منوعات

عشرين سنة، حكايات رومانى مكرم 1

على مدار عشرين سنة، كان حمايا الحج عبد الستار، عنده تسعة وتمانين سنة، بياكل على سفرتي من غير ما يدفع مليم واحد. وكنت شايفه حمل تقيل فوق ضهري… لحد ما مات. وبعدها بثلاث أيام، خبط محامي على باب شقتي وهو شايل ملف خلّى الهوا يتسحب من صدري. كان الحج عبد الستار عايش في الأوضة الصغيرة اللي آخر الطرقة، جنب البلكونة اللي فيها الغسيل. أما مراتي، أميرة، فكانت دايمًا تقول: — ده أبويا يا ممدوح… ورعايته واجب علينا.

وأنا… كل آخر شهر كنت أبص للمصروف وهو بيطير، وألاقي الحج عبد الستار قاعد يشرب الشاي وكأن الدنيا بخير. ماكانش راجل وحش. كنت بكرر الجملة دي جوا دماغي عشان ماكرههوش. كان بس… راجل عجوز. هادي. وعنيد. راجل رفيع لابس جلابية قديمة وشال صوف رمادي، يتمشى بالعافية لحد المطبخ، يحط الفول في الطبق، يسخن العيش، وعمره ما سأل الزيت بقى بكام ولا أنبوبة الغاز وصل سعرها لفين. أوقات كان يبصلي ويقول: — ربنا يكرمك يا ابني.

بس الكلام ده… ماكانش بيدفع فاتورة الكهربا. ولا ثمن العلاج. ولا إيجار الشقة. عشرين سنة وأنا شغال في ورشة ميكانيكي في شبرا، أرجع هدومي كلها ريحة شحم وبنزين، وألاقي الحج عبد الستار واخد مكاني على الكنبة، سامع الراديو، وبيغمّس البقسماط في الشاي باللبن. كانت أميرة تدافع عنه كل مرة: — مالوش غيرنا يا ممدوح. فأرد بعصبية: — وإحنا أصلًا بالعافية عايشين! فتعيط. وأسكت أنا. أما الحج عبد الستار… فكان يعمل نفسه ماسمعش حاجة. وعدّت السنين.

أفراح. وأمراض. وجمعيات. وديون. وصمت مالي البيت. كبر عيالي وهما متكدسين في أوضة واحدة، عشان الجد واخد الأوضة التانية. وبعت التوك توك القديم بتاعي عشان أعمله عملية مياه بيضا. وأجلت تشطيب الشقة عشان علاج السكر والضغط أهم. وكل ما كنت أتنرفز… كان يوطّي راسه ويقول بصوت مكسور: — سامحني يا ابني… شكلي تقيل عليكم. والجملة دي كانت بتخنقني أكتر. عشان كانت مليانة وجع. وعشانها… طلعت حقيقية فعلًا. في صباح شتوي بارد، لقيناه قاعد على الكرسي البلاستيك في البلكونة، الطاقية على رجله، والراديو لسه شغال على إذاعة القرآن الكريم.

كان شكله نايم. صرخت أميرة. وجريت أنا عليه. بس الحج عبد الستار كان خلاص… راح. الجنازة كانت بسيطة. كام واحد من الجامع. وشوية دموع. وسكات تقيل. أما إخوات مراتي، جم متأخرين، صوتهم عالي ودموعهم أعلى، وبعد ساعة اختفوا. قرب مني أخوه الكبير، عماد، وربت على كتفي وقال: — الحمد لله يا ممدوح… ارتحت أخيرًا. ماعرفتش أرد. لأن جزء وسخ جوايا… كان بيفكر نفس التفكير. وفي الليلة دي، لأول مرة من عشرين سنة، الكرسي بتاع الحج عبد الستار فضل فاضي.

بس الغريب… إني ماحستش بالراحة. حسيت بذنب. بعدها بثلاث أيام… حد خبط الباب. فتحت لقيت راجل لابس بدلة شيك، وماسك شنطة جلد سودا، وملامحه جامدة. قال: — الأستاذ ممدوح الشرقاوي؟ قلت: — أيوه. قال بهدوء: — أنا جاي بتكليف من المرحوم الحج عبد الستار. ظهرت أميرة من ورايا وشها أصفر: — بابا؟ هز راسه: — الله يرحمه… سايب تعليمات واضحة جدًا، ورسالة ماتتفتحش إلا بعد الدفنة. وبعد ساعة تقريبًا، وصل عماد وباقي إخواته. ريحة البرفانات مالية المكان، والطمع باين في عينيهم.

ضحك عماد بسخرية وقال: — رسالة إيه بس؟ هو الراجل ساب إيه أصلًا؟ ده عاش على حساب غيره عشرين سنة. لكن المحامي ما ابتسمش. فتح الشنطة الجلد بهدوء. طلع ملف تخين. وبعده كيس قماش قديم. وظرف أصفر مكتوب عليه بخط الحج عبد الستار المرتعش: “ممدوح” ماكتبش: “لبنتي.” ولا: “لولادي.” كتب اسمي أنا. اتكلم عماد بعصبية: — أكيد في غلطة. رد المحامي ببرود: — مافيش أي غلطة. وفجأة حسيت رجليا مش شايلاني. لأن الترابيزة ماكانتش مليانة ورق وبس…

كانت مليانة عمر كامل أنا ماكنتش فاهمه. إيصالات قديمة. صور باهتة. ودفتر أزرق مليان أرقام وتواريخ. وعشرين سنة من أسرار ماحاولتش أفهمها يوم. الكلام سكت في الأوضة كلها. والمحامي عدّل نضارته وقال: — الحج عبد الستار أوصى إن الأستاذ ممدوح يسمع الرسالة قدام العيلة كلها قبل أي كلام عن الورث. فتح الظرف ببطء. وأميرة مسكت إيدي جامد. #الكاتب_رومانى_مكرم أما عماد… فاختفت الابتسامة من على وشه. وبعدين بدأ المحامي يقرا… وأول سطر بس… كان كفاية يكسّرني نصين:

“يا ممدوح… أنا عارف إنك طول السنين دي كنت فاكر إني ماعملتش ليك أي حاجة… بس كل لقمة أكلتهالي كانت السبب اللي خلاني أخبّي كل حاجة باسمك.” المحامي سكت ثانية، بلع ريقه، وبصلي بنظرة فيها هيبة وشفقة في نفس الوقت. عيون إخوات أميرة كانت هتاكل الورقة اللي في إيده، وعماد وشه بدأ يقلب ألوان، وعروق إيده ظهرت وهو كابس على يد الكرسي. المحامي كمل قراية بصوت جهوري:

“يا ممدوح يا ابني.. أنا عارف إن الجلابية القديمة والشال الرمادي كانوا بيخلوك تبصلي وتحس بالهم.. وعارف إنك بعت توكتوك عمرك عشان مياه عيني البيضا.. وكنت بشوف دموعك داري في الشحم والبنزين وأنت راجع شايل هم الإيجار.. في أول سنة جيت عشت عندك فيها، بعد ما ولادي رموني وباعوا أرض المحلة وخدوا تمنها، أنا ماكنتش مفلس.. أنا كان معايا تمن نص الأرض بتاعتي اللي هما ماعرفوش يوصلوا لها.. سبع ملايين جنيه يا ممدوح.. شلتهم في البنك الأهلي، وكنت قادر أشتري بيهم عمارة وأعيش ملك.. بس أنا كنت بدور على (بني آدم)..

كنت بدور على ضهر وسند حقيقي مش فلوس تشتري لِمّة كدابة.. ولما ولادي سابوني، أنت وأميرة خدتوني.. رميت حملي عليك وكنت قاصد.. كنت قاصد أشوف هتشيلني لحد فين.. وكل شهر كنت بشوفك بتعافر، كنت بروح البنك من وراك، وأحط مكسب الشهادات في حساب مقفول.. باسمك أنت يا ممدوح.. مش باسم أميرة، ولا باسم حد من ولادي اللي من صلبى.. الحساب ده انهارده فيه اتناشر مليون جنيه.. وفوقيهم الورشة الكبيرة اللي في أول شارع شبرا.. الورشة اللي صاحبها عرضها للبيع من خمس سنين وأنت كنت بتمـ,ـوت وتشتريها.. أنا اللي اشتريتها يا ممدوح.. وسبتها مقفولة عشان تفتحها أنت انهارده وتكون صاحب العمل..

كل ده بتاعك.. تمن اللقمة اللي كنت بتغمسها معايا.. وتمن صبرك على راجل عنيد.. سامحني لو كنت حمل تقيل.. بس أنا كنت ببنيلك وببني لعيالك لآخر يوم في عمري”. المحامي قفل الجواب، وحط القلم فوقيه بهدوء تّام. الأوضة اتتحولت لقبر.. سكات مفيش فيه حتى صوت النفس. أميرة سابت إيدي وفضلت تبكي بصوت عالي.. دموع قهر ووجع وصدمة في أبوها اللي مات وهو شايل كل ده جواه. أما عماد.. فوقف فجأة زي المجنون، وشه بقا أحمر وعينه بتطق شرار، خبط على الترابيزة بإيده وهو بيصرخ في المحامي:

— الكلام ده تزوير! إنتوا بتستهبلوا؟ أبويا ماتخرفش عشان يكتب شقا عمره لواحد ميكانيكي ملوش صفة! إحنا ولاده.. إحنا اللي ورثته الشرعيين.. الجواب ده بله واشرب ميته، إحنا هنرفع قضايا وهنحجر على الفلوس دي! المحامي ما اتهزش، فتح الشنطة الجلد وسحب حافظة مستندات تانية، ورماها قدام عماد على الترابيزة ببرود قـ,ـاتل:

— الحج عبد الستار الله يرحمه ماكانش بيخرف يا أستاذ عماد.. الحج عبد الستار بايع ومنازل للأستاذ ممدوح بيع وشراء قطعي، ومسجل في الشهر العقاري وبصمته وصورته وصوت وصورة وهو بيوقع ومسجل فيديو هنا في الفلاشة دي.. والفلوس اللي في البنك دي هبة مش ورث.. يعني قانونًا وشرعًا.. الأستاذ ممدوح الشرقاوي هو المالك الوحيد لكل مليم.. وإذا كان على القضايا، فالمكتب بتاعي هو اللي هيتولى الرد عليكم.

عماد بص لإخواته اللي كانوا قاعدين مذهولين، وبدأوا يلوموا فيه ويزعقوا: “مش أنت اللي قلت الراجل شطب وما حيلتوش مليم؟ مش أنت اللي قلت سيبوه لممدوح يشيله؟ أهو ممدوح بقا صاحب ملايين وإحنا طلعنا من المولد بلا حمص!”. الخناقة بدأت تدور بينهم في صالون شقتي، وصوتهم يعلى، وأنا واقف في نص الأوضة مش سامع حاجة من كلامهم.. أنا سامع صوت الحج عبد الستار بس وهو بيقولي “ربنا يكرمك يا ابني”.. سامع صوت الراديو على إذاعة القرآن الكريم.. وشايف الكرسي البلاستيك الفاضي في البلكونة.

الدنيا لفت بيا.. السبع ملايين.. الورشة.. الـ١٢ مليون جنيه.. العمر اللي راح في الشحم والبنزين.. كل ده انهارده بقا ملكي؟ بصيت لعماد وإخواته وهما بيقطعوا في بعض، وحسيت بنوبة غضب ووجع عمري ما حسيتها قبل كده. مشيت خطوات ناحية الترابيزة، ولميت الإيصالات والدفتر الأزرق الكيس القماش، وحضنتهم لصدري جامد.. بصيت لعماد وقلت بصوت حاد ومزلزل: — برة.. عماد سكت وبصلي بغل: — أنت بتطردنا يا ممدوح؟ زعقت بأعلى صوت عندي والدموع نازلة من عيني زي المطر:

— برة من بيتي! برة من بيت الراجل اللي رميتوه عشرين سنة وجايين تدوروا على ج*ثته انهارده! برة ومش عايز أشوف وش حد فيكم هنا تاني! خرجوا وهما بيجروا أذيال الخيبة والغل بياكل قلبهم.. والمحامي استأذن وسابلي رقم تليفونه وقال وهو بيطبطب على كتفي: “أنت استحقيت ده يا ممدوح.. الراجل ده عاش عندك معزز مكرم.. مبروك عليك”. قعدت على الأرض.. وأميرة قعدت جمبي، حطيت راسي بين إيديا وفضلت أعيط زي العيل الصغير.. كنت عبيط.. كنت حمار وأنا ببص لطبق الفول وكباية الشاي باللبن.. الراجل ده كان بيشتريلي الجنة وأنا كنت فاكره حمل تقيل.

تاني يوم الصبح.. نزلت الشارع.. رجلي خدتني لحد ورشة شبرا المقفولة.. الورشة اللي طول عمري بحلم أدخلها وأنا صاحبها.. وقفت قدام الباب الحديد الصديان.. وطلعت المفتاح اللي المحامي ادهولي.. إيدي كانت بترتعش وأنا بحط المفتاح في القفل.. ولسه هلف المفتاح.. سمعت صوت ورايا خلّى جسمي كله يتنفض..#الكاتب_رومانى_مكرم انى_مكرم  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى