منوعات

وجع لا ينتهي 1 اماني السيد

بصلي بنظرة برود جمدت الدم في عروقي، وقال لي بنبرة عادية جداً كأنه بيقول خبر في التلفزيون: “الموضوع خلص خلاص يا طنط.. بابا وماما سلوى راحوا معايا وخطبنا، وماما سلوى اشترتلنا الشبكة، وحددنا كمان معاد الفرح”.أنا هنا حسيت إن الدنيا بتلف بيا.. الحيطان بدأت تضيق، والنفس اتقطع. وقعت على الكرسي وأنا مش قادرة أصلب طولي.. خطب؟ ورايحين من ورايا؟ وأمه.. أمه الحقيقية اللي شالت واستحملت وبكت دم طول عمرها، آخر من يعلم؟!

بصيت له ودموعي نازلة زي الشلال، وصرخت فيه لأول مرة في حياتي بصوت شرخ السكون اللي في البيت: “أنا مين يا شريف؟! قولي أنا مين في حياتك؟! أنا مجرد دادة؟ مجرد وحدة أكلت وشربت وغسلت؟ ليه بتعملوا فيا كده؟ حرام عليكم.. أنا أمك!”. بصلي باستغراب وكأني أنا اللي غلطانة، وقال بنبرة لائمة: “جرى إيه يا طنط؟ أنتِ هتعمليلنا مشكلة وتنكدي علينا في يوم زي ده؟ ماما سلوى هي اللي هتدينى قرشين من بتوعها عشان تجيب الدهب وتجوزني، وهي اللي هتقف في وشي قدام

الناس وتناسب وتجامل.. أنتِ هتقدميلي إيه يعني؟”. ساعتها، الكلمة دي قت*لت الباقي مني. “أنتِ هتقدميلي إيه؟”.. الولد قَسَم حياتي لفلوس ومظاهر، ونسي إن فيه قلب اتهرى عشان يطلع راجل يقف على رجليه. دخل جوزي في اللحظة دي، وبدل ما يطيب خاطري، بصلي بغضب وقال: “أنتِ هتبوظي فرحة الواد بعقدك دي؟ قولتلك ميت مرة الست دي صاحبة فضل عليه وعلينا، لولا فلوسها ما كنا عرفنا نجوزه الجوزة دي.. عدي الليلة وقومي باركي لابنك بدل النكد ده”.

سبتهم ودخلت أوضتي.. قفلت الباب بالمفتاح، واترميت على السرير وأنا ببنحِب بصوت مكتوم عشان محدش يسمعني. بصيت للسقف وقولت: “يا رب.. أنا مش مسامحة. مش مسامحة في عمري اللي ضاع، ولا في قلبي اللي اتكسر، ولا في ابني اللي اتسرق مني بالفلوس والمظاهر.. يا رب خدلي حقي، أنا طلعت من الدنيا دي لا طايلة زوج يحس بيا، ولا ابن يقولي يا ماما”. ومرت الأيام اللي باقية لحد يوم الفرح وأنا زي الجث*ة الحية.. بتمشى في البيت من غير روح. بشوفهم وهم بيحضروا، وبيشتروا، وبيتفقوا، وأنا برة الصورة تماماً، كأني ست غريبة مأجرين منها أوضة في الشقة.

جاء يوم الفرح.. اليوم اللي أي أم في الدنيا بتستناه من يوم ما تولد ابنها عشان تفرح بيه. وقفت قدام المراية وبصيت لوشي، لقيت خطوط الزمن والقهر حفرت في ملامحي ملامح ست عجوزة عندها ميت سنة، وأنا لسه في عز عمري. لبست فستان بسيط، ونزلت معاهم وأنا حاسة إني رايحة جنازتي مش فرح ابني. في القاعة.. كانت الصدمة اللي قطمت ضهري ونهت على الباقي مني. دخلت لقيت الكوشة محجوزة.. ومين اللي قاعدة جنبه وجنب العروسة؟ “ماما سلوى”!

قاعدة بفستانها الغالي، وداهبة اللي بيلعلع، والناس كلها داخلة تبارك لها هي، والكل بيقولها: “مبروك يا أم العريس، عقبال ما تشوفي عياله”. وهي مبتسمة وفرحانة، وجوزي واقف جنبها راسه مرفوعة للسما كأنه ملك زمانه. أنا وقفت في أخر القاعة، ورا خالص في الضلمة.. محدش خد باله مني، ومحدش قالي اتفضلي اقعدي في الصف الأول. شريف ابني لمحت عينه جت في عيني للحظة.. افتكرته هيحس، افتكرته هيقوم ياخدني من إيدي ويقول للناس “دي أمي اللي شقيت عشان أكون راجل”.. لكنه دار وشه الناحية التانية بسرعة، وكأنه مكسوف من شكلي ومن لبسي البسيط قدام أهل عروسته الأغنيا.

طول الفرح والدموع نازلة على خدي حرقة وقهر.. الفرحة اللي كنت بحلم بيها، اتسرقت مني عيني عينك وبلوسي ومظاهرهم. خلص الفرح، ورجعنا البيت.. شريف راح على شقته الجديدة اللي “ماما سلوى” جابهاله خرجت من قاعة الفرح لوحدي.. لا حد قالي توصيلة، ولا حد جَبَر بخاطري بكلمة. ركبت تاكسي وأنا بداري دموعي من السواق، ورجعت البيت لوحدي كأني غريبة، كأني ست ملهاش ملجأ ولا سكن.

فتحت باب الشقة الضلمة، ودخلت وسط السكون اللي بيقرقض في عظامي. قعدت على الكرسي بفستاني البسيط، وبقيت أبص لحوائط الصالة اللي شهدت على شقايا وعمري اللي ضاع. في نفس اللحظة دي، كان جوزي رايح بيته التاني مع مراته الأولانية.. سابني في أكتر ليلة قلبي اتكسر فيها، ورايح هناك عشان يعيدوا ذكرى جوازهم، ويحتفلوا باليوم اللي جمعهم، وكأن مفيش ست هنا اتهرى قلبها عشان تديهم السند اللي بيتباهوا بيه.

الدنيا لفت بيا.. حسيت كأن طوبة خرسانة نزلت على دماغي. بدل ما ييجي يطيب خاطري أو يداري خيبته من اللي حصل في القاعة، سابني وِجري عشان يلحق يحتفل بذكرى جوازه من الست اللي مَحِت وجودي واشترت ابني بفلوسها! بقيت بصرخ من غير صوت، القهر كاتم على نفسي ودموعي نازلة زي الشلال.. قولت لنفسي: “يا ابن الناس، بتعاقبني على إيه؟ على إني جبتلك الولد اللي كنت بتحلم بيه؟ بتسيبني في ليلة فرح ابني اللي اتسرقت مني وتروح تراضيها هي؟”

عرفت ساعتها إن مفيش فايدة، وإن جوزي باعني من زمان لحساب مشاعرها وفلوسها. هو شايفها صاحبة الفضل لأنها عملت للواد فرح مكنش يحلم بيه ورفعت راسهم قدام الناس، ونسي إن فيه أم صحت وعمرها اترموا في الأرض عشان يطلع الراجل ده. وقعت على أرض الصالة الضلمة.. وبقيت أبص حواليا.. السكون مرعب، والحيطان بتضيق عليا. جوزي سابني في عز حزني ورايح للي بايعاني، وابني نام في حضن فلوسها ومظاهرها ونِسي أمه.

حضنت نفسي وبقيت أصرخ بصوت مكتوم والتراب في إيدي: “يا رب.. أنا مش مسامحة.. مش مسامحة في ليلة فرح ابني اللي اتسرقت، ولا في قهرتي الليلة دي وجوزي سايبني لوحدي كأني كلبة جربانة ورايح يجدد شبابه مع اللي ظلمتني.. يا رب أنت الع دل، خدلي حقي من اللي مَوّتوا قلبي وعاشوا على كسرتي”.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى