منوعات

حكايات اسما السيد 4

الصالة بقت هادية لدرجة إننا كنا سامعين صوت أنفاس بعض. بصيت لآدم. كان واقف وعيونه مليانة صراع رهيب؛ صراع بين الغضب السنين اللي فاتت اللي جواه من أبوه اللي باعه، وبين نخوة الراجل اللي جواه اللي مش قادر يشوف جدته الكبيرة وهي مكسورة وبتترجاه. داليا بصتلي وقالت بصوت واطي: “مريم… أنا مش عايزة رامي يتسجن، أنا كنت عايزة حقي بس. السجن خراب وشماتة للكل.” نجلاء بصتلي وقالت: “القرار ليكي يا مريم… وليك يا آدم. إنتوا اللي دوقوا المر.”

أخدت نفس طويل، ورفعت راس الست صفية من على إيدي وقلت لها بصوت هادي وراسي: “يا طنط صفية… إحنا عيلة السيوفي، وعمرنا ما كنا بتوع انتقام. إحنا بناخد حقنا بالحق والأصول. رامي غلط في حقنا كلنا، والقرش الحرام والمظاهر الكدابة هي اللي ودته في داهية. بس عشان خاطرك إنتي، وعشان دموعك دي… أنا مش هقبل إن أبو ابني يتسجن.” التفتت لآدم وقلتله: “آدم… كلم الدكتور نبيل. اطلب منه كرجاء شخصي من الطالب الأول بتاعه، إنه يدي رامي مهلة شهر واحد يبيع أراضيه ويسدد ديونه للمجموعة، من غير قضايا ومن غير سجن.”

آدم بص في عيني كام ثانية، شاف فيهم كل الطيبة والنظافة اللي ربيته عليها، شاف إن القوة الحقيقية هي العفو عند المقدرة. هزه رأسه وقال: “حاضر يا أمي… عشان خاطرك إنتي بس.” آدم مسك التليفون وخرج في البلكونة يكلم الدكتور نبيل الشافعي. الست صفية قعدت تدعيلي وهي بتبكي وتضم فيا، وداليا كانت بتبصلي بنظرات ذهول وإجلال كأنها شايفاني ملاك مش بشر. آدم دخل بعد دقائق وقال: “الدكتور نبيل وافق عشان خاطري، وهيدي رامي مهلة شهر للسداد، بس بشرط… رامي يوقع على التنازل النهائي عن شقة التجمع بكره الصبح في الشهر العقاري، ويوقع على شيك بمؤخر داليا ونفقتها.”

الست صفية قامت وهي بتسند على عصايتها وقالت: “موافق… وميت موافق. بكره الصبح كل حاجة هتخلص يا ابني. كتر خيرك يا مريم… إنتي طلعتي ست بمليون راجل.” خرجت الست صفية، وقفلنا الباب وراها. داليا قربت مني وحضنتني وهي بتعيط وتقول: “شكراً يا مريم… شكراً إنك أنقذتينا كلنا.” بصيت لآدم ونجلاء وابتسمت. المعركة خلاص بتخلص، والحق رجع لأصحابه من غير ما نلوث إيدينا بظلم أو شماتة.

لكن وإحنا بنستعد للنوم بعد اليوم الطويل ده، آدم جاله إيميل على تليفونه من إدارة الجامعة الأمريكية… إيميل خلى عيونه تبرق، ووشه يتغير تمامًا، وبصلي وقال بنبرة مليانة مفاجأة: “ماما… إنتي مش هتصدقي الإيميل ده جواه إيه!” قربت من آدم وأنا قلبي بيدق بسرعة من اللهفة، ونجلاء وداليا وقفوا جنبه وهما مبرقين عينيهم مستنيين يسمعوا. آدم كان بيبص للشاشة وهو مش مصدق، وصوته كان بيرعش وهو بيقرأ الكلام المكتوب:

“ماما… الإيميل ده مش بس بخصوص تعييني في الجامعة هنا في مصر. ده خطاب رسمي من جامعة ‘ستانفورد’ في أمريكا… بعتين شراكة وتوأمة مع الجامعة الأمريكية، ومختارين الطالب الأول على الدفعة اللي هو أنا، عشان أسافر منحة دكتوراه كاملة مدفوعة التكاليف والمصاريف، وهناك هشتغل في معمل أبحاث الذكاء الاصطناعي براتب شهري يبدأ من الشهر الجاي!” الصالة اتقلبت زغاريط وصريخ من الفرحة. نجلاء بقت تنط وتصقف، وداليا كانت بتضحك من قلبها وبتوجّه لآدم التهنئة، وأنا… أنا لقيت نفسي بنزل على الأرض ساجدة سجدة شكر لله، ودموعي بتغرق السجادة.

آدم نزل على ركبه جنبي، وحضنّي بقوة وهو بيدفن رأسه في كتفي وبيقول: “المفاجأة الأكبر يا أمي… إن المنحة بتشمل إقامة كاملة لمرافق من الدرجة الأولى. يعني إنتي مسافرة معايا يا مريم يا سيوفية. مش هسيبك ثانية واحدة هنا، وهناك هخليكي تشوفي الدنيا وتعيشي في المكان اللي يليق بيكي.” رفعت رأسي وبصيت في عيونه اللي بقت عيون راجل بجد، راجل حقق وعده للطفل اللي ساب ورقة على المخدة زمان ومكتوب فيها: *”ماما… ماتعيطيش. لما أكبر هخليكي ترتاحي.”*

قلتله وصوتي مخنوق بالفرحة: “أنا راحت الدينا كلها عندي يا آدم وأنا شايفك بالمنظر ده. ربنا يرضى عنك ويفتحها عليك.” في اليوم التالي الصبح، كانت الحركة سريعة والخطوات واثقة. بدأنا بتنفيذ الشروط؛ رامي جه الشهر العقاري وهو زي الضِل، وشه شاحب، وعينه ما جتش في عين حد فينا. وقع على التنازل النهائي لآدم عن شقة التجمع، ومضى على شيكات مستحقات داليا كاملة وهو ساكت، كأنه بيمضي على وثيقة نهاية غروره وكبريائه.

داليا استلمت ورقها وشيكاتها، وبصتلي بامتنان حقيقي وقالت: “أنا هبدأ حياتي من جديد يا مريم، وهفتح مشروعي الخاص اللي كنت بحلم بيه، وعمري ما هنسى إنك الست اللي أنقذتني في الوقت اللي الكل رماني فيه.” ودعناها وإحنا بنتمنى لها كل خير. أما شقة التجمع الفخمة… فإحنا ما سكنّاش فيها. آدم قرر يبيعها فورًا وبأعلى سعر، وبالفلوس دي اشترى بيت دافي وجميل في مكان هادي، وحط الباقي في حساب بنكي باسمي عشان يأمن حياتي تمامًا. وبعد شهرين من اليوم ده…

كنا واقفين في صالة المغادرة بمطار القاهرة الدولي. نجلاء كانت واقفة وماسكة فيا وبتعيط طبعًا كالعادة، وبتقول: “أهو ده بقى عياط الفضايح بجد.. هتوحشيني يا مريم، البيت من غيرك هيبقى ضلمة.” حضنتها وقلت لها: “يا هبلة كلها كام شهر وتيجي تزورينا، وإنتي اللي هتجهزيلي حاجتي من هنا.” آدم كان واقف لابس لبسه الكاجوال، شايل الشنط، ورافع راسه لفوق، وعينه بتلمع بالأمل والمستقبل اللي مستنيه في بلاد بره. بصيت لروحي في مراية المطار الكبيرة. ما كنتش لابس الفستان الأزرق البسيط بتاع يوم التخرج، كنت لابة طقم جديد راقي، ووشي منور، ومفيش في عيني أي أثر للتعب أو الخوف من بكرة.

آدم قرب مني، مسك إيدي اليمين، ورفعها وباسها قدام كل الناس في المطار، وقال بابتسامته الصافية: “يلا بينا يا أم البطل؟ طيارتنا هتطلع.” ابتسمت من كل قلبي، ودرت ضهري لكل سنين الوجع، ومشينا خطوة بخطوة للمستقبل الجديد، وأنا عارفة ومتأكدة إن اللي يزرع بالدموع والتعب والأصول… لازم يحصد بالنور والكرامة والرفعة.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى