ريحة الرز بالفراخ والملوخية اللي عملتها كانت مالية الشقة البسيطة، ريحة دافية بتطرد أي أثر للي حصل الصبح. كنا قاعدين أنا وآدم ونجلاء حوالين السفرة الصغيرة، وبنضحك من قلبنا كأننا ما كناش بنبكي من كام ساعة. آدم كان بياكل بشهية غابت عنه بقالها شهور بسبب ضغط الامتحانات، وكل شوية يبص للشهادة المحطوطة فوق التلفزيون ويبتسم. وفجأة، الباب خبط. نجلاء قامت بسرعة وقالت: “خليكوا مرتاحين، هشوف مين.” ثواني وسمعت صوت نجلاء بيتغير، نبرة حادة ورافضة: “إنتي إيه اللي جابك هنا؟ وليكي عين تيجي لحد باب بيتنا؟”
قمت من على السفرة وآدم قام ورايا فورًا. رحت عند الباب، ولقيت داليا واقفة. ما كانتش داليا بتاعة الصبح؛ الفستان الشامبين كان متبهدل، الكعب العالي اتمطوح في إيدها، والماكياج كان سايح من العياط. وشها كان باهت كأن الكبرياء كله اتهد في لحظة واحدة. أول ما شافتني، سابت الكعب من إيدها وقربت خطوة، وصوتها كان مخنوق ومكسور: “مريم… أرجوكي اسمعيني.” آدم وقف قدامي، كأنه حيطة سد، وقال بنبرة ترعب: “إنتي لسه ليكي عين تدخلي منطقتنا أصلاً؟ اتفضلي بره قبل ما أطلبلك الأمن.”
داليا بدأت تعيط بهستيرية وقالت وهي بتبص لآدم: “يا آدم عشان خاطري اسمعني.. أنا جاية لأمك مش ليك. رامي قالب البيت حريقة، والمحاميين بتوعه من ساعة ما رجعنا وهم شغالين على ورق الشقة عشان يسحبها منك، ومش بس كده.. ده طلقني يا آدم! طلقني ورمى شنطي في الشارع قدام البواب والشغالين عشان يغسل فضيحته قدام ناسه ويقول إن أنا السبب في كل اللي حصل!” بصيت لها وكنت ساكتة. الوجع اللي شفته في عيونها وهي مطرودة ومتهانة، كان نفس الوجع اللي حاولت تسببهولي الصبح، بس الدنيا دارت أسرع مما كنا نتخيل.
نجلاء زعقت: “والله؟ وإحنا مالمنا؟ إنتي اللي بدأتي، وإنتي اللي قلتي لأم البطل تتفرج من ورا لأنها متعودة.. اشربي بقى من نفس الكأس!” داليا نزلت على ركبها في الصالة، وبكت بحرقة وهي بتبصلي: “أنا غلطت يا مريم.. الغرور أعمى عيني، والمنظرة قدام قرايبي خلتني أتصرف زي الشياطين. رامي قال ماليش قعاد في بيته، وأهلي رافضين يستقبلوني بعد الفضيحة اللي بقت على كل جروبات المدارس والنوادي. الفيديو بتاع آدم بقى تريند، وكل الناس بتلومني أنا. رامي بيهددني إنه مش هيديني مؤخر ولا نفقة لو ما صالحتش آدم وخليته ينزل فيديو تكذيب.”
آدم زعق: “تكذيب إيه؟ أنا ما قلتش كلمة واحدة غلط! ده حقي وحق أمي.” داليا بصتلي وقالت: “أبوس إيدك يا مريم.. أنا ماليش حتة أروحها النهارده، وماليش مأوى.. قولي لآدم يكلم أبوه، رامي بيخاف من آدم ومستقبله، لو آدم قاله إنه مسامح، رامي هيرجعني.”الصمت حل في الصالة. نجلاء كانت بتبصلي ومستنية أطردها، وآدم كان فكه مشدود وعينه بتطلع شرار. قربت من داليا ببطء. وطيت ومسكت إيدها، وقومتها من على الأرض وقعدتها على الكرسي. آدم قال بذهول: “يا ماما! بعد كل اللي عملته فيكي؟”
بصيت لآدم وقلتله بهدوء: “يا بني.. إحنا السيوفيين، ما بنشمتش في كسر الحريم، وما بنردش الإهانة بإهانة تانية لما المعتدي يكون واقع ومكسور.” التفتت لداليا وقلت لها بصوت حاسم بس من غير قسوة: “أنا مش هخلي آدم يعمل فيديوهات، ولا هخليه يكذب، لأن ابني ما قالش غير الحقيقة وإنتي عارفة كده كويس. ورامي طلقك مش عشان هو زعلان عليا، رامي طلقك عشان شكله بقى وحش قدام الناس، وهو بيموت في المظاهر. يعني لو رجعتي له، هترجعي لشخص ما بيحترمكيش.”
داليا كانت بتسمع وهي بتشهق من العياط. كملت كلامي: “اللي هقدر أعمله عشانك، إنك هتقعدي هنا الليلة دي، في أوضة نجلاء، لحد الصبح. وبكره الصبح، أنا هكلملك محامي محترم من العيادة اللي بشتغل فيها، ياخدلك كل حقوقك ومؤخرك من رامي غصب عنه بالقانون، لأن رامي زي ما خاف من كلام ابنه، هيخاف من المحاكم والسيرة في الجرايد.” داليا بصتلي بذهول، كأنها مش مصدقة إن الست اللي طردتها الصبح هي الوحيدة اللي فتحت لها بيتها بالليل.
آدم بصلي، وعيونه كان فيها كمية فخر وذهول من أمومتي وقوتي، ابتسم بالراحة وهز رأسه كأنه بيقول: “فعلاً.. إنتي عظيمة.” نجلاء اتنهدت وقالت لداليا بقرف بس بقلب طيب: “قومي.. قومي اغسلي وشك المتبهدل ده، وتعالي كلي لقمة ترم عضمك، مريم السيوفية دي قلبها أبيض من الشاش، بس اوعي تفتكري إننا نسينا.” دخلت داليا مع نجلاء، ولفيت أنا لآدم اللي قرب وحضني بقوة وقال: “أنا كل يوم بتعلم منك درس جديد يا أمي.. ربنا ما يحرمني منك.”
قلتله وأنا بضمّه: “ولا يحرمني منك يا سيادة الباشمهندس.. بكره ورانا مشوار طويل للجامعة، وعايزاك رافع راسك لفوق.” نمنا الليلة دي وبيتنا فيه سلام غريب، بس إحنا عارفين إن رامي عزت مش هيسكت، وإن المعركة الجاية معاه مش هتبقى سهلة.. خصوصاً لما يعرف إن طليقته القديمة وطليقته الجديدة بقوا إيد واحدة ضده. الصبح جه ومعه طاقة جديدة ونور مالي الشقة. فتحت عيني على صوت حركة خفيفة في المطبخ، ولما دخلت لقيت داليا واقفة بتغسل الأطباق اللي أكلنا فيها بالليل، وكانت لامت شعرها ولابسة عباية بسيطة من بتوع نجلاء.
أول ما شافتني، نزلت عينها في الأرض بكسوف وقالت: “صباح الخير يا مريم.. أنا ما عرفتش أنام من كتر التفكير، فقلت أعمل أي حاجة أرد بيها ولو جزء بسيط من جمايلك.”ابتسمت لها وقلت: “صباح النور يا داليا، سيبي الحاجة دي وتعالي اشربي معايا شاي.” قعدنا على السفرة، وخلال دقائق صحي آدم ونجلاء. آدم أول ما شاف داليا قاعدة معنا، ملامحه كانت هادية، النفرة والغل اللي كانوا في عيونه الصبح اللي فات اختفوا، وحل مكانهم برود الراجل اللي عارف هو واقف فين بالظبط.
آدم بص ساعته وقال: “ماما، أنا هتحرك دلوقتي على الجامعة الأمريكية عشان أخلص ورق المنحة، ومش هأخر.. المحامي اللي قلتِ عليه هيكلمك الساعة حداشر.” قلتله: “تروح وترجع بالسلامة يا حبيب أمي، ربنا يفتحها عليك.” أول ما آدم قفل الباب وراه، تليفون داليا رن. بصت للشاشة ووشها جاب ألوان، وقالت بصوت مرعوب: “ده رامي.. أكيد عرف إني هنا.” نجلاء خطفت التليفون منها وفتحت الاسبيكر من غير ما تتكلم.
صوت رامي كان طالع زي الفحيح، مليان غل وخطط: “اسمعي يا داليا.. البواب قالي إنه شافك ورايحة شقة مريم في مدينة نصر. إنتي فاكرة نفسك ذكية؟ فاكرة إنك لما تستخبي عند طليقتي هتلوي دراعي؟ أنا بعتلك ورقة طلاقك على بيت أهلك، وبكره الصبح المحامي بتاعي هيغير قفل الشقة اللي في التجمع اللي باسم آدم، والشركة اللي كنت كاتبلك جزء من أسهمها صُوري هفسخ العقود بتاعتها. اطلعي من شقة مريم ورجليكي فوق رقبتك، وإلا هعملك قضية سرقة لـ مصوغات البيت!”
داليا كانت بتترعش ومش قادرة ترد، لكن نجلاء ما سكتتش، صرخت في التليفون: “سرقة إيه يا أبو سرقة؟ ده إنت اللي سارق عمر الحريم وناشف زي الحجر! الشقة اللي بتتكلم عليها دي باسم آدم بيع وشراء نهائي، والشركة دي مريم وداليا بكره الصبح هيكونوا في النيابة يوروك السرقات على حق!” رامي قفل السكة وهو بيشتم. داليا قعدت تبكي: “هيقفل شقة آدم؟ وهيضيع حقي؟ رامي واصل يا مريم وممكن يعمل أي حاجة.”
في اللحظة دي، تليفوني أنا رن، وكان المحامي “الأستاذ عصام”، صديق دكتور العيادة اللي بشتغل فيها. ردت عليه وشرحت له الموضوع باختصار، والراجل جاله ذهول من اللي سمعه، وقال بنبرة واثقة: “يا مدام مريم، الراجل ده بيلعب في الوقت الضايع وبيخوفكم. شقة الأستاذ آدم كونه عقد نهائي ومكتمل الأركان، ما يقدرش يمس قفلها، ولو عمل كده هتبقى جريمة غصب حيازة وقفل مسكن. أما المدام داليا، فليها مؤخر ونفقة متعة، وقصة الأسهم الصورية دي هنثبتها بالشهود وبحركة الحسابات البنكية. اجهزوا وقابلوني في مكتب الصبح.”
حسينا بروح من الأمل بتدخل الصالة. نجلاء قالت: “أنا هسوق بيكم، والنهارده يوم النصر التاني.” لبسنا ونزلنا. وإحنا في الطريق لمكتب المحامي، عدينا من جنب المدرسة الكبيرة اللي كان فيها الحفلة إمبارح. بصيت عليها وافطرت شريط العمر كله وهو بيعدي قدام عيني.. تذكرت لما كنت بقف في الشمس أستنى آدم وهو صغير، وتذكرت طردة إمبارح.. وابتسمت لأن الحق ما بيموتش. وصلنا مكتب الأستاذ عصام في مصر الجديدة، وأول ما دخلنا، قعد معنا وبدأ يكتب الطلبات ويرتب الورق. داليا كانت بتمليه كل قرش وكل ورقة رامي حاول يخبيها.
وفجأة، الباب بتاع المكتب اتفتح، ودخل آدم.. بس ما كانش لوحده. كان معاه راجل وقور، شعره أبيض، ولابس بدلة فخمة جدًا، وباين على وشه الهيبة. آدم دخل وعينه بتلمع، وقال: “ماما.. الأستاذ نبيل الشافعي، عميد كلية الهندسة في الجامعة اللي كنت فيها، وهو اللي كان مشرف على المنحة بتاعتي.. ولما شاف اللي حصل إمبارح والفيديو، وصمم يجي بنفسه.”
الدكتور نبيل قرب مني، وسلم عليا باحترام شديد وقال: “أهلاً بالست العظيمة اللي مصر كلها بتتكلم عنها وعن تربيتها إمبارح. يا مدام مريم، آدم مش بس الأول على الدفعة، آدم عبقرية في البرمجيات، والجامعة مش بس هتديه منحة، الجامعة قررت تعينه من الشهر الجاي مساعد باحث براتب محترم يعيشكم في أحسن مستوى.” دموعي نزلت من الفرحة، وآدم قرب وحضن كتفي.
الدكتور نبيل التفت للمحامي وقال: “وأنا جاي هنا بصفتي القانونية كمان.. أنا مستشار مجلس إدارة الشركة اللي رامي عزت بيتعامل معها، وعايز أقولكم إن عقود رامي مع مجموعتنا مهددة بالفسخ بعد الفضيحة الأخلاقية دي، لأن شركتنا بتهتم بالسمعة. فلو رامي افتكر إنه يقدر يضغط على آدم أو الست داليا، عرفوه إن كارت حرق أعماله في السوق بقا في إيدنا إحنا.” داليا رفعت راسها وذهولها كان أكبر من الصدمة، ورامي اللي كان فاكر نفسه إمبراطور ملوش ممسك، بقا محاصر من كل ناحية: من ابنه اللي تبرأ من اسمه، ومن طليقته اللي حماها، ومن السوق اللي بياكل عيش منه.
المحامي ابتسم وكتب آخر سطر في العريضة وبص لرامي في الفراغ وقال: “كده القضية كملت.. واللعب بقا على المكشوف يا رامي بيه.” خرجنا من المكتب وإحنا حاسين إن الأرض شيلانا، بس تليفون آدم رن تاني.. المرة دي كان رقم رامي، بس النبرة ما كانتش فحيح.. كانت نبرة واحد بيغرق وبيستنجد.