فتحت الباب ودخلت عليهم الصالة بمنتهى الثقة، الابتسامة كانت مالية وشي لدرجة إن حماتي سكتت فجأة ونجوى ارتبكت. بصيت لسيد اللي كان قاعد وعينه في الأرض، وبصيت لحماتي وقلت لها بنبرة هادية ومسموعة: “تصدقي يا ماما؟ عندك حق، الباب فعلاً يفوت جمل.. بس الجمل اللي هيخرج من الباب ده، مش هيكون أنا”. سيد رفع عينه وبصلي بخوف: “في إيه يا رشا؟ وأنتي بتتكلمي كدة ليه؟”
قعدت على الكرسي وحطيت رجل على رجل وقلت: “أبدًا يا حبيبي، أصل ماما كانت بتقول إنها هتجيب موظف السجل المدني بكرا عشان يغير محل إقامة نجوى هنا.. وأنا حبيت أفر وفرة المشوار والتعب، وكلمت لكم الموظف بنفسي، بس مش بتاع السجل المدني.. أنا كلمت صاحب الشقة الأصلي، والنائب العام!” حماتي اتنفضت من مكانها وصوتها علي: “أنتي بتهددينا في بيت ابني يا حرباية؟ وريني كدة هتعملي إيه؟ أعلى ما في خيلك اركبيه، الشقة دي ابني دافع دم قلبه فيها!”
رديت عليها بروقان صيدلانية بتوزع دوا بالملي: “ابنك دافع النص، وأنا دافعة النص التاني.. والعقد مناصفة وشروطه واضحة. وبما إن البيت اتقلب لوكاندة بدون ترخيص، وبقى فيه ناس غُرب بتدخل وتخرج، فأنا الصبح عملت محضر إثبات حالة في القسم بوجود أشخاص غير مقيمين في العين، وبكرا الصبح هتيجي لجنة تفتيش ومعاهم قوة لتنفيذ إخلاء للناس اللي ملهاش صفة قانونية في الشقة.. وطبعاً يا نجوى، لو اسمك طلع في المحضر، وأنتي موظفة حكومية، هتبقى مشكلة كبيرة في ملفك الإداري”.
نجوى وشها اتقلب أصفر زي الليمونة، وبصت لأمها وهي بترتعش: “محضر وقوة يا ماما؟ أنا مستقبلي هيضيع! أنا ماليش دعوة، أنا لمة شنطي وماشية الصبح”. حماتي اتجننت وزعقت في سيد: “اقف لمرأتك يا راجل! سايبها بتهدد أختك وأمك؟” سيد وقف وهو متلخبط وزعق: “رشا! أنتي اتجننتي؟ عايزة تعملي لأمي وأختي محضر في القسم؟”
بصيت لسيد بكل برود وقلت له: “المحضر اتعمل خلاص يا سيد، والقوة هتيجي بكرا الساعة 10 الصبح.. قدامكم بالظبط 12 ساعة.. يا إما البيت ده يرجع شقتي أنا وأنت بس، ونقفل الباب علينا ونعيش بني آدمين، يا إما القوة هتيجي وتخرج الكل، وأنا هرفع قضية فض شراكة وبيع الشقة في المزاد العلني، وكل واحد ياخد حقه.. وساعتها وريني يا سيد هتقعد والدتك وأختك فين بالفلوس اللي هتطلعلك بعد مصاريف المحاكم!”
سيد صدمته كانت أكبر من إنه يرد، الكلام نزل عليه زي الصاعقة لأنه عارف إني مبهزرش وإني معايا ورق الشقة كله. حماتي بدأت تصوت وتلطم على وشها وتدعي عليا: “يا خراب بيتك يا سيد! متجوز أفعى.. متجوز واحدة هترميك في الشارع وتطرد أمك!” سيبتهم في الصالة شاعلة نــ,,ـــــار، ودخلت أوضتي وقفتلت بالمفتاح. طول الليل كنت سامعة صوت الزعيق، العياط، والشتيمة.. وسيد وهو بيحايل أمه وأخته عشان يمشوا قبل الصبح وقبل ما الفضيحة تبان في المنطقة الجديدة اللي لسة محدش يعرفهم فيها.
على الساعة 7 الصبح، سمعت صوت قفل الباب الخارجي وهو بيترزع جامد. قمت من سر,,ـــــيري، فتحت باب الأوضة وخرجت الصالة. الصالة كانت فاضية تماماً.. الكراكيب اختفت، الشنط مشيت، ومبقاش في الشقة غير سيد.. قاعد على الكنبة، حاطط راسه بين إيديه، ودموعه نازلة من القهر والكسرة. قربت منه ووقفت قدامه، بس مكنش فيه في قلبي أي شفقة، لأن اللي بيفرط في حق مراته وشقاها عشان “يرضي” جبروت أهله، ميكتبش لنفسه الأمان. سيد رفع رأسه وبصلي بعيون حمرا وقال بصوت مخنوق: “ارتحتي؟ مشيوا.. أمي وأختي مشيوا وهما غضبانين عليا وبيقولوا لي مأنتش ابننا.. أنتي دمرتي عيلتي يا رشا”.
ابتسمت وقبل ما أنطق بنص كلمة، تليفوني رن برقم غريب.. فتحت الخط وجالي صوت مرعوب من الناحية التانية، الصوت ده مكنش صوت حماتي ولا نجوى.. ده كان صوت حد تاني خالص، والمكالمة دي كانت بداية الكا.رثة الحقيقية اللي مكنتش عاملة حسابها! تابعو صفحه رومانى مكرم جمدت في مكاني، والصوت اللي جاي من التليفون كان بينهج وبيتكلم بسرعة ورعب: “دكتورة رشا؟ أنتي دكتورة رشا صاحبة الصيدلية؟” قلت وقلقي بيزيد: “أيوا أنا.. مين معايا؟”
جاءني الرد اللي وقع قلبي في رجلي: “أنا الحارس بتاع العمارة اللي فيها صيدليتك.. الحق يا دكتورة، الصيدلية بتولع! النــ,,ـــــار مسكت فيها من كل ناحية، والمطافي لسة واصلة حالا!” التليفون وقع من إيدي على الأرض. بصيت لسيد اللي كان قاعد باصصلي بذهول، مكنتش شايفة قدامي، شقا عمري التاني، ومصدـ,,ـــر رزقي الوحيد اللي بطلع منه قسط الشقة وبصرف منه على نفسي، بيتحــ,,ـــــرق؟
جريت على برا زي المجنونة، وسيد حصلني وهو مش فاهم في إيه. وصلنا المنطقة بعد نص ساعة كانت أطول من سنين عمري. المشهد كان كابوس.. عربيات المطافي، الدخان الأسود اللي مالي السما، والناس ملمومة. صيدليتي اللي تعبت فيها وشقيت عشان أكبر اسمها، بقت كوم تراب وفحم، والواجهة الإعلانية محروقة بالكامل. وقفت في وسط الشارع أصرخ بهستيريا، وسيد بيحاول يمسكني وهو مصدوم. وسط الزحمة والدوشة، لمحته.. الراجل اللي كان بايت عندنا في الصالة قبل يومين، قرايب حماتي! كان واقف بعيد، باصص على الحــ,,ـــــريقة وفي عينه نظرة تشفي وشما.تة، وأول ما عيني جت في عينه، لف ضهره واختفى وسط الناس بسرعة.
في اللحظة دي، عقلي ربط كل حاجة ببعضها.. دي مش دــ,,ـــــادثة ماس كهربائي.. دي قرصة ودن، وانتقام غشيم من حماتي وبنتها عشان طردتهم من الشقة! هما حــ,,ـــــرقوا قلبي على شقايا، وحــ,,ـــــرقوا الصيدلية عشان يكسروا مناخيري ويلووا دراعي، وميبقاش حيلتي مليم أسدد بيه قسط الشقة، فالعقد يتفسخ وأترمي في الشارع! رجعت الشقة مع سيد وأنا جــ,,ـــــثه هامدة، مبنطقش ولا كلمة، بس دموعي مش بتوقف. سيد كان مرعوب من سكاتي، وقاعد جنبي بيحاول يهديني ويقولي: “فداكي يا رشا.. المهم أنتي.. الفلوس هتعوض”.
بصيت له بعيون مليانة شرار وقلت له بصوت فحيح الأفاعي: “أهلك حــ,,ـــــرقوا شقا عمري يا سيد.. أهلك دمروني”. حلف مية يمين إنهم مستحيل يعملوا كدة، وإنها مجرد صدفه أو ماس كهربائي. مردتش عليه. قمت دخلت الأوضة، وطلعت خط تليفون قديم مكنش حد يعرفه، وكلمت زميلي الصيدلي ابن المستشار القانوني. حكيت له اللي حصل وصوتي بيرتعش من الغل: “يا أحمد، صيدليتي اتقيدت ضد مجهول، بس أنا عارفة مين اللي حــ,,ـــــرقها.. أنا عايزة حقي، وعايزة أدمرهم زي ما دمروني، بس المرة دي مش بالقانون وبس.. المرة دي باللي يوجعهم في شرفهم وفلوسهم!”
أحمد سكت شوية وبعدين قالي بنبرة تخوف: “لو عايزة اللعب على الثقيل يا رشا.. أنتي معاكي مفتاح السر ومحدش يعرفه غيرك.. فكرة “بيت العيلة الكبير” اللي حماتك كانت بتخطط له؟ إحنا هنقلبه عليها، بس بطريقتنا.. اسمعي هتعملي إيه بالظبط”. قعدت اسمع خطة أحمد، وابتسامة غريبة بدأت تترسم على وشي وسط الدموع.. خطة مش بس هترجعلي حقي، دي هتخلي حماتي ونجوى وكل عيلتهم يركعوا تحت رجلي ويطلبوا السماح، وهتخلي سيد يشوف أهله على حقيقتهم البشعة.
الصبح طلع، ولميت كل دهبي اللي فاضل، وورق الشقة، وخرجت من البيت وسيد نايم. رحت على بيت حماتي القديم في منطقتهم الشعبية.. وقفت قدام الباب، وأخدت نفس عميق، وخبطت بكل قوتي. فتحت لي نجوى وهي مبتسمة ابتسامة نصر، ومن وراها ظهرت حماتي وهي بتقول بملء بقها: “أهلاً يا دكتورة.. يا ترى جاية تسلمي الشقة، ولا جاية تشحتي تمن القسط بعد ما صيدليتك بقت رماد؟”
بصيت لهم وبمنتهى الجبروت والثبات، طلعت من شنطتي ورقة صغيرة، وعرضتها قدام عيونهم وقلت: “أنا مش جاية عشان الشقة.. أنا جاية عشان الورقة دي، اللي لو راحت النيابة الصبح.. مش بس نجوى هتترفد من شغلها.. دي العيلة كلها هتبات في السجــ,,ـــــن بتهمة التز.وير والجنا.ية!” للمذيد من القثث الكامله تابعو صفحه رومانى مكرم ملامح حماتي ونجوى اتمسحت في ثانية، والضحكة الصفرا اللي كانت على وشوشهم اتقلبت لذهول ورعب. نجوى قربت وعينها هربانة في الورقة، وقالت بصوت مرعوب: “ورقة إيه دي يا حرباية أنتي؟ أنتي جاية تتبلي علينا؟”
بصيت لها بمنتهى البرود والثقة وقلت: “تَبلي؟ لا عاش ولا كان اللي يتبلى على أسياد الجبروت.. دي يا حبيبتي صورة من التقرير الفني المبدئي للمطافي اللي طلع من ساعة بس، ومعاه تفريغ كاميرا المحل اللي في الوش.. الكاميرا جابت قريبكم “صبري” اللي كان بايت في صالتنا وهو بيرمي جركن البنزين من تحت عقب الباب، وجابت تليفونك وأنتي بتكلميه قبل الحــ,,ـــــريقة بـ 10 دقايق.. بس المفاجأة الكبيرة مش هنا.. المفاجأة في الورقة التانية دي!”
طلعت ورقة تانية من شنطتي وتابعت: “دي بقى شهادات الاستثمار والمبالغ اللي أنتي وحماتي شغالين فيها في ‘الجمعيات المشبوهة’ وتشغيل الفلوس من ورا الدولة، والورق ده كله مأصل وممضي ببصمة إيدك يا نجوى.. يعني حــ,,ـــــريقة الصيدلية دي جناية وتخريب عمدي، ومعاها قضية أموال عامة محترمة.. تحبوا نتقابل في المحكمة ولا في السجــ,,ـــــن؟” حماتي رجلها مكنتش شايلاها، ساندت على حيطة السلم وصوتها طلع مخنوق ومكسور: “أنتي عايزة إيه يا رشا؟ عايزة تخربي بيت بنتي وتضيعي مستقبلي؟”
وقفت وربعت إيدي وقلت بجبروت هز البيت كله: “أنا شقايا مش هيروح في الأرض.. تمن الصيدلية اللي اتحــ,,ـــــرقت، والبضاعة اللي ضاعت، هيتدفعلي كاش، وحالا.. بالإضافة لتنازل رسمي وموثق من سيد ومنكم عن أي حق في شقة أكتوبر.. الشقة تتكتب باسمي أنا لوحدي، تمن حــ,,ـــــرقة قلبي وخوف الخيا.نة اللي عيشتوني فيه.. قدامكم ساعتين زمن، لو الفلوس والتنازل مجهزوهاش، المحضر هيتحرك، والبوليس هيكون هنا!”
سيبتهم واقفين على السلم زي الفراخ المبلولة، ونزلت وأنا حاسة إن روحي بترجعلي. في نفس اليوم العصر، كان سيد وحماتي ونجوى واقفين في الشهر العقاري ودموعهم في عينيهم.. حماتي باعت دهبها وكل اللي حيلتها هي وبنتها عشان يجمعوا تمن خسائر الصيدلية، وسيد مضى على التنازل التام عن الشقة وهو مش قادر يبص في عيني من الخزي والعار بعد ما شاف بعينه غدر أهله وخرابهم.
بعد ما استلمت ورقي وفلوسي، بصيت لسيد وقلت له بكلمتين أنهوا كل حاجة: “أنا حاميتك من أهلك، بس أنت محمتنيش منهم.. الشقة دي طلعت فيها عيني، والنهاردة بقت ملكي لوحدي.. وأنت مالكش مكان فيها.. ورقتك هتوصلك على بيت والدتك ‘الكبير’ اللي كنت خايف تكسر بخاطرها فيه”. سبته ومشيت.. سبت ورايا المولد، والزيطة، والناس اللي فاكرة إن الطيبة ضعف. رجعت شقتي في أكتوبر، قفلت الباب عليا بالمفتاح، ولأول مرة من شهور.. نمت في هدوء ونفسي مرتاحة.
**الحكمة من القصة:** إن البيوت لا تُبنى على حساب كرامة وشقاء أصحابها، وأن “صلة الرحم” وبر الوالدين لا يعني أبدًا قبول الجبروت، أو ظلــ,,ـــــم شريك الحياة، أو التفريط في حقوق الناس. الطيبة والصبر صفات نبيلة، لكن إذا لم تكن مدعومة بالقوة والوعي والقدرة على أخذ الحق، تحولت إلى ضعف مستباح يجعل من صاحبه ضحية سهلة لطمع الطامعين. في النهاية.. من لا يستطيع حماية بيته وشريكه من أقرب الناس إليه، لا يستحق أن يكون صاحب بيت.
