“البيوت بتتخرب لما الراجل ميبقاش راجل في بيته يا حاج.. هناء بنتنا مش هترجع للشقة دي طول ما أمه وأخته في البيت الأرضي، وطول ما هو بيسافر ويسيبها ليهم ينهشوا في لحمها.”
هنا، تكلم أحمد بصوت مخنوق بالدموع، وقال كلاماً زلزل الحاضرين، وأثبت أن الضغط القانوني وكسرة العين غيرت كل حساباته.. وبدأ يكشف عن المفاجأة التي ستقلب الطاولة على أمه وأخته! حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء الرابع تنحنح أحمد، ورفع عينه المكسورة لأول مرة في القعدة، وبص لأبويا وعمي وقال بصوت مخنوق بالحسرة: * “أنا مش هسيب بيتي يتخرب، ومش هخسر مراتي وابني عشان خاطر حد تاني حتى لو كانوا أهلي.. أنا روحت للشهر العقاري الصبح، وكتبت الشقة اللي فوق، شقة الزوجية بكل اللي فيها، بيع وشراء باسم هناء وباسم ابني سيف، والطلب مسجل رسمي وجاهز للتسليم.”
نزلت الكلمة على أعمامه وعلى كبار القعدة زي المفاجأة. أحمد كمل وكلامه بيطلع بصعوبة وكأنه بيقطع من لحمه:
* “ومش بس كدة.. أنا قدمت على نقل من فرع شركة المقاولات في القاهرة لفرع المحافظة هنا، وهتنازل عن السفر والغربة، وهقعد هنا عشان أكون ضهر لمراتي وابني، ومحدش من أهلي، لا أمي ولا أختي، هيدخلوا الشقة دي تاني طول ما أنا عايش، والباب اللي يجيلنا منه الريح هسده وأستريح.”
أعمامه بصوا له بذهول، وعمي الكبير سكت للحظات وهو بيدرس ملامح أحمد عشان يتأكد إذا كان بيقول الكلام دة من ورا قلبه ولا مجرد تمثيلية عشان يهرب من حبل المشنقة والقضايا اللي هتحبسه وتضيع مستقبله.
أبويا بص لأحمد وقال بنبرة هادية بس قوية:
* “الكلام دة كبير يا أحمد.. أنت قادر على تمنه؟ قادر تقف قدام أمك وأختك لما يعرفوا إنك كتبت الشقة لـ هناء وإنك قطعت علاقتك بيهم عشان تصون بيتك؟”
أحمد مسح دموعه وقال:
* “أنا شوفت الموت بعيني الكام يوم اللي فاتوا يا حاج.. أختي وجوزها اضربوا واتبهدلوا والمنطقة كلها شمتت فينا، وأمي ليل نهار بتلطم وتدعي عليا وتلومني، وفي الآخر المحامين قالوا لي إن مستقبلي ضاع والشقة هتروح تمكين وأنا هتحبس. مفيش حد شال همي ولا فكر فيا.. هناء هي الوحيدة اللي صانتني خمس سنين واستحملت غيابي، وأنا اللي رخصتها. أنا شاريها وشاري ابني، والورق أهوه.” طلع أحمد من جيبه عقد البيع المسجل وعقد التنازل، وحطهم على الترابيزة قدام أبويا وعمي.
عمي الكبير بص لأخويا محمود وقال: * “نادي على أختك هناء يا محمود.. اسمعوا يا جماعة، إحنا في عيلتنا مبنحكمش على حريمنا من ورا ظهرهم، ومبنجبرش بنتنا على عيشة هي مش عاوزاها.. الرأي رأيها، والشورى شورتها.”
دخلت المندرة وأنا لابس عبايتي السودا، ووشي كان لسه فيه أثار خفيفة من الكدمات الزرقا، وماسكة إيد سيف ابني اللي كان بيبص لأبوه بخوف واستغراب. أحمد أول ما شافني، وقف من مكانه، وكان عاوز يقرب يمسك إيدي بس نظرة أخويا محمود وقفته مكانه.
أبويا بصلي وقال:
* “يا هناء.. جوزك جه وندمان، وحط شقته وكل ما يملك تحت رجليكي باسمك وباسم ابنك، وتعهد إنه هيسيب الغربة ويقعد هنا يحميكي، ومحدش من أهله هيعتب عتبة بيتك.. الرأي رأيك يا بنتي، لو عاوزة تطلقي وحقك يجيلك لحد عندك إحنا معاكي، ولو عاوزة تديله فرصة أخيرة عشان خاطر ابنك والورق اللي في إيدينا دة يضمن حقك، برضه إحنا معاكي.” بصيت لأحمد.. شوفت في عينه الكسرة والندم اللي كنت بتمناهم، بس الوجع اللي في قلبي مكنش سهل يتدواى في كلمة. بصيت لأبويا وقولت بصوت ثابت:
* “أنا موافقة أرجع يا أبويا.. بس بشرط واحد ملوش تاني.”
أحمد لهف في الكلام وقال بسرعة:
* “شرط إيه يا هناء؟ أنا موافق على أي حاجة تطلبيها!”
قولت له وعيني في عينه:
* “الشقة تتأثث من أول وجديد بمدخل خاص ملوش دعوة ببيت أهلك.. أنا مش هعيش في بيت حماتي ولا همر من قدام بابهم تاني. هتعملي سلم خارجي خاص بشقتنا، والباب القديم اللي بيفتح على سلم العمارة الداخلي يتسد بالطوب والأسمنت.. تعزلني عنهم تماماً، وكأننا عايشين في بلاد تانية.”
تنفس أحمد الصعداء وقال:
* “موافق.. من بكرة هجيب البنا والعمال، وهعمل السلم الخارجي وهقفل الباب اللي جوه.. تلات أسابيع بالظبط والبيت يكون جاهز زي ما طلبتي.”
اتفقنا على كدة، وأهلي صمموا إن القضايا متتنازلش عنها بشكل نهائي غير لما السلم يتبني والباب يتسد بالكامل وأستلم عقود الشقة بشكل قانوني ملوش رجعة. تاني يوم الصبح، نزل أحمد منطقتهم وجاب العمال والأسمنت والحديد، وبدأوا يهدوا في الواجهة عشان يعملوا السلم الخارجي لشقتنا في الدور الثاني. الخبر نزل على حماتي وأخته شيماء زي الصاعقة.. خرجت حماتي من الشقة الأرضي تصرخ وتلطم لما لقت البنايين شغالين، ووقفت قدام أحمد وقالت له بصوت عالي سمعه الشارع:
* “أنت بتعمل إيه يا وكسة؟ بتسد باب شقتك وبتعمل سلم لوحدك عشان الست هانم؟ بتعزل نفسك عن أمك وأختك عشان خاطر واحدة غريبة؟”
أحمد بص لأمه بجمود وقالها الكلمة اللي قطعت آمالهم كلها:
* “الشقة مابقتش شقتي يا أمي.. الشقة بقت ملك هناء وسيف، وأنا بعمل كدة عشان أحمي بيتي منكم، زي ما أنتم محترمتوش غيبتي وبهدلتوا مراتي.. من هنا ورايح، كل واحد يخليه في حاله.”
شيماء أخته طلعت البلكونة وهي لسه مجبسة إيدها من علقة إخواتي، وبدأت تصوت وتدعي، بس الجيران كلهم كانوا بيبصوا عليهم بشماتة ومحدش وقف معاهم، لأن الكل كان عارف إنهم هما اللي بدأوا بالظلم والافترا.
مرت الأيام، والسلم الخارجي خلص، وباب الشقة الداخلي اتقفل بالخرسانة والطوب، وبقت شقتي معزولة تماماً وكأنها بيت مستقل بذاته. وأحمد نفذ وعده ونقل شغله للمحافظة وبقى يرجع كل يوم بعد الظهر لبيته وابنه.
وفي اليوم اللي كنت بلم فيه هدومي من بيت أهلي عشان أرجع شقتي معززة مكرمة، وأنا واقفة مع أمي بجهز الشنط، الباب خبط.. فتحت أمي، ولقت واحدة ست غريبة واقفة على الباب، وشها باين عليه القلق، وقالت بنبرة مرعوبة: * “أنا جاية من طرف “تامر” جوز شيماء.. ألحقوا يا جماعة، تامر طلق شيماء ورمى هدومها في الشارع، وأحمد جوز هناء اتقبض عليه في الشارع من شوية والشرطة واخدينه على قسم تاني خالص في ق*ضية قديمة ملهاش علاقة بيكم!”
وقعت الشنطة من إيدي، وحسيت إن البركان لسه مخلصش، وإن الأيام مخبية لينا مفاجأة تانية خالص مكنتش على البال..