اخت جوزي هتتجوز بعد شهر حماتي قالتلي تعالي شوفى الحاجات عشان نشوف حاجه ناقصه نشتريها قولت حاضر روحت وفتحنا الجهاز كله وكتبت الحاجه الناقصه وخلصت
اخت جوزي قالت انا وسلمى اخت العريس الى هنفرش الشقه بس ومش عاوزه حد تانى ردت حماتى قالت احسن كده بلاش زيطه قولت يعنى مش عاوزينى معاكم
اخت جوزى قالتلي هتدخلي
ازاي بيت اهل جوزي بلبسك ده انتي وعيالك قولتلها عيب ان الكلام دا يطلع منك انتى
ما انتي عارفه ظروف اخوكي وكمان رجله مكسوره وعامل عمليه شرايح ومسامير يعني حضرتك مش عيزانا نحضر فرحك عشان منعركيش قالت ياريت
روحت حكيت لجوزي اتصل بهدلها وقال دلوقتي بتتعرى منى ومن مراتى وعيالى طيب وانا مش هاجى فرحك
كانت الحارة كعادتها هادية في وقت العصر، بس جوا بيت حماتي كانت النيران قايدة تحت الرماد. بقالي أسبوع كامل مش بنام، رايحة جاية معاهم أفرز الملايات، والفوط، وحلل الصاج، وأكتب في كشكول صغير كل كباية ورف ناقص عشان مشوار العروسة يكمل. حماتي كانت قاعدة على الكنبة المتجددة، بتنفخ وبتشرب شاي بفرنفل، وقالتلي بصوتها المبحوح: “همتك معايا يا سلمى، البت أخت جوزك فرحها بعد شهر ومحتاجين عين صاحية تشوف الناقص قبل ما ننزل الرويعي ونكمل باقي الجهاز.”
ابتسمت وطبطبت على كتافها وقولت:
“من عينيا يا أم حسام، دا حسام جوزي أصلًا مفركش نفسه ومستلف عشان الحتة دي تكمل على خير.” وقعدت على الأرض، فتحت الكراتين كرتونة كرتونة، تسجيل كامل لكل صغيرة وكبيرة، من السجاد للملايات لحد معالق الشاي الصغيرة.
وبعد ما صوابعي اتملت تراب وكبسنا الشنط، دخلت أخت جوزي، “سمر”، ماسكة تليفونها وبتبصلي من فوق لتحت بابتسامة باهتة. قعدت على طرف السر,,ـــــير وقالت وهي بتقلّب في صوابعها: “بصي بقى يا ماما، أنا وسلسبيل أخت العريس بس اللي هننزل نفرش الشقة.. مش عاوزة هيصة وزيطة وناس رايحة وناس جاية، الشقة مودرن ومش هتاخد زنقة.”
حماتي هزت رأسها بسرعة وقالت:
“صح يا بت، أحسن كده برضه، بلاش زيطة ومياصة والناس تاكل وشنا.”
أنا اتنطرت من مكاني، بصيت لسمر بذهول وقولت: “يعني إيه يا سمر؟ يعني مش عاوزاني أكون معاكي وأساعدك؟ دا أنا اللي كاتبة الصغير قبل الكبير، وكنت شايلاكي في عينيا!”
سمر لوت بوزها وشالت عينيها بعيد، وقالت بنبرة فيها سم يقطر: “بصراحة كده يا سلمى.. هتدخلي بيت أهل جوزي إزاي بلبسك ده؟ أنتِ وعيالك بالمنظر ده؟ هتمشوا جنبي إزاي في القاعة؟”
الكلمة نزلت عليا زي المية الغلية. بصيت لهدومي السادة البسيطة، ولعيالي اللي قاعدين في الصالة بأطقمهم العادية.
أصل حسام جوزي بقاله شهرين قاعد في البيت بجبس من الورك للقدم، عامل عملية شرائح ومسامير بعد ما دراجته اتقلبت بيه في الشغل، وبنحارب عشان نجيب حق العلاج ولقمة العيش.
قربت منها وصوتي بيرجف من الزعل: “عيب.. عيب قوي الكلام ده يطلع منك يا سمر! أنتِ عارفة ظروف أخوكي كويس، عارفة إنه رجله مكسورة وعامل عملية شرائح ومسامير وبيعاني عشان يجيب قرشين جهازك.. يعني حضرتك مش عاوزانا نحضر فرحك عشان منعركيش قدام ناسك الجداد؟”
ردت ببرود يرعب: “ياريت بجد.. تبقي عملتي فيا جميلة لو ما جيتيش أنتِ وعيالك!”
خرجت من البيت وأنا مش شايفه قدامي من الدموع.
الرصف كان بيلف بيا والشارع طالع نازل. أول ما دخلت شقتنا الصغيرة، حسام كان قاعد على الكنبة، ساقطه رجله الملفوفة بالجبس الأبيض التقيل، وحاطط العكازين جنبه. أول ما شاف دموعي، اتفزع ومسك العكاز ووقف بالعافية وهو بيتأوه: “في إيه يا سلمى؟ مين زعلك؟ أمي ولا سمر؟”
حكيتله كل كلمة، بالحرف، والدموع نازلة تكوي خدي. حسام وشه اتغير، ملامحه اللي كانت دايماً هادية وجعتني من كتر الغضب. مسك التليفون وإيده بتمــ,,ـــــوت من الرعشة، اتصل بفريدة أختها وعلا صوته اللي هز جدران الشقة: “بقى أنتِ يا حتة بت تتسحبي من الشارع، دلوقتي بتتعري مني ومن مراتي وعيالي؟
عشان راجل مكسور ومش قادر أكسيكي ذهب؟ والله العظيم يا سمر، ولا أنا، ولا مراتي، ولا عيالي داخلين فرحك، وباب بيتي مقفول في وشك ليوم الدين!”
وقفل السكة في وشها وهو بينهج، ودمعة قهر نزلت من عينه على رجله المكسورة. قعدت جنبه على الأرض ومسكت إيده، كنا حاسين بالكسرة والزنقة اللي ملهاش مخرج، والبيت كان غرقان في ظلام وضيق مالوش آخر.
عدى يومين والحال واقف، حسام محبوس في جصّه وكرامته متجرحة، وأنا بحاول أجمع قرشين علاج من تحت الأرض.
وفي عز لحظات اليأس دي، ضــ,,ـــــرب التليفون برقم خالي “الحاج متولي”، الراجل الكبير اللي مسافر ومسك تجارة واسعة، وكلمته دايماً مسموعة في العيلة كلها.
رديت وأنا وبحاول أداري كسرة صوتي، لكن هو حس بيا على طول وقال بلهجة حادة ورجولية: “في إيه يا سلمى؟ صلي على النبي وقوليلي مالك.. أنا سمعت باللي حصل في بيت حماتك واللي أخت جوزك قالتهولك!”
حكيتله كل حاجة بدموعي، سكت شوية وبعدها صوت أنفاسه كان مليان غضب، وقال بنبرة هزت التليفون:
#الكاتب_رومانى_مكرم_
“اسمعيني كويس يا بنتي..
أنتِ بنت أختي وغالية عليا، وكرامتك من كرامتي!ورب العزة ما هسيب حسام جوزك ينكسر ولا أنتِ وعيالك تتهانوا عشان قرشين ولا هدوم!”
كمل الحاج متولي بصوت يقطر ثقة وأمل: “أنا جايلكم على القاهرة بكرة، واسمعي الخبر اللي يبل الريق.. حسام هيقوم من الجبس ده وشغله القديم ينساه تماماً! السجل التجاري بتاع فرع الشريكة الجديد للتوزيع يتكتب باسمه وباسمك، وهتستلموا إدارة المخازن كلها براتب تقيل وتأمين وشقة جديدة لمقامكم، عشان الكل يعرف حجمكم الحقيقي!”
وقف الحاج متولي لحظة يتنفس بغضب مكتوم قبل ما يكمل كلامه بثبات زلزل السمع:
“والله العظيم يا سلمى، الفرح اللي هما فاكرين إنهم هيتعالوا فيه عليكي وعلى عيالك وجوزك الراجل الطيب، هيكون هو اليوم اللي هيركعوا فيه ويطلبوا رضاكم! أنا مش بس هكتب لحسام الفرع الجديد، دا أنا نازل ومعايا أحسن استشاري عظام في مصر يفك الجبس ده ويتأكد إن رجله لمحت العافية قبل الفرح بإسبوعين، وأحسن محلات بدلات وفساتين في القصر العيني وفي مصر الجديدة هتنزلهتحضروا الفرح يا سلمى.. بس مش هتحضروا مقهورين، هتحضروا وهما اللي هيبصوا لكم من تحت لتحت!”
قفلت الخط مع خالي متولي وأنا مش مصدقة، إيدي كانت بترجف ودموعي بتنزل بس المرة دي كانت دموع أمل مخلط بذهول.
حسام كان قاعد بصصلي وعينيه مليانة تساؤل ووجع، قربت منه وبست إيده وراسه وقولتله: “ربك ما بينساش حد يا حسام.. حقك وحق كرامتك جاي لحد عندك.”
لما حكيتله كلام خالي، حسام غمض عينيه ونزلت منها دمعة مسحها بسرعة برجولة، وقال بصوت مخنوق:
“أنا مش فارق معايا الفلوس يا سلمى، أنا اللي كان ذابحني إن أختي من دمي استعرّت مني ومنك وأنا على العكاز، ووالدتي وقفت تتفرج وتأيدها!”
ثاني يوم الصبح، كانت حارتنا على رجل، عربية مرسيدس سوداء ضخمة وقفت تحت البيت، ونزل منها الحاج متولي بهيبته وجلابيته الصوف المقصبة. الجيران كلهم خرجوا من الشبابيك والبلكونات يتهامسوا، الراجل دخل الشقة وباس رأس حسام وقعد معاه.
وفي نفس اليوم، جاب معاه دكتور متخصص، كشف على رجل حسام وعمل أشعة جديدة وقال إن العظم التأم بشكل ممتاز، والشرائح والمسامير شغالين تمام، وتقدر الرجل تخرج من الجبس الثقيل ده وتبدأ جلسات علاج طبيعي مكثفة عشان يقف على حيله خلال أيام.
خلال أسبوعين بس، كانت المعجزة حصلت. حسام فك الجبس، وبدأ يمشي بثبات ورجله بقت تشيله بعد ما كان العكاز ملازمه. وفي نفس الوقت، الحاج متولي أخذ حسام ووثقوا أوراق الشركة والمخازن الرئيسية، واتكتب لحسام نسبة وأجر خيالي يخليه يعيش في أعلى مستوى، ونقلنا عربون شقة جديدة في حي راقي جداً عشان نعزل بعد الفرح على طول.
في الوقت ده، كان بيت حماتي مولع. سمر وأمها كانوا فاكرين إننا قاعدين في بيتنا بنبكي على أطلال الكرامة المهدورة. حماتي كانت بتبص لشقتنا من بعيد وتتحسر إن حسام مابقاش يدخل بيتها، ولا بيصرف أقرش من اللي كان بيساعدهم بيه في الجهاز. وسمر كانت متخيلة إنها خلاص خلصت مننا ومن شكلنا اللي كان بيحرجها قدام أهل العريس “الأغنياء والمتكبرين”.
قبل الفرح بأيام قليلة، خالي متولي أخذني أنا وحسام والعيال على أكبر الأتيليهات. اشتريت فستان سواريه لونه زيتي ملكي، بيفصل جسمي بأناقة وهيبة مش طبيعية، ومعاه طقم ذهب تقيل جابهولي حسام بإصرار من أول راتب استلمه من الشركة.
العيال اتكسوا ببدل صغيرة أصلية وشيك جداً، وحسام جاب بدلة كحلي مع قميص أبيض وبوت جلد طبيعي بقى طالع فيه زي الأمراء، مفيش أي أثر للكسر غير مشية هادية وواثقة تزيده هيبة.
جه يوم الفرح.. القاعة كانت في فندق كبير على النيل، سمر كانت واقفة بالصحافة والمكياج مع عريسها وأهله، وحماتي قاعدة في أول طاولة بتتباهى قدام معازيم العريس وإن ابنها “حسام” غايب عشان مريض ومش قادر ييجي.
وفجأة، الباب الرئيسي للقاعة اتفتح.
أنوار القاعة كلها خطفتنا وهي بتعكس على الدبوس الذهب بتاع بدلة حسام.
دخل حسام وهو ماشي على رجليه بثبات وقوة، ماسك إيدي في إيده، وعيالنا ماشيين قدامنا زي الملايكة بلبسهم الشيك. خالي الحاج متولي كان ماشي جنبنا بهيبته اللي تفرض الاحترام على الصغير والكبير.
السكوت حل على الطاولة اللي قاعدة عليها حماتي. سمر أول ما شافتنا، الشربات اللي كان في إيدها وقع على الفستان من الصدمة، عينيك كانت هتطلع من مكانها. حماتي وقفت على حيلها، فتحت بقها وشهقت بصوت مكتوم وهي بتبص لحسام اللي كان ماشي مش محتاج عكاز، ولا باين عليه أي أثر للانكسار، بل بالعكس، بياض وشه وهيبته والذهب اللي على رقبتي وإيدي كان مغطي على القاعة كلها.
حسام قرب من طاولة أمها، وسلّم عليها ببرود وقبل رأسها وقال بصوت ثابت وواضح سمع اللي حوليه: “مبروك يا أمي.. جيت أبارك لأختي، عشان تعرف إن أخوها ورجله مكسورة أو وهو واقف على حيله، طول عمره رأس العيلة وكرامته مرفوعة.”
سمر قربت وهي بترجف، وشها كان أصفر زي الليمونة، وبصتلي وأنا واثقة في نفسي وابتسامتي هادية، وبصت للعيال اللي كانت بتقول عليهم هيعرّوها. العريس أخذ باله من الهيبة اللي داخل بيها حسام والحاج متولي، فجري عليهم وهو بيسلم بحرارة ويقول: “أهلاً يا حسام بيه! الحاج متولي بنفسه هنا؟
دا أنت أنورت الفرح كله، سمر كانت بتقول إنك تعبان ومش هتقدر تيجي!”
حسام بص لسمر بنظرة حادة وباردة، وقال للعريس: “الحمد لله يا عريس.. ربنا شفاني ورجعلي صحتي، وعوضني عن كل حاجة كشفتلي معادن الناس.. مبروك عليا وعليك.”
حماتي حاولت تقرب وتطبطب عليا وتلطف الجو وهي بتقول بصوت مرعوش: “بسم الله ما شاء الله يا سلمى.. إيه العز ده كله؟ إيه الذهب ده يا بنتي؟ دا أنتِ منورة الفرح!”
بصيت لها بثبات وابتسمت ابتسامة صدمتها: “خير ربنا كتير يا أم حسام..
والحمد لله إن ربنا بيكشف الصادق من الخاين، والأصيل من اللي بيبص للهدوم والمنظر.”
سمر كانت واقفة في نص القاعة مش عارفة تودي وشها فين قدام أهل عريسها اللي بقوا بيتهافتوا عشان يسلموا على الحاج متولي وعلى حسام “رجل الأعمال الجديد”. كانت الكسرة والغيظ ينطقوا من عينيها، وكل ما تبص لهدومنا ولشكلنا، ت افتكر كلماتها القاسية اللي قالتها في صالتها.. وعرفت إن اللي كانت خايفة يعرّيها، بقى هو الوحيد اللي عامل لها قيمة وهيبة قدام أهل جوزها. تحت رجلك أنتِ وعيالك.
