منوعات

حكايات اسما السيد 2

وفي اللحظة دي… وشه اتغير تمامًا. ملامح الفرحة والهدوء اللي كانت على وشه اختفت، وحل مكانها ذهول، وبعدين غضب مكتوم وهو شايفني واقفة أنا وخالته نجلاء في آخر القاعة، تحت علامة الخروج، من غير كراسي، وسط الزحمة والناس اللي بتتحرك حوالينا. آدم وقف في مكانه لثوانٍ، لدرجة إن زميله اللي وراه خبط فيه بالراحة علشان يكمل مشي مع الطابور. رامي وداليا كانوا فاكرينه بيبص عليهم ورافعين إيديهم، لكن عيون آدم كانت مثبتة عليا أنا. لمح فستاني الأزرق، ولمح بوكيه عباد الشمس اللي في إيد نجلاء، وعرف على طول إيه اللي حصل.

كمل مشي مع زمايله لحد ما طلعوا كلهم على المسرح وقعدوا في أماكنهم. وطول ما المديرة كانت بتتكلم، عينه ما نزلتش من عليا. كنت بهز راسي ليه بالراحة وابتسم، وبشاورله بـ “إبهامي” يعني كل حاجة تمام، اركز في حفلتك. لكن هو ما كانش تمام. كنت شايفة فكه المشدود، وإيده اللي بتفرك الشهادة اللي لسه ما استلمهاش. بدأت المديرة تنادي الأسامي بالترتيب الأبجدي. الطلبة كانت بتطلع، وأهاليهم في الصفوف الأولى بيقفوا يصرخوا ويسقفوا. رامي عدل جرافته، وداليا جهزت تليفونها الغالي على وضع الفيديو، وأمها بدأت تظبط قعدتها عشان تظهر في الكادر.

وجاء الدور عليه. المديرة مسكت المايك وقالت بصوت قوي: “والآن… الطالب المثالي والحاصل على المركز الأول على الدفعة… آدم رامي عزت.” القاعة كلها هزتها السقفة. رامي وقف بطوله، وداليا وقفت معاه وهي بتصوت بفخر مصطنع، والتفتت يمين وشمال عشان تأكد للناس إن البطل ده يخصهم. آدم قام من مكانه. مشي بثبات لحد ما وصل للمسرح، استلم شهادته، وسلم على المديرة. وفي المدارس اللي من النوع ده، الطالب الأول بيكون ليه حق يلقي كلمة التخرج نيابة عن زمايله.

المديرة قربت منه المايك، وابتسمت وقالت: “اتفضل يا آدم، القاعة كلها بتسمعك.” آدم مسك المايك. بص على الورقة اللي في إيده، والناس كلها سكتت مستنية خطبة التخرج التقليدية عن الطموح والمستقبل. لكن آدم طبق الورقة وحطها في جيب بدلته. بص مباشرة على الصف الأول. على أبوه ومراته. داليا كانت لسه رافعة التليفون وبتسجل. آدم قرب من المايك، وبصوت جهوري، هادي ومسموع في كل ركن في القاعة، قال: “أنا اسمي آدم مريم السيوفي.” القاعة كلها سكتت سكوت مفاجئ. داليا نزلت التليفون ببطء، ورامي ملامحه اتجمدت.

آدم كمل وهو عينه بتتحرك من الصف الأول وبتروح لآخر القاعة، مكاني أنا: “الاسم اللي مكتوب في شهادتي مش هو اللي صنعني. اللي صنعتني هي الست اللي واقفة هناك دي… في آخر القاعة، عند باب الخروج.”
في اللحظة دي، مئات الرؤوس في القاعة لفت كلها ببطء وبدأت تبص ورا. الكاميرات اللي كانت موجهة للمسرح، لفت وصوبت عدساتها وفلاشاتها عليا أنا وفستاني الأزرق الرخيص. آدم كمل في المايك، وصوته بدأ يرعش بس بقوة:

“الست اللي واقفة ورا دي، اشتغلت شيفتات إضافية في العيادات عشان أدخل المدرسة دي. خيطت هدوم للناس بالليل عشان تدفعلي تمن الكتب. الست دي هي اللي خلتني راجل، وهي اللي علمتني إن السيوفيين ما بيركعوش غير لربنا. وعشان كده… أنا مش هلقي خطبتي وأنا شايف أمي واقفة على رجليها في آخر الصالة عشان في ناس فاكرة إن الكراسي بتتشري بالفلوس.” آدم نزل المايك من على حامل المسرح، وبحركة سريعة ومفاجئة، نزل من على السلالم. ساب المديرة، وساب المدرسين، ومشي في الممر الواسع اللي في النص.

وهو ماشي، عدى على الصف الأول. رامي حاول يمد إيده يمسكه ويقوله: “آدم، إنت بتعمل إيه؟ الفضايح دي؟” لكن آدم وداير وجهه عنه تمامًا، ولا كأنه شايفه. عدى من جنب داليا اللي وشها بقى أصفر زي الليمونة من الصدمة والإحراج قدام مجتمعها اللي بتهتم بيه. آدم كان بيمشي بخطوات سريعة وواسعة في الممر، والشهادة في إيده، لحد ما وصل عندي في آخر القاعة. وقف قدامي. كانت دموعه نزلت خلاص. رفع إيده وحط قبعة التخرج الزرقا على راسي أنا، وحط الشهادة في إيدي، ووطى باس راسي قدام العيون دي كلها، وقال بصوت عالي سمعه كل اللي حوالينا:

“مبروك التخرج يا أمي… الشهادة دي بتاعتك إنتي، وإنتي اللي مكانك قدام الكل.” في اللحظة دي، سمعت صوت كراسي بتتحرك بعنف. الناس في الصفوف الأخيرة بدأت تقف وتسقف. وبعدين الصفوف اللي في النص. وخلال ثواني، القاعة كلها كانت واقفة على رجليها، بتسقف لآدم وليا. الدكاترة، المهندسين، أهالي الطلبة الأغنياء، كلهم كانوا بيبصوا لآخر القاعة وبيسقفوا بحرارة، وبعض الأمهات كانوا بيعيطوا. نجلاء كانت بتصرخ وهي بتعيط وتديله بوكيه عباد الشمس: “أنا قلتلك بلاش عياط فضايح!” وأنا؟ أنا كنت حاسة إن الـ ١٨ سنة تعب دابوا في ثانية واحدة. الركض في الشوارع، ريحة المطهرات، قلة الفلوس، الخوف من المستقبل… كله اتمسح.

آدم مسك إيدي وإيد خالته وقال: “يلا بينا من هنا، الحفلة بالنسبة لي خلصت.” ولما التفتنا عشان نمشي ونخرج من الباب، بصيت لورا بصه أخيرة. كان الصف الأول فاضي تمامًا. رامي وداليا وأهلها كانوا بيلموا حاجتهم وبيمشوا بسرعة من الأبواب الجانبية عشان يهربوا من نظرات الناس وهمساتهم اللي بقت كلها عليهم.
خرجنا للهواء والشمس. وآدم دراعه في دراعي. بصيت للفستان الأزرق وقلت في بالي: “فعلاً… آدم شاف أمه أحلى واحدة في القاعة كلها.” بعد ما خرجنا من باب القاعة، الهوا برا كان بارد وبيخبط في وشنا، بس جوايا كان في دفا عمري ما حسيته قبل كده.

آدم كان ماشي جنبي، ماسك إيدي اليمين بقوة، وإيده الشمال فيها بوكيه عباد الشمس اللي خالته نجلاء صممت تشيلهوله وهي لسه بتمسح دموعها. كان لابس روب التخرج الأزرق مفتوح، وقبعة التخرج كانت لسه فوق راسي أنا. في الجراج، وسط العربيات الفخمة والسائقين اللي مستنيين أصحابهم، قعدنا في عربية نجلاء الصغيرة البسيطة. أول ما قفلنا الأبواب، القاعة والناس والدنيا كلها بقت ورا ضهرنا. آدم لف ليا، وبص في عيني وقال: “سامحيني يا أمي.” قلتله وأنا بملس على شعره:

“أسامحك على إيه يا قلب أمك؟ إنت رفعت راسي قدام الدنيا كلها.” قال وصوته فيه غصة: “أسامحيني إني سبت رامي يتدخل في تفاصيل اليوم ده. لما قالي إنه هيتكفل بمصاريف حفلة التخرج الكبيرة اللي بعد المدرسة ويحجز القاعة، قاطعت كلامه وقلتله مش عايز منك حاجة. بس هو أصر وقالي (أنا أبوك وده حقي قدام الناس). ما كنتش أعرف إن داليا هتوصل بفساد قلبها لدرجة إنها تقعد في مكاني ومكانك وتطردك ورا.” نجلاء لفت من كرسي القيادة وقالت بعصبية ممزوجة بفخر:

“تغور داليا ويغور رامي يا آدم! إنت مشفتش وشها بقا عامل ازاي؟ الست كانت بتدور على أي خرم في الأرض تستخبى فيه. الناس كلها كانت بتبص لهم بقرف وهم خارجين.” آدم ما اهتمش بكلام نجلاء، كان كل همه أنا. “أنا مش هرجع البيت ده تاني يا ماما.” اتخضيت وقلتله: “بيت إيه يا آدم؟”

قال: “البيت اللي رامي اشترهولي باسمي من سنة عشان يراضيني بيه. الشقة اللي في التجمع. أنا كنت واخدها وعامل حسابي إننا هنقل فيها أنا وإنتي عشان ترتاحي من إيجار شقة مدينة نصر. بس الفلوس اللي جاية من رامي، وجاية معاها إهانات ليكي، مش عايزها. أنا هشتغل من بكره. المنحة اللي جاتلي من الجامعة الأمريكية مغطية كل مصاريف دراستي، وهدور على أي شغل تظبيط شبكات أو برمجة بالليل. أنا مش عايز من الراجل ده ولا مليم.”

حطيت إيدي على بقه وقلتله: “يا آدم، إحنا ما بنخدش قرارات وإحنا زعلانين. رامي عزت أبوك، ومهما عمل، الشقة دي حقك. تعب السنين اللي فاتوا ما كانش بس تعبي أنا، ده كان حقك اللي هو حرمك منه وهي النفقة والرعاية. الشقة دي مش هدية منه، ده جزء صغير من دين قديم عليه.” آدم سكت، بس ملامحه كانت لسه جامدة. وصلنا بيتنا الصغير في مدينة نصر. البيوت بتعرف أصحابها، والحيطان البسيطة كانت أرحم بكتير من جدران المدرسة الفخمة. دخلت غيرت فستاني الأزرق، وشيلت قبعة التخرج وحطيتها فوق التلفزيون القديم، وجنبها الشهادة.

تليفون آدم ما بطلش رن. أصحابه في المدرسة، المدرسين، وحتى أرقام غريبة ما يعرفهاش. الفيديو اللي زمايله صوروه وهو بيتكلم في المايك وينزل من على المسرح يجيلي، كان بدأ يتسرب على جروبات المدرسة والمنطقة. وفجأة، تليفوني أنا اللي رن. الشاشة نورت باسم “رامي”. بصيت للتليفون وكنت هكنسل، بس نجلاء قالتلي: “افتحي عليه يا مريم، اسمعي هيقول إيه بعد الفضيحة دي.” فتحت الخط ووقفت بعيد عن آدم. صوت رامي كان بيرتعش، مش من الحزن، من الغضب والكبرياء المجروح.

“عاجبك اللي ابنك عمله ده يا مريم؟ خليتي الواد يفضاحنا قدام مجتمعنا كله؟ داليا من ساعة ما رجعنا وهي منهارة وقافلة على نفسها، وأصحابنا كلهم بيكلموني يسألوني إيه المهزلة اللي حصلت دي!” رديت عليه بكل هدوء وثبات، الهدوء اللي بيجي بعد النصر: “ابنك عمل اللي تربيته نظيفة تخليه يعمله يا رامي. ابنك شاف أمه بتتهان في يوم نجاحه، فقرر يرجع لها حقها. إنت ومراتك اللي اخترتوا تخلوا الكراسي أهم من الأصول، فذوقوا بقى نتيجة اختياركم.”

رامي صرخ: “أنا هحرمه من كل حاجة! الشقة اللي باسمه هرفع قضية وأرجعها، ومش هيدخل الجامعة اللي كان بيحلم بيها على حسابي!” وقبل ما أرد، لقيت إيد آدم امتدت وسحبت التليفون من إيدي بالراحة. حط التليفون على ودنه وقال بلهجة حاسمة وباردة لدرجة تخوف:

“اسمعني كويس يا رامي بيه. الشقة دي إنت كاتبها بيع وشراء نهائي، ولو حاولت تقرب منها، المحامي بتاعنا هيكون عندك بكره بالوصولات القديمة للنفقة اللي إنت ما دفعتهاش وتنازلنا عنها بمزاجنا. أما الجامعة، فأنا مقبول فيها بمنحة كاملة من شهرين ومش محتاج منك جنيه واحد. من النهارده… أنا اسمي آدم مريم السيوفي، والاسم ده هو اللي هيتكتب في شهادة التخرج الكبيرة.” وقبل ما رامي ينطق بكلمة، آدم قفل السكة في وشه، وعمل للرقم “بلوك”. لف ليا وابتسم، الابتسامة الصافية اللي بحبها. وقال:

“أنا جعان يا أمي… مش هتعمليلنا رز وفراخ من بتاعة زمان؟” ضحكت ودموعي نزلت، ودخلت المطبخ وأنا حاسة إن بكرة مش مجرد يوم جديد… بكرة ده بداية عصر جديد لينا إحنا الاتنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى