مسحت دموعها وقولت لها بوجع: “المسامح ربنا يا حمايا.. بس ربنا ميرضاش بالظلم، واللي حصل ده حماية ليكي وليا وللعيال. الورق اللي قولتِ إنه معاكي تحت.. ده بجد؟” حماتي هزت راسها وطلعت من جيب جلابيتها مفتاح صغير: “آه يا بنتي بجد. أحمد الله يرحمه قبل ما يموت، كان حاسس إن سيف عينه مش شبعانة، فجابني وكتب البيت كله بيع وشراء لعياله، وشال الورق الأصلي والشهر العقاري معايا أنا، وقالي متطلعيهوش إلا لو سيف فكر يظلمهم. وأنا لما لقيت سيف اتمادى وجاب الست دي، كنت هجيبلك الورق الصبح ونرفع القضية.. بس هما استعجلوا على خراب عِشهم.”
الليل عدا، والصبح طلع.. بس مكنش صبح عادي. كان صبح بنكهة النصر والراحة. المحامي بتاعي اتصل بيا وقالي إن موقفنا القانوني “حديد”، التسجيلات والفيديو مع شهادة حماتي تثبت جناية الشروع في السرقة بالإكراه والتعدي، وفريدة وسيف اتقبض عليهم وأمرت النيابة بحبسهم 4 أيام على ذمة التحقيق. المنطقة كلها بقت بتتكلم عن شجاعة “هناء” اللي وقفت ليهم بإيد الهون، وعن عدالة ربنا اللي ظهرت في وقتها. شقة سيف اللي تحت، اللي كانوا بيجهزوها بالفلوس الحرام، اتقفلت، وبقت ضلمة وكئيبة، زي قلوبهم بالظبط.
بعد يومين من الواقعة، كنت قاعدة في الصالة مع ولادي، وحماتي قاعدة معانا بتلاعبهم ودموعها في عينيها. الباب خبط، قمت فتحت، لقيت المحامي بتاعي واقف ومبتسم، وفي إيده ملف كبير. بصيت له بلهفة: “خير يا أستاذ؟ في جديد في النيابة؟” المحامي ابتسم وقالي: “الجديد هيقلب الموازين كلها يا مدام هناء.. فريدة وسيف في النيابة اعترفوا على حاجات تانية، وفي سر خطير طلع في التحقيقات هيغير مصير البيت ده ومصيرك إنتي وولادك للأبد!” ## الجزء السابع والأخير: نهاية الظالم ونبتة الحق
دخل المحامي الصالة وعلامات الانتصار مرسومة على وشه بشكل ميتوصفش. حماتي قامت وقفت وهي بتترعش، وأنا قلبي رجع يدق تاني بس المرة دي دقات ترقب وشغف عشان أعرف إيه السر اللي ممكن يقلب موازين حكايتنا بعد كل اللي حصل. قعد المحامي، فتح الملف الكبير اللي في إيده، وبصلي وبص لحماتي وقال:
“فريدة وسيف في النيابة كانوا زي الفراخ المذعورة، كل واحد فيهم عايز ينجد رقبته على حساب التاني. فريدة لما لقت حبل السجن بيلف حوالين رقبتها في قضية السرقة والتهجم، فجرت مفاجأة مكنتش خطرا على بال حد.. قدمت للنيابة إيصالات أمانة وعقود ومستندات تثبت إن سيف مخدش منها فلوس عشان يجهز الشقة زي ما كان بيتدعي!” قطعت كلامه بذهول: “يعني إيه يا أستاذ؟ أمال الفلوس الكتير والدهب والشاشات والأجهزة اللي كان سيف بيشتريها ويجهز بيها شقته اللي تحت دي جت منين؟”
المحامي ابتسم نص ابتسامة مليانة مرار وقال: “هنا بقى السر اللي يوجع ويفرح في نفس الوقت. فريدة اعترفت إن سيف من سنة كاملة، يعني من قبل وفاة أخوه المرحوم أحمد بكام شهر، كان حاطط إيده على حساب بنكي وتجارة تخص أحمد الله يرحمه في بورسعيد.. أحمد كان مأمن سيف على توكيل عام لإدارة الشغل هناك ومحدش منكم كان يعرف عنه حاجة. سيف بعد وفاة أحمد، بدل ما يتقي الله في الفلوس دي ويسلمها لورثة أخوه، جمد الحساب ونقل الأصول باسمه، والفلوس اللي كان بيجهز بيها الشقة دي كانت شقا عمر جوزك يا مدام هناء! كانت حق ولادك الأيتام!”
حماتي لطمت على صدرها وصرخت بدموع حارقة: “يا مصيبتي السودا في ابني! سرق مال أخوه وهو في قاع قبره؟ سرق اليتامى وعامل فيها صاحب مال وعز؟” أنا حسيت إن دموعي بتنزل لوحدها، بس المرة دي مكنتش دموع قهر، كانت دموع دهشة من عدالة ربنا سبحانه وتعالى. ربنا مبيسبش، وعمى قلب سيف وجشعه هما اللي قادوه لحد باب شقتي عشان يتفضح، وتطلع سرقته القديمة اللي مكنش حد هيعرفها أبداً لولا المحضر والتحقيق! المحامي كمل وهو بيسلمني الملف:
“النيابة تحفظت على كل أملاك سيف، والحسابات دي كلها هترجع بالمليم ليكي ولولادك بحكم القانون وبقوة مستندات بورسعيد اللي فريدة أرشدت عنها عشان تنتقم منه. ده غير إن عقد فريدة المزور اللي كانت بتهددكم بيه اتفرم في النيابة وبقى حبر على ورق، وهما الاتنين دلوقتي لابسين قضية سرقة بالإكراه، وشروع في سرقة مستندات، وتزوير، وتبديد أموال قصر.. يعني حكم بالسجن المشدد مش هيقل عن 5 لـ 7 سنين.”
مرت الشهور بسرعة، وكأنها بتغسل كل الوجع اللي عيشناه. المحكمة أصدرت حكمها العادل بسجن سيف وفريدة، وبقت شقتهم اللي تحت تحت الحراسة لحد ما تتضم رسمي لأملاك ولادي. سيف نال جزاء جشعه، وضيع سمعته وشرفه، ولبس البدلة الزرقا عشان يعرف إن مال اليتيم بياكل صاحبه. فريدة رجعت للمكان اللي تستاهله ورا القضبان، بعد ما افتكرت إن بفلوسها وبجاحتها تقدر تشتري بيوت الناس وتطرد أصحابها. أما في بيتنا.. فالهدوء والسكينة رجعوا من تاني، بس المرة دي كان هدوء حقيقي مليان بركة.
في يوم العصر، كنت قاعدة في البلكونة الكبيرة، الشمس كانت دافية، وصوت ضحك ولادي “أحمد الصغير” وأخته مالي الصالة جوه وهما بيلعبوا حوالين جدتهم. حماتي اللي اتغيرت حالها 180 درجة، وبقت متفارقش شقتي، وبتعوض الولاد عن كل لحظة قسوة شفوها. دخلت عليا البلكونة وهي شايلة صينية الشاي، حطتها وبصتلي وابتسمت ابتسامة صافية وقالت: “عارفة يا هناء يا بنتي.. البيت ده طول عمره كان عالي بحسه، بس النهاردة حاسة إن جدرانه منورة، لإن الباطل اتمحى منه، والأساس اللي بناه أحمد الله يرحمه رجع لأصحابه.”
مسكت إيدها وقولت لها برضا: “الحمد لله يا حمايا.. الضربة اللي متموتش بتقوي، وإيد الهون اللي دافعت بيها عن بيتي، علمتني إن الست لما تملك الحق، متهابش لا جن ولا شيطان. ربنا سترها معانا لإننا منويناش الأذى لحد، وكل واحد في الآخر حصد اللي زرعه.” بصيت للسماء وأنا بـتنفس براحة وبقول في سري: “نام ارتاح يا أحمد.. ولادك بقوا في أمان، وبيتهم هيفضل مفتوح ومرفوع الراس.. لآخر العمر.”