حسيته اتهز لثواني ولكنه كان قاسي اوي لدرجة اني قالي بجفاء: ـ لو خرجتي من البيت دا مش هترجعيه تاني… وقتها الكلمة وجعتني، بس قررت ارد الوجع باني ابصله باستهزاء و أنا راسمة ابتسامة سخرية على وشي قبل ما اديله ضهري وامشي، بس وأنا ماشية كنت بحلف ستين يمين اني هخليه يبكي عليا بدل الدموع دم، و يجري ورايا بالمشوار زي ما جريت وراه زمان، فكرت و قررت وعرفت هعمل ايه كويس اوي، هي حرب بس أنا قررت أخصوضها لمجرد اني ارجع كرامتي اللي اتهانت و اداست في البيت دا، و بدأت فعلا…..
الجزء الثاني نزلت السلم بخطوات ثابتة عكس الدربكة والرعب اللي كانوا جوايا. كنت حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجلي، بس رسمت على وشي جمود وعزة نفس مكنتش أعرف إنهم عندي أصلاً. خرجت من البيت وأنا شايلة شنطي وواخدة ولادي في حضني، وسبت جواد واقف على الباب مذهول، عينيه كانت بتطاردني باستنكار مش مصدق إن “ولاء” اللي كانت بتموت في رضاه، بتديله ضهرها وبتقتله بابتسامة سخرية وتفوت وتمشي.
وصلت بيت أهلي، وأول ما أبويا فتح لي الباب وشاف الشنط ووشي المشدود، اتخض. أمي جرت عليا وحضنتني، ودا كان اللحظة اللي انهرت فيها بكا.. بكيت كأني بفرغ قهر 8 سنين كاملين، 8 سنين كنت فاكرة فيها إن التضحية المطلقة هي اللي هتبنيلي بيت وهتخلي جواد يحبني. حكيت لأبويا وأمي كل حاجة.. السنين اللي فاتت، إهانة حماتي، وقبل دا كله.. القلم اللي نزل على وشي عشان دافعت عن كرامتي.
أبويا، اللي طول عمره طيب وساكت وشايف إن جواد ابن أخوه واللوا المتقاعد دا حاجة كبيرة، وشه اتغير 180 درجة. العرق المالي في وش والدي اتنفخ، وقام وقف وقال بصوت يهز البيت: ـ يعمل كده مع بنتي؟! يمد إيده عليا عشان يداري على كلام أمه وسفالتها؟! دا أنا اللي غلطان من الأول إني جوزتك لواحد معندوش أصل ولا شايف غير نفسه! أمي كانت بتبكي وتقول: ـ حسبي الله ونعم الوكيل.. دا إحنا كنا بنقول ابن عمها وه يصونها، يطلع يسوق فيها العظمة ويعاملها كأنها جارية عنده؟!
في اللحظة دي، طفيت نار البكا اللي جوايا، ومسحت دموعي بإيدي. وقفت قدام أبويا وقلتله بنبرة حادة وصارمة أول مرة أسمعها من نفسي: ـ يا بابا، أنا مش راجعة البيت دا عشان أعيش مكسورة تاني. أنا السنين اللي فاتت كنت مغيبة، كنت فاكرة إن الحب بالذل، بس يفوق المرء بعد فوات الأقت.. والنهارده أنا فقت. جواد الراوي فاكر إنه لما يهددني بـ “لو خرجتي مش هترجعي”، إني هجثو على ركبي وأترجاه.. أنا عوزاك تقف معايا، مش عشان أطلق دلوقتي، لا.. عشان أرد كرامتي اللي اتداست.
أبويا بصلي باستغراب وقال: ـ نويا على إيه يا ولاء؟ قلتله بثبات: ـ ناوية أعلمه إن “ولاء” اللي كان فاكرها كرسي في بيته، هي اللي هتعيد تشكيل حياته كلها.. بس المرة دي بشروطها هي. عدا يومين.. وفي اليوم التالت، الباب خبط. كانت حماتي! جاية ومعاها عمي (أبو جواد). طبعاً جواد ممتنع إنه ييجي بنفسه، بعت الكبار عشان يعلموني الأدب ويرجعوني زي ما كان متعود إن خطوة واحدة منهم بتخليني أترعب وأتأسف. دخلت حماتي بقمة الكبر، وعمي دخل وهو حاطت إيده في جيبه وبيرمي السلام بتقل. قعدوا في الصالون، وأمي وأبويا قعدوا قصادهم. حماتي بصلتلي بقرف وقالت لأبويا:
ـ إيه يا حاج؟ هي البنت خلاص ما بقتش تتربى في بيتكوا ولا إيه؟ سايبها تلم هدومها وتطفش عشان كلمتين عاديين بيتقالوا في أي بيت؟ ولا هي فاكرة إنها لما تقعد هنا ابني هيجري وراها؟ أبويا كان هيقوم يطردها، بس أنا حطيت إيدي على إيده وهديته. وقفت بثبات، وبصلت لحماتي في عينيها بثبات مرعب، وقلت بصوت هادي وواثق: ـ أولاً يا طنط.. البيت اللي أخرج منه بمزاجي، برجعله بمزاجي برضه. ثانياً، ابنك اللي إنتِ شايفاه حتة ماسة ومفيش منه، ضربني.. ضرب مراته وأم ولاده عشان قيلت كلمة حق. فلو إنتِ شايفاني كرسي، فهو شافني هدف يتسلى فيه بقلة أدبه.
عمي اتنفض وقالي بغضب: ـ ولاء! اتكلمي مع أخت عمك بأسلوب أسن من كده! جواد ظابط ومتربي وميمدش إيده غير لما تكوني جننتيه! ابتسمت بسخرية وقعدت حاطة رجل على رجل قصادهم ـ حركة كانت بالنسبة لهم كفر صريح بالعرف والعيلة ـ وقلت لعمي:
ـ يا عمي اللوا.. الأسلوب الحسن دا كان زمان لما كنت بصون العيلة. إنما دلوقتي، ابنك لو متخيل إنه الظابط الكبير اللي مفيش زيه، فأن بذكرك إن معايا ليسانس حقوق.. وعارفة كويس أوي يعني إيه بلاغ في النيابة العسكرية أو مذكرة في التفتيش والمتابعة عن ظابط بيعتدي على مراته ويضربها ويتسبب لها في إهانات بتبس سمعه وسمعة شغله! عمي وشه جاب ألوان! جواد شغلانته هي كل حياته، والسبب اللي خلاه يسيب خطيبته الأولى كان الخوف على شغله ومستقبله. حماتي وقفت وصرخت:
ـ إنتِ بتهددينا يا صايعة؟! بتهددي حضرة الظابط؟! أبويا وقف وضرب بإيده على الترابيزة وقال بصوت زي الرعد: ـ اتعلمي تتكلمي مع بنتي يا أم جواد! بنتي مش صايعة.. بنتي ست أسيادكوا، واللي كنتوا شايفينها هبلة ومستسلمة كانت بتعمل كده عشان أصلها وعشان بتحب ابنكوا.. إنما لما تحطوا كرامتها في الطين، يبقى تلزموا حدودكوا! وبلاغ النيابة دا أنا اللي هقدمه بإيدي لو ابنك ما جاش هنا واعتذر لها قدام العيلة كلها! عمي اتوتر جداً، ورسم ابتسامة مزيفة وقال:
ـ صلوا على النبي يا جماعة.. الكلام مياخدناش لبعيد كده. إحنا أهل، وجواد ابننا وولاء بنتنا.. رديت عليه فوراً: ـ لا يا عمي.. أنا مش بنتكوا. أنا ولاء عبد العزيز.. واللي بيني وبين جواد مش هينتهي بالسهولة دي، بس مش هيرجع زي زمان. لو جواد عايزني أرجع، ييجي هو هنا بنفسه، ويجيب معاه شبكة جديدة وشقة باسمي تكتبوها كترضية عن القلم اللي اتضربته، ويتعهد قدام أهلي كلهم إنه ملهوش كلمة عليا تشين كرامتي. وغير كده.. ورقتي تجيلي، والمحاكم بيننا!
حماتي شهقت وقالت: ـ شقة وشبكة لمنكسرة الزعنفة دي؟! دا بعينك! ابني مش هييجي ولا هيعبرك!