مكسور فعلًا.
قال بصوت مرتعش: ـ ليه ماقولتيليش؟
ضحكت ضحـ . ـكة صغيرة مليانة مرارة.
ـ قولتلك.
نزل عينيه فورًا.
كأن الكلمة خنقته.
زوجته بصت له بصدمة أكبر: ـ يعني… الطفل ده فعلًا ابنك؟
سكت.
وسكوته كان كفاية.
المرأة بعدت عنه خطوة ببطء وكأنها شايفة شخص غريب.
همست: ـ إنت قولتلي إنك مستحيل تخلف.
رفع رأسه ناحيتها بسرعة.
ـ نور… اسـ . ـمعيني.
لكنها كانت خلاص فاهمة.
فاهمة إن الراجل اللي اتجوزته بنى حياته كلها فوق كـ . ـذبة.
بصتلي بعينين مليانين صدمة وشفقة.
ثم همست: ـ إنتِ ربيتيه لوحدك؟
هزيت رأسي بهدوء.
ولأول مرة… عينيها دمعت.
بصت لأدهم بقهر: ـ سيبتها لوحدها؟
أدهم ما ردش.
كان مركز معايا أنا.
وكأنه خايف ألفي واختفي تاني.
قال بخفوت: ـ أنا لازم أتكلم معاكي.
قلت فورًا: ـ مفيش بينا كلام.
ومشيت.
لكنني كنت حاسة بنظراته على ضهري طول الطريق.
في اليوم ده… ماقدرتش أتنفس طبيعي.
رجعت البيت وآدم يحكي بحماس عن المدرسة الجديدة وأنا بالكاد سامعاه.
كل حاجة اتلخبطت.
الماضي اللي دفـ . ـنته بإيدي رجع وقف قدامي بلحم ودم.
وفي الليل…
بعدما آدم نام… جلست وحدي في المطبخ الصغير.
أشرب شاي بارد وأحاول أفهم ليه قلبي لسه بيوجـ . ـع.
كنت مفروض أكـ . ـرهه.
يمكن فعلًا بكـ . ـرهه.
لكن الكراهـ . ـية بعد الحب بتبقى مرهقة.
وفجأة… جرس الباب رن.
قلبي وقف.
قمت ببطء وفتحت.
وكان هو.
أدهم.
واقف برا الباب بدون بدلته الأنيقة.
لابس قميص أسود بسيط وكأنه خرج مستعجل.
وعينيه… عمرها ما كانت بالشـ . ـكل ده.
فيها ذنـ . ـب يخـ . ـوف.
أول ما شافني قال بسرعة: ـ بس خمس دقايق.
سكتّ ثواني طويلة.
ثم فتحت الباب بدون كلام.
دخل ببطء وبص حوالين الشقة الصغيرة.
الألعاب في الأرض.
غسيل الأطفال على الكرسي.
رسومـ . ـات آدم على الحيط.
الحياة اللي بناها طفل بدون أب.
أدهم مرر عينه على كل تفصيلة وكأنها بتطـ . ـعنه.
ثم همس: ـ كنتِ عايشة هنا طول السنين دي؟
رديت ببرود: ـ أهو عايشين.
بلع ريقه بصعوبة.
ثم قال فجأة: ـ الدكتور كـ . ـدب عليا.
ضحكت بمرارة.
ـ وأنا مالي؟
قرب خطوة بسرعة: ـ والله العظيم ماكنتش أعرف.
صـ . ـرخت فجأة:
ـ لكنك صدقته بسهولة!
الصمت انفجر بينا.
دمـ . ـوعي بدأت تنزل رغمًا عني.
ـ صدق أي حاجة غيري.
صوته اتكسر: ـ كنت غبي.
ضحكت بعنـ . ـف وسط دمـ . ـوعي.
ـ لأ… كنت قاسـ . ـي.
نزل رأسه وكأن الكلمة استقرت في صدره.
ثم همس: ـ كنت فاكر إنك خنـ . ـتيني.
رديت بسرعة: ـ وحتى لو؟
رفع عينيه لي بصدمة.
قلت وأنا أبكي: ـ حتى لو كنت شاكك… الراجل اللي حبني فعلًا كان المفروض يسـ . ـمعني.
ماكانش يرمي ست حامل لوحدها.
ماكانش يقفل كل الأبواب في وشي.
كل كلمة كانت تق*تله.
واضح جدًا.
وفجأة… سـ . ـمعنا صوت خطوات صغيرة.
آدم.
كان واقف عند باب الأوضة بعينيه الناعستين.
ويبص لأدهم بفضول.
ـ ماما… مين ده؟
حسيت الدنيا وقفت.
أدهم نفسه اتجمد.
ثم نزل ببطء لمـ . ـستوى الطفل وكأن أنفاسه بتتقطع.
بص لآدم طويلًا… طويلًا جدًا.
وعينيه بدأت تلمع بشـ . ـكل موجوع.
قال بصوت مبحوح: ـ أنا…
لكن الكلمـ . ـات وقفت.
لأنه مايعرفش حقه يقول إيه.
آدم قرب أكتر وهو يبص لملامحه بدهشة طفولية.
ثم قال فجأة: ـ إنت شبهّي.
شهقة خرجت من أدهم كأنها كسـ . ـرت صدره.
أما أنا… فغمضت عيني بألـ . ـم.
لأن الطفل لاحظ الحقيقة في ثواني… بينما أبوه احتاج ست سنين كاملة.
أدهم مد إيده ببطء شديد وكأنه خايف الولد يبعد.
ـ اسـ . ـمك إيه يا بطل؟
ـ آدم.
ابتسامة صغيرة مرتجفة ظهرت على شفتيه.
ـ اسـ . ـم حلو.
آدم بصله ثانية ثم سأل ببراءة قت*لتنا إحنا الاتنين: ـ إنت تعرف بابا؟
الصمت نزل ثقيل بشـ . ـكل مرعـ . ـب.
أدهم رفع عينيه ناحيتي.
فيهم وجـ . ـع… رجاء… ندم.
لكنني كنت جامدة.
لأن قلبي لو لان وقتها… كنت هنهار.
قلت بهدوء: ـ روح نام يا آدم.
الولد سـ . ـمع الكلام، لكن قبل ما يدخل سأل مرة تانية: ـ هو الراجل ده زعلان ليه؟
أدهم غمض عينيه للحظة.
أما أنا… فقلت بصوت مكسور: ـ علشان في ناس بتفهم الحقيقة متأخر.
بعد ما آدم نام، أدهم وقف في الصالة ساكت طويلًا.
ثم قال بخفوت: ـ كان أول مرة يقول فيها “بابا” هتبقى ليا.
الكلمة كسـ . ـرت شيئًا جوايا.
لكنني تماسكت.
قلت:
ـ وانت ضيعتها.
دمـ . ـوعه لمعت لأول مرة.
أدهم المغربي… الرجل اللي عمره ما حد شافه ضعيـ . ـف… كان واقف قدامي شبه منهار.
قال بصوت مرتعش: ـ نفسي أرجع الزمن.
ضحكت بوجـ . ـع.
ـ وأنا نفسي ماكنتش أعيش ست سنين لوحدي.
سكت.
ثم قال: ـ اتجوزت بعدك بسنة.
هززت رأسي بلا مبالاة مصطنعة.
ـ واضح.
ـ بس الجوازة انتهت من زمان… إحنا منفصلين بقالنا شهور.
بصيتله باستغراب.
تنهد بتعب: ـ نور كانت عارفة إن في حاجة ناقصة جوايا طول الوقت.
سكت لحظة ثم قال:
ـ يمكن علشان قلبي عمره ما خرج منك أصلًا.
الكلمة رجعت تدبـ . ـحني.
لكنني تعبت من التصديق السهل.
قلت ببرود: ـ متأخر.
قرب خطوة وهمس: ـ عارف.
ثم أخرج شيئًا صغيرًا من جيبه.
ورقة قديمة مهترئة.
ورقة التحاليل.
اتجمدت.
قال بصوت مخنوق: ـ لقيتها من شهر… وعرفت الحقيقة.
أخدتها بإيد مرتجفة.
كان تقرير آخر.
تقرير كامل ماشفتهوش وقتها.
مكتوب فيه بوضوح إن نسبة الإنجاب ضعيـ . ـفة… لكنها ليست مستحيلة.
يعني… كان عنده أمل.
يعني… ماكانش مستحيل.
رفعت عيني بصدمة.
همس:
ـ الدكتور قالي وقتها إن الاحتمال ضعيـ . ـف جدًا… وأنا حولته بعقلي لحكم نهائي.
سكت ثم قال بانكسار: ـ ولما قلتي إنك حامل… خـ . ـوفي كان أكبر من حبي.
دمـ . ـوعي نزلت بصمت.
لأن الحقيقة كانت أبشع من الخـ . ـيانة.
الحقيقة إنه اختار خـ . ـوفه بدل ما يختارني أنا.
وفجأة… ركبتي ماقدرتش تشيلني.
جلست على الكرسي بسرعة وأنا أبكي بعنـ . ـف.
أدهم قرب فورًا لكنه توقف قبل ما يلمـ . ـسني.
وكأنه فقد حقه في ده.
قال بخفوت: ـ أنا آسف.
ضحكت وسط دمـ .
ـوعي.
ـ الأسف مايغيرش حاجة.
ـ عارف.
ثم قال الجملة اللي كسـ . ـرت آخر جزء صلب جوايا: ـ بس نفسي آدم مايدفعش تمن غبائي طول عمره.
الصمت طال بينا.
ثم لأول مرة سألته السؤال اللي دفـ . ـنته سنين: ـ كنت هتعمل إيه لو صدقتني وقتها؟
أدهم غمض عينيه وكأنه بيتعذب.
ثم قال بصوت مبحوح: ـ كنت هحـ . ـضنك… وأقولك إننا هنخـ . ـاف سوا ونربيه سوا.
شهقت باكية.
لأن ده كل اللي كنت محتاجاه وقتها.
مش فلوس.
مش وعود.
مجرد حد يقولي “مش هسيبك لوحدك.”
وفجأة… أدهم نزل على ركبتيه قدامي.
بكل كبريائه وهيبته.
وقال وهو يبكي لأول مرة: ـ أنا مستعد أستنى عمري كله علشان تسامحيني… بس اديني فرصة أكون أب له.
قلبي كان بيتقطع.
لأن جزء مني لسه بيحبه رغم كل شيء.
وجزء تاني عمره ما هينسى وجـ . ـع الست سنين.
وفي اللحظة دي… خرج صوت صغير من أوضة آدم: ـ ماما؟
قمت بسرعة ناحيته.
لقيته واقف نص نايم وبيبص ناحيتنا.
ثم سألني بصوت بريء: ـ هو الراجل ده هييجي تاني؟
بصيت لأدهم.
كان واقف ساكت… وعينيه كلها خـ . ـوف.
خـ . ـوف حقيقي من الرفض.
نزلت لمـ . ـستوى آدم ومسحت على شعره.
ثم قلت بهدوء: ـ يمكن.
الولد ابتسـ . ـم بنعاس.
ـ أنا حبيته.
والكلمة دخلت قلب أدهم كأنها نجاة من المـ . ـوت.
بعد شهور طويلة… بدأ أدهم ييجي ببطء.
مش كحبيب.
كأب بيتعلم ابنه من البداية.
أول مرة آدم ناداه “بابا” فعلًا… أدهم بكى.
بكى بطريقة خلتني ألف وشي علشان دمـ . ـوعي ما تبانش.
كان يحاول يعوض كل شيء.
يوصل آدم المدرسة.
يحضر حفلاته.
ينام جـ . ـنبه وقت الحمى.
وكل ليلة تقريبًا… كنت ألقاه يبص للولد وكأنه معجزة خـ . ـاف يخسرها مرة تانية.
أما أنا… فكنت بحاول أتعلم أثق من جديد.
وده كان أصعب من الحب نفسه.
لكن أدهم ما استعجلش.
كل يوم كان يثبت لي إن الحب الحقيقي مش كلام… الحب الحقيقي شخص يفضل موجود حتى بعد ما يشوف أسوأ كسورك.
وفي يوم… بعد سنة كاملة… كنا واقفين أنا وهو وآدم قدام البحر.
آدم كان بيجري ويضحك والرملة في كل هدومه.
وأدهم وقف جـ . ـنبي بهدوء.
ثم قال وهو يبص لابنه: ـ تخيلي… كنت هضيع ده كله.
بصيت له طويلًا.
ثم همست: ـ وكنت هتضيعني أنا كمان.
غمض عينيه بألـ . ـم.
لكني لأول مرة… مديت إيدي بإرادتي ومسكت إيده.
فتح عينيه بصدمة خـ . ـافتة.
قلت بهدوء: ـ بس يمكن بعض الناس لازم تخسر كل حاجة… علشان تعرف قيمتها.
ابتسـ . ـم وقتها… الابتسامة الأولى الحقيقية من سنين.
وفي الخلفية… كان آدم يصـ . ـرخ بحماس: ـ بابا! ماما! تعالوا!
بصينا له أنا وأدهم في نفس اللحظة.
ثم مشينا ناحيته سوا.
ولأول مرة منذ زمن بعيد… ماحسّتش إننا عيلة ناقصة.
يتبع