الباب اتخلع من مكانه بصوت يزلزل العمارة، ودخل منه حسام ومصطفى ومعاهم اثنين من قرايبنا الشبان. أول ما مصطفى شاف إيد مدحت المرفوعة عليا وماسكني من زوري، ما استنوش كلمة. مصطفى عليه زي الأسد ، ومسكه من قم…
الباب اتخلع من مكانه بصوت يزلزل العمارة، ودخل منه حسام ومصطفى ومعاهم اثنين من قرايبنا الشبان. أول ما مصطفى شاف إيد مدحت المرفوعة عليا وماسكني من زوري، ما استنوش كلمة. مصطفى عليه زي الأسد ، ومسكه من قميصه ورزعه في الأرض ضربة خلت الطقطوقة القزاز تتكسر تحت منه ميت حتة. مدحت صرخ من الوجع وهو بيتمرغ في القزاز، وكان يحاول يقوم، بس حسام حط جزمته على صدره وحبسه في الأرض، وبص له بعيون بتطلع شرار ونبرة صوت أبرد من التلج: * بقى أنت فاكر إن مالهاش رجالة يا هافأ؟
فاكر إن عشان أبويا مات وهدوم العزا لسه ما جفتش، هتعرف تمد إيدك على أختنا وتسرق حلالها؟ مدحت كان بياخد نفسه بصعوبة تحت جزمة حسام، ووشه جاب ألوان، والدم بدأ ينزل من دراعه من القزاز المكسور. حاول يتكلم ويصنع شجاعة كدابة وهو بيصرخ: * أنت.. أنت وهو دخلتم بيتي إزاي؟! دي هجمة جحوش! أنا هطلب لكم البوليس وأعمل لكم محضر اقتحام وشروع في قتل! مصطفى ضحك بصوت عالي مليان سخرية، وطلع تليفونه من جيبه وفتح تسجيل صوتي.
الصوت اللي خرج من التليفون خلى جسم مدحت يتيبس مكانو.. كان صوت مدحت نفسه وهو بيكلم شيماء بنت عمه وبيقولها: “اليومين دول هضغط عليها وهاخد البصمة أو التنازل بالذوق أو بالعافية.. والاتنين مليون في الجيب”. مصطفى وطي عليه وقرب التليفون من ودنه وقال له: * طلب البوليس يا حلو؟ اطلبهم عشان نسلمهم تسجيل التهديد بالشروع في القتل والتزوير والإكراه، ده غير بقى حوار الشيكات اللي عليك لأبو شيماء اللي محضرهم عشان يحبسك بيهم! إحنا عارفين عنك الكبيرة والصغيرة يا ابن عمي!
مدحت وشه اتمسح منه الدم تماماً، والغرور والجشع اللي كانوا مالين عينيه اتحولوا لرعب حقيقي. أدرك في اللحظة دي إن اللعبة انتهت، وإن غزل الأوهام اللي بني به أحلامه طار في الهواء. بص لي بصة ترجي واستعطاف وهو ماسك إيد حسام: * بسنت.. قوليلهم يسبوني يا بسنت! أنتِ مراتي وحبيبتي، الشيطان دخل بينا.. أنا كنت بقول كده عشان أضايقك بس، والله العظيم ما كنت هعمل حاجة! أنتِ تصدقي إني أبيعك عشان شيماء؟ قربت منه بخطوات ثابتة، وبصيت له من فوق لتحت بقرف واشمئزاز عمرى ما حسيت بيه قبل كده. كنت شايفاه صغير أوي، قزم مجرد من أي نخوة أو رجولة.
* الشيطان ما دخلش بينا يا مدحت.. أنت الشيطان نفسه. أنت اللي استكترت على أمي 150 ألف جنيه من ورث أبويا عشان تؤمن عيشتها، وأنت اللي كنت عايز تاخد عرق أبويا وفلوسه عشان تروح تستر بيهم نفسك وتتجوز بيهم غيري. الحب بتاعك كان تمثيلية، والجوازة دي كانت أكبر غلطة في حياتي، والنهاردة الشابورة دي هتتمسح. حسام رفع رجله من على صدره وزقه برجله وهو بيقومه: * اخلص يا روح أمك.. شنطة هدومك اهي مصطفى جهزهالك، ورقتين أختك يوصلوا بكرة الصبح لمأذون المنطقة، ومعاهم مؤخرها وحقوقها بالمليم.
لو فكرت بس توهوت أو تعمل حوار، التسجيل ده مع المحامي وهيتقدم للنيابة بتهمة ابتزاز وإكراه على التنازل. . ده غير إن إخواتك وأهلك كلهم هيعرفوا فضيحتك في البلد. مدحت قام وهو بيلف حوالين نفسه زي الفراخ المذبوحة، بص للشنطة اللي حسام رماها قدامه، وبعدين بص لي بقلة حيلة. ما لقاش في عيني نقطة ضعف واحدة يمسك منها. مسك شنطته وإيده بترتعش، وخرج من باب الشقة وهو بيطأطئ رأسه في الأرض، ومصطفى ومحمد قرايبنا نزلوا وراه لحد ما أتأكدوا إنه ركب عربية مشي بيها وما بقاش له وجود في الشارع.
أول ما الباب اتقفل، قعدت على أقرب كرسي. صدري كان بيطلع وينزل، بس المرة دي ما كانتش دموع قهر.. كانت دموع راحة. حسام قرب مني ومسك إيدي وباس رأسي: * حقك رجع يا بسنت، وفلوس أبوكِ في أمان، وما فيش مخلوق على وش الأرض يقدر يمس شعرة منك طول ما إحنا عايشين. الشهور المتبقية مرت بسرعة بعد الطلاق الرسمي. مدحت حاول يبعت ناس ويتوسط عشان أرجع له لما اكتشف إن أمه وعمه اتخلوا عنه بعد ما عرفوا فضيحته، وإن الشيكات بدأت تلاحقه، بس الباب كان مقفول بالضبة والمفتاح.
أنا وإخواتي كبرنا مشروع صغير باسم أبويا الله يرحمه، والـ 150 ألف جنيه اللي أديناهم لأمي كانوا سبب في إنها تعيش ملكة في بيتها، مرفوعة الرأس، مش محتاجة لحاجة ولا لحد. عرفت إن الفلوس مش بس بتكشف مناادن الناس، دي كمان غربال بينزل منه المزيفين وبيبقى بس اللي أصلهم طيب. في يوم، كنت قاعدة مع أمي وإخواتي بنشرب الشاي في البلكونة، والتليفون رن برقم غريب مش متسجل عندي. ردت بصوت هادي: * ألو؟ جالي صوت من الناحية التانية كان يرعش ومتلخبط.. صوت شيماء بنت عمه! * الحقيني يا بسنت.. مدحت عايز يعمل فيا مصيبة!
صمتُّ للحظات، والكلمات وقفت في حلقي كأنها خناجر. شيماء؟ هي التي كانت بالأمس شريكة في خيالاته عن “التجمع” وعن استباحة مالي؟ صوتها كان يتهدج بالبكاء، نبرة خالية تماماً من الكبرياء الذي كانت تظهره حين كانت تزورني في بيتي. * شيماء؟ أنتِ بتهزري؟ أنتِ لسه فاكرة إنك ممكن تمثلي عليا؟ * والله يا بسنت ما بتمثل.. مدحت مش طبيعي! دمرني ودمّر حياة أهلي، والدي طرده من الورشة بعد ما عرف الحقيقة، وهو دلوقتي زي الكلب المسعور، بيهددني ويهدد أبويا، وبيقول إنه عارف كل تحركاتكم، وعارف إنك لسه محتفظة بفلوسك، وإنه لو ما أخدهاش هيحرق الدنيا بمن فيها.
. أرجوكِ، أنا مش عايزة منه حاجة، أنا بس عايزة أعيش في حالي! أغلقت الخط دون أن أعدها بشيء، ونظرت حولي في الصالة حيث يجلس حسام ومصطفى يراجعان أوراقاً لمشروعنا الجديد. وضعت الهاتف على الطاولة بيدي التي كانت ترتجف برغم محاولتي إخفاء ذلك. * في إيه يا بسنت؟ مين اللي كان بيكلمك؟ حكيت لهم ما قالته شيماء. ساد الصمت في الغرفة، وتبادل حسام ومصطفى نظرات حادة. قام حسام من مكانه، ومشى في الصالة بخطوات واسعة وعصبية: * دي ممكن تكون فخ يا بسنت.
شيماء ومدحت كانوا وجهين لعملة واحدة، وممكن يكونوا بيمثلوا مسرحية جديدة عشان يوصلوا لأي تلميح عن مكان فلوسك أو تحركاتك. * بس يا حسام.. صوتها كان بجد مكسور. * المكسور ممكن يتصلح ويأذي، يا بسنت. اسمعيني، إحنا مش هنروح لها، بس هنخلي المحامي يكلمها. لو عندها معلومة حقيقية، تقولها للمحامي. مرت ثلاثة أيام كنت فيها أعيش في حالة من الترقب والحذر. لم يعد بيتنا القديم آمناً في نظري، فكنا قد انتقلنا جميعاً إلى شقة جديدة في منطقة أكثر أمناً، واحتطنا بكافة الإجراءات القانونية.
لكن في ليلة ممطرة، وبينما كنت أقف في شرفة الشقة الجديدة، لمحت ظلاً يقف بعيداً تحت ضوء عمود إنارة في الشارع المقابل. لم يكن واضحاً، لكن وقفته كانت مألوفة لي.. وقفة مدحت. انقبض قلبي، وجريت إلى داخل الشقة، أيقظت حسام الذي كان نائماً. نزل حسام ومصطفى بسرعة إلى الشارع، لكنهم لم يجدوا أحداً، فقط أعقاب سجائر مرمية في نفس المكان. مدحت لا يزال يراقبنا.. هذا لم يكن مجرد تهديد، كان ترصداً. في صباح اليوم التالي، وصلتني رسالة على هاتفي من رقم مجهول: “أنا عارف إنكِ شوفتيني امبارح.
الاتنين مليون اللي كنتِ فاكرة إنكِ حميتيهم هيطلعوا من جيبك غصباً عنك، أنا دلوقتي ماليش حاجة أخسرها، والناس اللي ليا عندهم فلوس مش هيسيبوني غير لما أصفيهم، وأنتِ وأهلك هتدفعوا تمن اللي عملتوه معايا”. لم أعد قادرة على التحمل، اتصلت بشيماء بنفسي. كان لا بد من مواجهتها، فإذا كان هو يحاول تدميرنا، فسنلعب نحن أيضاً بأوراقه. اتفقنا على اللقاء في مكان عام، وسط زحام لا يمكنه فيه أن يؤذينا.
ذهبت مع مصطفى الذي جلس على طاولة قريبة يراقب المكان بعين الصقر. رأيت شيماء تدخل الكافيه، كانت امرأة أخرى تماماً. وجهها شاحب، عيناها غائرتان، وترتدي ملابس رثة لا تشبه أناقتها المعهودة. جلست أمامي، ووضعت يدها على الطاولة، كانت ترتجف بشدة. * مدحت مابقاش بني آدم يا بسنت.. هو بقى مدمن، بيقضي وقته في أماكن مشبوهة، وبيتعامل مع ناس تجار مخدرات وسلاح.
عرفت منه في لحظة ضعف، إنه باع كل حاجة وراها عشان يسدد ديونه، ولما ما بقاش فيه فلوس، بدأ يخطط لشيء أكبر.. هو مش عايز يسرقك بس، هو عايز ينتقم. * ينتقم لإيه؟ ده هو اللي سرق عمري وثقتي! * هو مريض نفسي، بيشوف نفسه ضحية، وبيشوفك أنتِ السبب في كل فشله. هو دلوقتي بيخطط لعملية خطف.. أيوه، خطف. سمعته بيكلم حد، بيقوله “الورثة الجدد” بيتحركوا في أماكن محددة، وإنكِ “الهدف” اللي هيجيب له الملايين اللي محتاجها عشان يهرب بره البلد.
شعرت بالدم يتجمد في عروقي. الخطف؟ لم أكن أتخيل أن يصل به الأمر إلى هذا الحد. لقد تحول من رجل طماع يغلف جشعه بالحب، إلى مجرم يخطط لارتكاب جناية. * شيماء، إحنا لازم نبلغ البوليس. * البوليس؟ هو عارف تحركاتهم، هو مراقب كل مكان، ومستني اللحظة اللي يغلطوا فيها. هو مش بس خطر عليكِ، هو خطر على الكل. هو بيفكر إنه لو اختطفك، هيجبر أخواتك يبيعوا كل اللي يملكونه عشان يحرروكِ، وبعدها هيختفي.. للأبد. فجأة، انقطع حديثنا بصوت زجاج يتحطم في الخارج.
قمنا جميعاً مذعورين، كان هناك سيارة سوداء توقفت أمام الكافيه، ونزل منها ثلاثة رجال ضخام الجثة، وجوههم ملثمة، يتجهون مباشرة نحو باب الكافيه.
نظرت شيماء لي برعب: * هما دول.. دول اللي شغال معاهم! لم ننتظر لحظة. سحبتني شيماء من يدي وتوجهنا نحو المخرج الخلفي للمطعم، بينما نهض مصطفى من طاولته شاهراً سلاحه الشخصي الذي يحمله بترخيص، وبدأ بالاشتباك مع الرجل الأول الذي دخل. كانت الفوضى تعم المكان، صراخ الناس، كراسي تتطاير، وصوت مصطفى وهو ينادي: “بسنت! اهربي!”. جرينا في الأزقة الضيقة، قلبي يكاد يخرج من صدري، وأنفاسي متلاحقة. لم أكن أعرف إلى أين أذهب، شيماء كانت تقودني في شوارع لا أعرفها. * لازم نستخبى في مكان ما يتوقعوش!
الباب اتخلع من مكانه بصوت يزلزل العمارة، ودخل منه حسام ومصطفى ومعاهم اثنين من قرايبنا الشبان. أول ما مصطفى شاف إيد مدحت المرفوعة عليا وماسكني من زوري، ما استنوش كلمة. مصطفى عليه زي الأسد ، ومسكه من قم…
* لازم نستخبى في مكان ما يتوقعوش! * فين يا شيماء؟ البيت مابقاش آمن! * أعرف مخزن قديم لأبويا.. ما حدش يعرفه غيري، مدحت حتى ما يعرفش مكانه. دخلنا المخزن، كان مليئاً بالأتربة والظلام، ورائحة الرطوبة تملأ المكان. أغلقنا الباب الحديدي الثقيل، وجلسنا على الأرض، نلهث. لم أكن أصدق أنني، بسنت التي كانت تعيش حياة هادئة، أصبحت الآن مطاردة في ليلة مظلمة بسبب رجل أحببته يوماً. قالت شيماء وهي تمسح دموعها: * أنا آسفة يا بسنت.. أنا كنت جزء من الغباء ده. * مش وقته يا شيماء.. إحنا لازم نعرف إيه اللي بيحصل بره. أخرجت هاتفها، لكنه كان مغلقاً.
نظرت إلي بأسى: * البطارية خلصت. سمعت صوتاً في الخارج.. وقع أقدام ثقيلة، وصوت ضحكة خبيثة مألوفة جداً.. ضحكة مدحت. * عارف إنكم هنا.. ريحة الخوف بتطلع من الحيطان يا بسنت! اطلعي بالذوق، أحسن ما أحرق المخزن باللي فيه! تجمدت في مكاني. الرعب لم يعد شعوراً، بل أصبح واقعاً نعيشه. نظرت إلى شيماء، ثم إلى الباب الحديدي الذي بدأ يهتز بقوة تحت ضربات أقدامهم.
لم يعد هناك مهرب، ولم يعد هناك خيار سوى المواجهة الأخيرة. رجفت الشباك القديمة للمخزن مع ضربة رجل مدحت، التراب بدأ ينزل من السقف زي المطر، ورائحة الصدأ والرطوبة اختلطت بصرخات الخوف اللي كانت محبوسة في حلقي. شيماء رجعت لورا خطوتين، ضهرها لزق في حيطة الطوب الأحمر وهي بتحط إيديها على بوقها عشان تكتم شهقاتها. صوت مدحت بره كان متغير، ما بقاش فيه نبرة الخوف ولا التمثيل اللي كان بيمثله في بيتنا.
. الصوت المرادي كان فيه هوس مجنون، صوت واحد خلاص حس إنه غرقان وما بقاش باقي على حاجة: * هاه يا بسنت؟ أظن السكوت ده معناه إنكِ جوة وبتموتي في جلدك من الخوف! فاكرة لما طلعتيني من بيتك مكسور ومفضوح؟ فاكرة لما إخواتك وقفوني في الأرض زي الحرامية؟ الملايين اللي كنتِ فاكرة إنكِ حميتيهم من جيب جوزك، هتطلع دلوقتي بالدم يا بسنت!
صوت ضربة تانية هزت الباب الحديد، وأنا كنت واقفة في نص المخزن، جسمي كله بيرتعش، بس عقلي كان بيلف في ساقية. بصيت حواليا في الظلام الدامس اللي مش منور منه غير خيط ضوء خفيف جاي من فتحة التهوية العالية. المكان كان مليان صناديق خشب قديمة، وبراميل صفيح فاضية، وشوية سلاسل وحديد مصدي من أكل الزمان.
شيماء قربت مني ووشها زي الجثة، همست وصوتها بيرتعش: * بسنت.. الباب ده مش هيستحمل أكتر من ضربتين كمان.. الناس اللي بره دول ما عندهمش رحمة، دول أوباش ومدحت بايع قضية! مسكت إيدها بقوة، وبصيت في عينيها بثبات اتخلق من رحم الرعب: * مش هيمسوا مني شعرة يا شيماء.. مدحت فاكرني نفس الست اللي كانت بتسكت ودموعها على خدها، بس هو نسى إني بنت الراجل اللي كان بيهز الأرض برجليه. انزلي تحت الصناديق دي وما تفتحيش بوقك مهما حصل. * وأنتِ؟ * أنا هقف له! الباب اتخلع بفرقعة شديدة ونزل على الأرض برجة طيرت dust كثيف غطى المكان.
دخل منه مدحت.. وش شكل تاني خالص. عينيه حمرا زي الدم، وشه شاحب وذقنه خفيفة، ولابس جاكيت جينز مقطوع، وفي إيده يمين مطواة قرن غزال بتلمع تحت الشباك، وجنبه اثنين من البلطجية اللي كانوا معاه في الكافيه، أجسامهم زي الحيطان وفي إيد كل واحد فيهم شومة حديد. أول ما الرغوة والتراب قلوا، عين مدحت وقعت عليا. وقف في نص الباب، وابتسامة المريض النفسي اترسمت على شفايفه وهو بيمسح العرق من على وشه بضهر إيده: * يا أهلاً.
. العروسة مستنيانا جوة أهو! كتر خيرك يا بسنت، وفرتِ عليا التدوير والجرية في الشوارع. قفت قدامه بثبات، خطوة واحدة ما رجعتهاش لورا، حطيت إيديا في جيوب عبايتي، وبصيت له ببرود ينقط سم: * أهلاً يا مدحت.. شايفاك نزلت للحضيض أسرع مما كنت متوقع. بقى مدحت اللي كان عايز يفتح كافيه في التجمع ويقف يعمل معلم، بيمشي مع بلطجية وبيدور في مخازن مهجورة كأنه كلب شوارع؟
وشه أحمر وعينيه طلعت شرار، خطى خطوتين للقدام وهو بيرفع المطواة في وشي وبيصرخ بصوت طالع من زوره: * اقفلي بوقك يا زبالة! أنتِ اللي عملتي فيا كده! أنتِ وإخواتك اللي حرمتوني من حقي ودمرتوا مستقبلي! لو كنتِ اديتيني الاتنين مليون بالذوق، كنا زماننا عايشين ملكين، بس أنتِ اخترتِ طريق الضرب والإهانة! * حقك؟ هو أبويا كان خلفك ونسيك يا مدحت؟ الفلوس دي مال أبويا وعرق شقاه، مش عشان واحد صايع ونصاب يروح يستر بيهم ديونه ويسدد شيكاته! البلطجي اللي واقف جنبه هز الشومة في إيده وقال بصوت خشن: * اخلص يا مدحت!
هتفضل تتكلم مع الحرمة لحد ما إخواتها يجوا؟ هات الفلوس والتوقيع واخلصنا، البوليس مش بعيد! مدحت بص لي بغل وقرب أكتر، بمسافة شبرين بس بيني وبينه: * المحامي ظبط التنازل والتحويل.. هتسحبي التليفون اللي في جيبك، وهتفتحي تطبيق البنك، وهتحولي المليون و850 ألف على الحساب ده.. والورقة دي هتتفضى عليها بصمتك بالدم قبل القلم! * ولو قلت لأ يا مدحت؟ ضحك بصوت عالي، ضحكة خلت القشعريرة تسري في جسمي: * لو قلتِ لأ.. مش ه تطلعي من هنا حيّة. وإخواتك هيستلموا جثتك من غير ما يعرفوا الفلوس راحت فين، وأنا هعرف أجيب باقي الفلوس من أمك العجوزة بالطريقة اللي تعجبني!
في اللحظة دي بالظبط، سمعنا صوت صفيح بيقع في ضهر المخزن! مدحت التفت بسرعة، والبلطجية رفعوا الشوم. شيماء من كتر الخوف اتقلمت حركتها وهزت الصناديق الخشب. مدحت بص للصناديق وعينيه اتسعت: * مين اللي جوة ده؟ وقبل ما يتحرك، أنا استغليت لحظة تشتيته. مسكت عصاية حديد صديدة كانت ملقية جنبي على برميل، ورزعتها بكل قوتي في ركبة مدحت! صرخة مكتومة هزت المخزن لما مدحت وقع على ركبتيه، والمطواة طارت من إيده على الأرض. البلطجي الأول هجم عليا بالشومة، بس أنا تفاديتها وجريت ناحية الباب، وأنا بصرخ بأعلى صوتي: * يا حسااااام!
يا مصطفىىىى! وفي نفس اللحظة اللي البلطجي كان هيمسكني فيها من زوري.. ظهرت أنوار كشافات عربيات قوية جداً دخلت من باب المخزن المكسور، وعمت عينين الكل! صوت سرينات البوليس ضربت في الشارع المهجور بكثافة خلت الحيطان تهتز! ودخلت ثلاث عربيات شرطة ومعاهم عربية حسام ومصطفى اللي نزلوا يجرو زي الضباع! حسام دخل الأول ومعه حجر رزع بيه البلطجي الأول في وشه وقعه أرضاً، ومصطفى هجم على البلطجي التاني وتفادى الضرب، وثبته في الحيطة وهو بيزق فيه بكل غله. الضباط والعساكر دخلوا في ثواني، السلاح كان متوجه على الكل: * أثبت مكانك منك له!
البوليس! مدحت كان على الأرض بيمسك ركبته وبيزحف لورا كأنه صرصار مدهوس، عينيه كانت بتدور على أي مخرج بس العساكر حاصروه ورزقوا الحديد في إيديه وهو بيصرخ: * يا باشا أنا المجني عليه! دول هجموا عليا! دي مراتي وكانت بتسرقني! الضابط قرب منه وبص له بقرف، وطبطب على ظهر حسام: * التليفون كان مفتوح خط مباشر معانا يا روح أمك.. التسجيل كله من أول ما هددتها بالقتل والبصمة بالدم لحد ما اتكلمت عن أمها تسجل بالكامل على أجهزة النيابة! قرب حسام مني ومسكني من كتفي وهو بيلهث، عينيه كانت مليانة دموع رعب وخوف عليا: * أنتِ كويسة يا بسنت؟
عمل فيكِ حاجة ابن الكلب ده؟ هزيت رأسي وأنا بدمع، بس المرادي كانت دموع الفرج: * أنا كويسة يا حسام.. كويسة قوي. شيماء خرجت من تحت الصناديق وهي بتعيط وبتصرخ، العساكر مسكوها بس أنا قربت من الضابط وقلت له: * دي البنت اللي بلغت وهي اللي ساعدتني أوصل هنا يا فندم.. مالهاش ذنب في ترتيبات مدحت. الضابط بص لشيماء وبعدين لمدحت اللي كان بيتسحب على الأسفلت والعساكر بياخدوه، وشه كان أسود ومضروب، والكلبشات بتاكل في إيديه. بص لي مدحت المرادي بقلة حيلة ونكسة عمره ما شافها، وقال بصوت مكتوم ومشروخ: * بسنت.
. سامحيني.. أرجوكِ قولي لهم يرحموني! بصيت له بمنتهى الجمود والأنفة، وقلت له كلمتين بس قبل ما العسكري يزقه جوة البوكس: * الحق ما بيموتش يا مدحت.. والرشوة والطمع أخرتهم السجن والدنس. بعد ما المكان هدي والبوليس أخد مدحت والعصابة بتاعته، قعدنا أنا وإخواتي وشيماء في عربية حسام. كانت الساعة قربت على أربعة الفجر، والمطر بدأ ينزل بالراحة يغسل أسفلت الشارع.
حسام التفت ليا من الكرسي القدامي وقال بصوت هادي: * المحضر اتعمل بالشروع في القتل والإكراه والابتزاز والتزوير.. مدحت مش هيشوف الشمس أقل من عشر سنين يا بسنت. وقضيته مع أبو شيماء والشيكات هتتفتح بكرة، يعني خسر كل حاجة.. الفلوس، والحرية، والاسم. تنهدت تنهيدة طويلة خرجت من أعماق صدري، حسيت إن جبل كان جاثم على قلبي واتشال. مسكت التليفون وطلبت رقم أمي.. أول ما ردت بصوتها القلقان الدافي: * بسنت؟ يا حبيبتي أنتِ فين؟ قلقنتوني عليكم من امبارح! دمعة ناعمة نزلت على خدي، بس المرادي كانت ابتسامة أمل مالية وشي: * أنا جاية في الطريق يا أمي.
. حق أبويا رجع، ورأسك هتفضل مرفوعة طول العمر. رجعت البيت، والبيت كانت ريحته لسه بخور وسدر.. بس المرة دي ما كانش بخور عزا.. كان بخور النصر والبداية الجديدة. بس الفرحة دي ما كملتش، لأن بعد أسبوع واحد بس من حبس مدحت.. جالي جواب مسجل بعلم الوصول على عنوان الشقة الجديدة.. جواب من المحكمة بطلب غريب جداً هز كياني من جديد! “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”