منوعات

س صد.مه حماتي لرضوى السيد

الفصل الأول الصدمة في الغرفة 702 كانت رائحة المطهرات في مستشفى دار الفؤاد تخنقني، لكنها لم تكن بنصف مرارة الخيانة التي كانت تغلي في صدـ,,ـــري. وقفت بجانب سر,,ـــــير الحاجة أمينة، أنظر إلى وجهها الشاحب وعينيها اللتين انفتحتا ببطء تحت تأثير ما تبقى من البنج. كانت تظن أن الجراحة تمت، وأنني أصبحت جسداً ناقصاً لتعيش هي بكامل عافيتها.

بصوت متحشرج، وجاف كالصحراء، أشارت بإصبعها المرتعش نحو الباب، وبنبرة خلت من أي رحمة أو امتنان قالت خلاص… إنتِ عملتي اللي عليكي. طالما ادّتيني كليتك، يبقى دورك خلص. لُمّي هدومك وامشي من العيلة دي. ابني يستاهل واحدة من مقامه، مش شغيلة جبناها من بيتها عشان تخدمنا وتنقذنا وتمشي. التفتُّ ببطء نحو أحمد. كان واقفاً عند زاوية الغرفة، ملامحه متيبسة، وجهه شاحب كالمــ,,ـــــوتى.

لم يكن شحوبه خجلاً من قذارة كلمات أمه، بل كان رعباً لأن أمه كشفت المخطط باكراً جداً، قبل أن يضمن خروجي من المستشفى وقبل أن يوقعني على أوراق التنازل عن حقوقي في الشركة. نظرت إليهما بهدوء غريب، هدوء يسبق العاصفة التي ست.ع جذور ظلــ,,ـــــمهم الذي استمر عشر سنوات. تراجعت خطوة إلى الوراء، وأمسكت حقيبتي الجلدية السوداء ببطء، وفتحت سحابها وأخرجت منها ورقة رسمية مدموغة بختم إدارة المستشفى وقسم زراعة الأعضاء. قلت بصوت واضح، ثابت، هز جدران الغرفة كليتك؟

مين قالك إن كليتي بقت عندك يا حاجة أمينة؟ اتسعت عينا أحمد برعب وهو يخطو نحوي مروة… إنتِ بتقولي إيه؟ العملية خلصت من ساعتين! ضحكت ضحكة قصيرة مريرة رنت في أرجاء الغرفة العملية ما اتعملتش يا أحمد. أمك ضغطها عليّ الصبح والدكاترة خرجوها بره الأوضة. وفي الوقت اللي كنت إنت واقف فيه على السلم بتكلم دنيا رفعت وتوعدها إنك هترميني برمي كلاب وتطلقني بعد ما تاخدوا كليتي… أنا كنت واقفة وراك وسجلت كل كلمة. أخرجت هاتفي وهززته أمامهما. أحمد تجمد في مكانه كأنه ضــ,,ـــــرب بصاعقة. تابعت وعيناي تلمعان بنــ,,ـــــار الانتقام العادل نزلت فوراً لقسم زراعة الأعضاء وسحبت موافقتي للأبد وبشكل رسمي.

أمك خرجت من الأوضة متبنجة من غير أي جراحة. كليتي لسه في جسمي… وأمك لسه بفشلها الكلوي اللي هيدور على متبرع تاني، بس المرة دي مش هيلاقي المغفلة اللي كانت بتخدمكم بروحها. الحاجة أمينة صرخت صرخة مكتومة وهي تحاول الاعتدال على السر,,ـــــير، ويدها ترتعد بعنــ,,ـــــف وهي تضعها على جانبها الأيمن كدابة!

إنتِ بتخوفيني! أحمد… قولي إنها بتكدب! كليتي جوه! أحمد لم ينطق بحرف. تقدم نحو الحقيبة الموضوعة بجانب السر,,ـــــير وتأكد من تقرير الأطباء الذي يثبت إلغاء العملية بناءً على رغبة المتبرعة وقرار الإلغاء الطبي لارتفاع ضغط المريضة. نظر إلى أمه بهلع وقال بصوت مكسور فعلاً يا أمي… العملية ما اتعملتش. مروة ما اتبرعتش. الفصل الثاني الانهيار العظيم تحولت الغرفة في ثوانٍ إلى ساحة من الجنون. الحاجة أمينة بدأت تصرخ وتلطم وجهها، متناسية وقارها الزائف يا مصيبتي! يا فضيحتي وسط الناس! هتمــ,,ـــــوتيني يا مروة؟ بقى بتبخلي عليا بحتة لحمة من جسمك؟ يا قاسية يا جاحدة!

التفتُّ إليها ونظرت في عينيها مباشرة، وقلت بنبرة تقطر حزماً حتة اللحمة دي اللي سميتيها ريحة أرياف لما أمي جابتهالك ودلقتيها في الحوض! فاكرة؟ فاكرة لما وجعتي قلب أمي وكسرتي خاطرها؟ يومها أنا حلفت إني هاخد حق دموعها. والنهاردة ربنا ردلها اعتبارها. جسمي المحرم عليكي هو اللي كنتي هتعيشي بيه. دلوقتي خليهم يشوفولك متبرع بفلوس دنيا وباباها المستثمر الكبير. أحمد حاول الإمساك بكتفي، وصوته يرتجف بالرجاء الكاذب مروة… أرجوكي، خلينا نتفاهم. أنا كنت غبي، الشـ,ـيطان وزني. دنيا دي مجرد مصلحة عشان نكبر الشغل… أنا بحبك إنتِ، إحنا عشرة كفاح وتعب!

رفعت يدي في وجهه أمنعه من الاقتراب إياك تلمسني! عشرة كفاح؟ إنت كنت بتعتبرني آلة بتشتغل ببلاش. عشر سنين وأنا بشيل كراتين في شبرا الخيمة، وبظبطلك الحسابات، وبسهر للفجر أخلص الفواتير عشان جنابك تروح تلبس ساعات غالية وتدفع فواتير أوتيلات ل دنيا من ورايا! أنا مش بس سحبت كليتي يا أحمد… أنا سحبت حياتي كلها من طريقك. أخرجت من حقيبتي ملفاً يحتوي على صور ضوئية لكل التحويلات البنكية التي قمت بنسخها في الليلة السابقة، ورميتها على وجهه لتتناثر الأوراق على سر,,ـــــير أمه والأرض دي صور التحويلات للشركة الوهمية اللي في التجمع.

ودي فواتير الأوتيل والمجوهرات. كل فلس سرقته من الشغل اللي بنيته معاك بدمي وصحتي موثق هنا. من الصبح، المحامي بتاعي بيرفع قضية فرض حراسة على الشركة وقضية طلاق للضرر مع طلب تعويض كامل عن كل سنين الشغل بدون أجر. أحمد تراجع للخلف، وقد سقط القناع تماماً عن وجهه ليظهر الرجل الأناني الذليل مروة، إنتِ هتدمريني؟ الشركة هتقع! البنوك هتحجز علينا لو الشركاء عرفوا بالحسابات دي! تولع الشركة، ويولع أحمد، وتولع الحاجة أمينة! قلت كلماتي الأخيرة، والتفتُّ بكبريائي، تاركة وراء عويلاً وصراخاً لم يعد يعنيني في شيء.

خرجت من باب الغرفة 702، وخطواتي على أرض المستشفى كانت خفيفة كأني أطير، وكأن حملاً بزنة جبل قد انزاح عن صدـ,,ـــري.

الفصل الثالث العودة إلى الحــ,,ـــــضن الدافئ نزلت من المستشفى وركبت أول سيارة أجرة متجهة إلى بيت أمي في القليوبية. طوال الطريق، كنت أنظر من النافذة إلى شوارع القاهرة وكأني أراها لأول مرة. الشمس كانت مشرقة، والهواء يتسلل إلى لمحة نيوزرئتي نقياً وخالياً من سموم الاستغلال. عندما وصلت، فتحت أمي الباب. كانت ملامحها متعبة، وعيناها مليئتين بالقلق منذ أن علمت بموعد العملية. عندما رأتني بكامل عافيتي، وبدون ملابس المستشفى، شهقت وضمتني إلى صدـ,,ـــرها وهي تبكي مروة! يا بنتي… إيه اللي حصل؟ إنتِ كويسة؟ الكلية جرالها إيه؟

ارتميت في حــ,,ـــــضنها، وبكيت… بكيت لأول مرة منذ سنوات طويلة، بكيت لكي أغسل كل لحظة ضعف، وكل إهانة تجرعتها في بيت أحمد. أنا كويسة يا أمي. كليتي معايا، ورجعتلك سليمة. ربنا نجاني منهم. جلست معها وحكيت لها كل شيء؛ من مكالمة أحمد ودنيا على السلم، إلى كشف السرقة والتحويلات، وحتى لحظة طرد الحاجة أمينة لي وهي تظن أنها نالت مبتغاها. أمي كانت تستمع وعيناها تتسع بالذهول، ثم رفعت يديها إلى السماء وقالت بصوت متهدج بالدموع الحمد لله اللي كشفهم على حقيقتهم قبل ما ينهشوا من لحمك يا بنتي.

الحمد لله اللي ردلي اعتباري في بنتي وصحتها. دمعتي اللي نزلت وأنا بنضف وراهم ما راحتش هدر. في تلك الليلة، نمت في سر,,ـــــيري القديم بجانب أمي، شاعرة بأمان لم أذقه طوال عشر سنوات من الزواج. الفصل الرابع ليلة تصفية الحسابات لم يمر سوى يومين حتى بدأت الحرب الحقيقية. أحمد حاول الاتصال بي مئات المرات، وأرسل رسائل استعطاف وتهديد متبادلة، لكنني قمت بحظر رقمه تماماً. وفي اليوم الثالث، توجهت برفقة الأستاذ عادل، وهو محامٍ قدير وصديق قديم لعائلتي، إلى مقر الشركة في شبرا الخيمة. عندما دخلت، كان الموظفون ينظرون إليّ بدهشة شفقة وتساؤل. توجهت مباشرة إلى مكتبي القديم، وجلست وراء الكمبيوتر الرئيسي.

لم يجرؤ أحد على منعي، فالجميع يعلم أنني العقل المدبر لكل شيء في هذا المكان. بعد دقائق، دخل أحمد مسرعاً، وكان يرافقه محاميه الخاص. كان يرتدي نفس الساعة الغالية، لكن وجهه كان شاحباً وعيناه غائرتين من قلة النوم. مروة! إنتِ جاية تعملي إيه هنا؟ المكان ده ملوش علاقة بيكي بعد القضية اللي رفعتيها! وقف الأستاذ عادل وقال بنبرة هادئة وحاسمة أهلاً يا أستاذ أحمد. موكلتي الأستاذة مروة هنا بصفتها الشريك الفعلي بنسبة النصف في الأصول الإدارية، وبصفتها المسؤولة عن النظام المحاسبي.

لقد قدمنا طلباً رسمياً للمحكمة لفرض الحراسة القضائية على الشركة بناءً على مستندات تثبت اختلاسك لأموال الشركة وتحويلها لحسابات شخصية وشركات وهمية للإضـ,ـرار بمال الشراكة. مروة! إنتِ جاية تعملي إيه هنا؟ المكان ده ملوش علاقة بيكي بعد القضية اللي رفعتيها! وقف الأستاذ عادل وقال بنبرة هادئة وحاسمة أهلاً يا أستاذ أحمد. موكلتي الأستاذة مروة هنا بصفتها الشريك الفعلي بنسبة النصف في الأصول الإدارية، وبصفتها المسؤولة عن النظام المحاسبي. لقد قدمنا طلباً رسمياً للمحكمة لفرض الحراسة القضائية على الشركة بناءً على مستندات تثبت اختلاسك لأموال الشركة وتحويلها لحسابات شخصية وشركات وهمية للإضرار بمال الشراكة.

أحمد نظر إلى محاميه بطلب النجدة، فتقدم محاميه وقال يا فندم، الشركة مسجلة باسم الأستاذ أحمد بالكامل. الأستاذة مروة لم تكن سوى زوجة تساعد زوجها، ولا يوجد أي عقد شراكة يثبت حقها. ابتسمت بسخرية، وفتحت اللابتوب الخاص بي وأدرت الشاشة نحوهم صحيح. .. في الورق الشغل باسم أحمد. لكن الشراكة الفعلية تُثبت ب شراكة العمل والجهد والمساهمة المالية. أنا عندي تحويلات بنكية من حسابي الشخصي القديم ورثي من أبويا اللي بدأت بيه الشركة مع أحمد لما كان المحل إيجار ب 500 جنيه.

وعندي سجلات بخطي توضح إدارتي لكل الحسابات، وشهادة العمال اللي هنا كلهم إنهم ما كانوش بيقبــ,,ـــــضوا ولا بيشتغلوا إلا بأمر مني.

والأهم من ده… عندي تسجيلات وإيميلات متبادلة مع العملاء تثبت إني كنت شريكة القرار. أحمد بدأ يتصبب عرقاً. كان يعلم أن كشف هذه الأوراق للضرائب والشركاء الكبار سيعني نهايته التجارية تماماً. الفصل الخامس سقوط الأقنعة وتدخل دنيا بينما كنا في المكتب، رن هاتف أحمد. كان المتصل رشاد رفعت، والد دنيا والمستثمر الكبير الذي كان أحمد يعلق عليه كل آماله للنجاة بالشركة والارتقاء إلى مجتمع الأثرياء. أحمد أجاب بنبرة مرتجفة أيوة يا رشاد بيه… أهلاً بحضرتك. جاء صوت الرجل غاضباً عبر الهاتف، لدرجة أننا سمعناه جميعاً في الغرفة أحمد! إيه الهباب اللي واصلني ده؟

بنتي دنيا جاية تعيط وتقولي إن مراتك كشفت علاقتكم، وإن عندك قضايا اختلاس وفضايح مالية هتوصل للنيابة؟ إنت كنت بتضحك علينا وتقول إنك أعزب وبتخلص إجراءات طلاق من زوجة مريضة؟ أنا فلوسي وسمعة بنتي مش لعبة! الصفقة اللي بيننا ملغية، وأي مليم دفعته كعربون لشراء الحصة أنا عاوزه يرجع بكره الصبح، وإلا هسجــ,,ـــــنك! أحمد سقط على كرسيه وكأن قواه قد خارت تماماً رشاد بيه… أرجوك اسمعني، دي مؤامرة من طليقتي عشان تدمرني… لكن الخط كان قد انقطع.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى