها وتحتضنني بقوة، قلبت الصور واحدة واحدة، ولم أبك هذه المرة، فقط شعرت بحزن عميق على النسخة القديمة مني، تلك التي كانت تظن أن كل من يبكي أمامها صادق، وفي الصباح وضعت الصور في كيس أسود ورميتها، لم يكن ذلك كرهًا، بل دفنًا، دفنًا لصداقة ماتت منذ سنوات لكنني كنت أرفض الاعتراف.
بدأ التحقيق يتوسع بسرعة، اكتشفت الإدارة أن كريم استغل اسمي وثقة أبي لتمرير صفقات مشبوهة، وأن يارا لم تكن المرأة الوحيدة التي تلقّت أموالًا من حسابات الحملات، كان هناك طرف ثالث، شركة صغيرة مسجلة باسم ابن خالة كريم، وكانت الأموال تتحرك بينها وبين حساب خارجي، فجأة لم تعد القضية مجرد خيانة زوجية، بل قضية اختلاس وتزوير واحتيال، وحين عرف كريم أن الأمر قد يصل للنيابة، جاء إلى شقتي وحده هذه المرة، لم يصرخ، لم يهدد، وقف أمام الباب ووجهه محطم، قال من خلف الباب: ملك، افتحي، أنا هضيع، لم أفتح، فقال: أنا غلطت، بس السجن؟ عايزاني أدخل السجن؟
وضعت يدي على الباب من الداخل وقلت: أنا ما دخلتكش الطريق ده يا كريم، إنت مشيت فيه برجليك، قال باكيًا: علشان خاطري، علشان الأيام اللي بينا، قلت: الأيام اللي بينا دفنتها في أوضة نومي، سكت طويلًا، ثم قال بصوت صغير: يارا سابتني، ابتسمت رغم ألمي، بالطبع تركته، فالفئران أول من يهرب حين تغرق السفينة، قال: قالت إنها مالهاش علاقة، وإن كل حاجة أنا اللي عملتها، وإنها كانت ضحية زيك، أغمضت عيني وشعرت بدائرة القدر تكتمل، المرأة التي باعتني تبيعه الآن، ليس حبًا في النجاة فقط، بل لأنها لا تعرف الوفاء حتى لشريك الجريمة.