منوعات

ابن سلفتي روماني مكرم

جرس الباب رن. حسام فتح الباب… واتجمد مكانه. وشه اتقلب فجأة. نهى خرجت من المطبخ وهي مستغربة: — “مين؟” لكنها أول ما شافته… الإيد اللي كانت شايلة الصينية اترعشت. #الكاتب_رومانى_مكرم شريف. واقف قدام الباب بعد غياب 16 سنة كاملة. لكن الصدمة الأكبر… إنه ماكانش لوحده. كانت داليا واقفة جـ . ـنبه… وفي إيدها ملف محكمة ضخم.
وشريف قال وهو بيبص جوه البيت: — “جاي آخد ابني.”

دخل شريف وبخطوات ثقيلة واثقة كأنه لم يغب يومًا واحدًا، وتبعه عطر داليا النفاذ الذي ملأ الصالة بنبرة من التحدي. وقف حسام مذهولًا، يده ما زالت ممسكة بمقبـ . ـض الباب، وعيناه تتنقلان بين أخيه وبين الملف الضخم الذي تحمله داليا بين يديها. خرج أمجد من غرفته على صوت الحركة الغريبة، وتوقفت ضحكاته تمامًا وهو ينظر إلى الرجل والمرأة الواقفين في منتصف الصالة. التفت أمجد إلى نهى وقال بنبرة قلقة: — “في إيه يا أمي؟ مين دول؟”

كلمة “أمي” نزلت كالصاعقة على شريف، فتغيرت ملامحه للحظة، لكن داليا سرعان ما غمزت له بطرف عينها، فاستعاد بروده وقال بصوت عالٍ: — “أنا أبوك يا أمجد… شريف.” نهى تحركت بسرعة البرق، وقفت بحس الأمومة أمام أمجد كأنها تحميه من خـ . ـطر داهم، وقالت وصوتها يرتجف من الغضـ . ـب: — “أبو مين؟ إنت صدقت نفسك؟ إنت سبت ابنك وهو لحم دم، جاي بعد ١٦ سنة تقول أنا أبوك؟ بأي عين وبأي حق؟!” داليا تقدمت خطوة للأمام، وفتحت الملف ورفعت ورقة في وجه حسام ونهى وقالت بابتسامة باردة:

— “بالحق القانوني يا حبيبتي. التنازل اللي عملتوه زمان ده بليناه وشربنا ميته. شريف رفع قضية استرداد ولاية، والمحكمة حكمت له لأن أمجد لسه قاصر، والأب الشرعي ليه الأولوية، ومعانا حكم تنفيذ جبري لو لزم الأمر.” انفجر حسام في وجه أخيه: — “حكم إيه وتنفيذ إيه يا شريف؟! إنت جـ . ـنيت؟! الولد ما يعرفش حد غيرنا، أنا اللي ربيت وأنا اللي علمت وأنا اللي شيلت لما إنت رميته علشان ترضي مراتك! ودلوقتي جاي تاخده؟! ليه؟ علشان إيه بعد السنين دي كلها؟!”

هنا بدت على وجه شريف علامـ . ـات التردد، فنظرت إليه داليا بحدة ليقول ما اتفقا عليه، فتنحنح شريف وقال: — “الظروف اتغيرت… ربنا ما رزقنيش بأولاد من داليا، وأمجد هو ابني الوحيد ووريثي. أنا محتاجه جـ . ـنبي، ومن حقي أعيش مع ابني اللي اتحرمت منه.” أمجد كان واقفًا خلف نهى، يرتعش كأنه طفل في الرابعة من عمره، وليس شابًا في الثانوية العامة. كان ينظر إلى حسام، الأب الوحيد الذي عرفه، وإلى نهى التي أرضعته وحـ . ـضنته. قال وصوته يرتجف:

— “أنا مش هروح مع حد… بابا حسام وأمي نهى هما أهلي. أنا معرفكوش!” صاحت داليا بضيق: — “جرى إيه يا واد إنت؟! ده أبوك من صلبك، والعيشة اللي هتعيشها معاه في الفيلا والعز مش هتطولها هنا. اجهز علشان هتمشي معانا دلوقتي.” حسام دفع شريف وداليا نحو الباب وقال بعصبية شديدة: — “برا! اخرجوا من بيتي! مفيش حد هياخد أمجد من هنا، وأعلى ما في خيلكم اركبوه. المحاكم بيننا!” شريف نظر إلى أخيه بنظرة غامضة، ثم نظر إلى أمجد وقال:

— “هنمشي دلوقتي يا حسام… بس راجعين، ومعانا الشرطة لو اضطرينا. أمجد هيرجع لحـ . ـضني غصب عن أي حد.” أغلقت نهى الباب خلفهما بقوة، ووقـ . ـعت على ركبتيها تبكي بحـ . ـرقة، فالتف حولها عمر وأمجد، وكان أمجد يبكي ويهز كتفيها: — “والله ما هسيبك يا أمي… أنا ابنك إنتِ، مش ابن حد تاني.” في المـ . ـساء، كان البيت يعيش في حالة طوارئ. حسام اتصل بمحامٍ من أصدقائه، وجاء إلى البيت فورًا ليطلع على الأوراق التي تركت داليا صورة منها. المحامي هز رأسه بقلق وقال لحسام ونهى:

— “الموضوع مش سهل يا حسام. التنازل العرفي أو الكفالة اللي تمت زمان ممكن شريف يطـ . ـعن عليها، وبما إنه الأب الطبيعي ولم تسقط ولايته بحكم قضائي سابق، فالقانون في صفه بنسبة كبيرة، خصوصًا إن أمجد لسه ما كملش ١٨ سنة.” نهى صـ . ـرخت: — “يعني إيه؟! هياخدوا ابني مني بالقانون؟! ده متربي على إيدي، ده راضع مع عمر!” المحامي قال:

— “فيه ثغرة واحدة… لازم نرفع قضية مستعجلة لإثبات إسقاط الولاية الأبوية بسبب الإهمال والترك طوال ١٦ سنة، ولازم نجمع شهود من المنطقة ومن المدرسة يثبتوا إن شريف ما صرفش ولا سأل طول السنين دي. بس ده هياخد وقت، وشريف معاه أمر تنفيذ.” في اليوم التالي، كانت الصدمة الكبرى. بينما كان أمجد وعمر يستعدان للذهاب إلى مجموعات التقوية الخاصة بالثانوية العامة، فوجئ الجميع بقرع عنيـ . ـف على الباب. فتح حسام ليرى شريف وداليا، ومعهما ضابط شرطة ومحضر من المحكمة.

الضابط قال بهدوء: — “يا حاج حسام، احنا معانا أمر قضائي بتسليم القاصر أمجد شريف لوالده، ياريت بلاش مشاكل علشان الموضوع يمر بهدوء.” نهى صـ . ـرخت وضمّت أمجد إليها، وعمر وقف أمام الضابط يحاول منعه، بينما تراجع أمجد للخلف وهو يصـ . ـرخ: — “مش هروح معاهم! بابا حسام الحقني!” حسام حاول التحدث مع الضابط: — “يا فندم الولد عنده امتحانات ثانوية عامة، مستقبله هيضيع، سيبوه يكمل السنة معانا.” لكن داليا تدخلت بشمـ . ـاتة:

— “هيكمل تعليمه في أحسن مدارس هناك، متقلقش عليه يا حنين.” الضابط أشار للعساكر بالتقدم، ووسط صراخ نهى، وبكـ . ـاء عمر، وعجز حسام الذي كادت تفيض روحه من القهر، سحبوا أمجد من وسطهم. كان أمجد يلتفت وراءه ودمـ . ـوعه تسيل كالمطر وهو يصـ . ـرخ: — “يا أميييي! يا بابا!” حتى اختفى صوته في السلم. انغلق الباب، وتحول البيت الذي كان مليئًا بالضحك قبل ساعات إلى مأتم. نهى سقطت على الأرض مغشيًا عليها، وحسام جلس على الكرسي يضع رأسه بين يديه ويبكي لأول مرة في حياته بحـ . ـرقة الرجال.

مرت ثلاثة أيام كاملة، وأمجد مغلق عليه في غرفة في شقة شريف الفخمة. رفض تناول الطعام، ورفض التحدث مع شريف أو داليا. وفي الليلة الرابعة، بينما كان شريف وداليا نائمين، تسلل أمجد إلى الصالة وحاول فتح باب الشقة ليهرب ويعود إلى بيته الحقيقي… لكنه عندما وضع يده على المقبـ . ـض، وجد الباب مغلقًا بالمفتاح من الخارج، وفجأة أُضيئت أنوار الصالة، وظهرت داليا واقفه أمامه وعينها تلمع بالشر وتقول: — “فاكر نفسك هتعرف تهرب وترجع لنهى وحسام؟ إنت مش هتحرك من هنا يا أمجد… وبكـ . ـره هتعرف السر اللي خلانا نرجع ناخدك بعد ١٦ سنة!”

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى