منوعات

الفيزا بتاعتى ١ حكايات رومانى مكرم

خطيبي كلمنى وطلب مني “باسورد” الفيزا بتاعتي، وعلى كلامه عشان “يوفّر” عليا مشوار البنك كل شهر ويسحبلي المرتب ويجيبهولي لحد البيت؟ أنا بصراحة رفضت، لكن بعدها لقيت أمه بتكلمني وبتقولي: “إنتي كده مش مأمّنة لابني، وإحنا عندنا الست ما بتمسكش قرش في إيدها طول ما في راجل في البيت”. أول مرة طلب فيها الرقم السري للفيزا، كنت قاعدة في أوضتي، والمروحة القديمة بتطلع صوت مزعج فوق دماغي، وأنا بعدّ باقي المرتب اللي نزل من شغلي في شركة الأدوات الطبية.

كان الليل ساكت بشكل غريب… لحد ما موبايلي رن. “حبيبتي… ابعتيلي الباسورد بتاع الفيزا.” صوته كان هادي زيادة عن اللزوم. ضحكت باستخفاف وأنا فاكرة إنه بيهزر. “ليه يعني؟” رد بسرعة: “عشان أوفّر عليكي تعب البنك كل شهر… أنا أصلاً بعدي من هناك وأنا راجع من الشغل. أسحب المرتب وأجيلِك بيه لحد البيت.” الكلام كان المفروض يطمني… لكن حاجة جوايا اتقبضت. قلت وأنا بحاول أخلي صوتي طبيعي: “لا يا حازم… أنا متعودة أروح بنفسي.” سكت ثانيتين. ثانيتين كاملين حسّيت فيهم إن فيه حد بيبصلي من ورا شاشة الموبايل.

بعدها ضحك الضحكة اللي دايمًا بيستخدمها لما يتضايق ويحاول يخبّي. “هو أنا غريب عنك؟” بلعت ريقي. “أكيد لا… بس دي فلوسي وشغلي وأنا بحب أرتب أموري بنفسي.” المكالمة خلصت ببرود. برود أول مرة أحسه بينا من ساعة الخطوبة. وفي أقل من نص ساعة… تليفوني رن تاني. أمه. رديت باحترام: “أيوه يا طنط.” جالي صوتها الحاد فورًا: “إنتي زعلتي حازم ليه؟” اتخضّيت. “أنا؟ ماحصلش…” قاطعتني: “الولد طلب منك طلب بسيط. إنتي هتبقي مراته. يعني مالك ماله.”

حكايات رومانى مكرم حاولت أشرح بهدوء: “يا طنط الموضوع مش موضوع ثقة…” لكنها ما سابتنيش أكمل. “إحنا عندنا الست ما بتمسكش قرش في إيدها طول ما في راجل في البيت.” الجملة نزلت عليا زي الكف. بصّيت حواليا في أوضتي الصغيرة… الدولاب القديم… شهادة الجامعة اللي تعبت عشانها… سنين الشغل الإضافي… المواصلات… المرتب اللي كنت بحوش منه جنيه فوق جنيه عشان أساعد أبويا بعد مرضه. وفجأة حسّيت إن كل ده بيتسحب مني بكلمة واحدة: “الراجل يمسك الفلوس.”

قلت بصوت متوتر: “بس أنا متعودة أعتمد على نفسي.” ردت بضحكة باردة: “واضح إن والدتك مربياكي على العند.” وقبل ما أرد… قفلت السكة في وشي. — اليوم اللي بعده، حازم ما كلمنيش. ولا حتى رسالة. دخلت واتساب لقيته “أونلاين” لكن بيتجاهلني. كل ما أبعت كلمة… يشوف ومايردش. وفي الليل، أختي الصغيرة ريم دخلت أوضتي وهي ماسكة طبق فشار. “مالك؟” قلت بكذب: “مفيش.” قعدت جمبي وبصتلي بنص عين. “هو ابن خالتك ده مريحكِش.” ضحكت غصب عني. “مش ابن خالتي.”

“أهو أي زفت.” سكت شوية… بعدين قالت الجملة اللي فضلت تلف في دماغي طول الليل: “الراجل اللي يطلب منك الباسورد دلوقتي… هيطلب منك إيه بعد الجواز؟” ماعرفتش أرد. لأن الحقيقة… إني كنت بسأل نفسي نفس السؤال. — بعد يومين، حازم جه البيت فجأة. أمي فرحت بيه ودخلته الصالون، لكن أول ما قعدت قدامه حسّيت إن ملامحه متغيرة. وشه ناشف. عينيه مليانة ضيق. قال مباشرة: “إحنا لازم نفهم بعض.” كنت ماسكة كوب الشاي بإيدي الاتنين. “اتفضل.”

اتنهد بضيق: “أنا راجل شرقي… ومابحبش الست اللي تخبي عن جوزها حاجة.” رفعت حاجبي بدهشة. “دي بيانات بنكية… مش أسرار.” مال لقدام وهو بيخفض صوته: “يعني مش مأمنالي؟” “الثقة مش معناها أديك الباسورد.” ساعتها حصل شيء غريب. وشه اتقلب فجأة. كأن القناع وقع. ابتسم ابتسامة صغيرة مرعبة وقال: “طيب… افتحي موبايلك.” اتجمدت. “ليه؟” “أشوف بس فيه إيه مخبياكي كده.” ضحكت بعدم تصديق. “إنت بتهزر؟” لكنه ماكانش بيهزر. مد إيده فعلًا. “هاتيه.” قلبي بدأ يدق بعنف. أمي كانت في المطبخ. البيت هادي. وصوت الساعة فوق الحيطة كان عالي بشكل مستفز.

قلت بحزم: “لا.” لأول مرة… شافته عيني بيتعصب بجد. قبضته اتقفلت. وعروقه ظهرت في رقبته. لكن في ثانية… رجّع ابتسامته المصطنعة وبص ناحية باب المطبخ عشان محدش ياخد باله. وقام وقف فجأة. “براحتك يا سارة… بس خليكي فاكرة إن الجواز مشاركة.” ومشي. لكن قبل ما يخرج… نسي موبايله على الكنبة. ناديت عليه من البلكونة… كان ركب عربيته وتحرك بسرعة كأنه هربان. بصّيت للموبايل اللي سايبه. الشاشة نورت فجأة برسالة جديدة. ومن غير قصد… عيني وقعت عليها.

#الكاتب_رومانى_مكرم “متقلقش… بعد الجواز هتبقى كل حساباتها تحت إيدك.” المرسِل كان محفوظ باسم: “ماما ” لكن اللي خلّى الدم يتجمد في عروقي… ماكانش الرسالة. كان الإشعار اللي ظهر فوقها مباشرة من تطبيق البنك: “تم رفض محاولة إضافة مستفيد جديد بسبب خطأ في كلمة المرور.” وو دخلت الغرفة والخطوات كأنها فوق مسامير. الهاتف في يدي يهتز مع كل دقة من دقات قلبي.

جلست على حافة السرير، والمروحة القديمة لا تزال تطلق صوتها المزعج، لكنه هذه المرة كان يبدو كأنه صراخ مكتوم. نظرت إلى شاشة هاتف حازم مرة أخرى. الإشعار لم يختفِ: *”تم رفض محاولة إضافة مستفيد جديد بسبب خطأ في كلمة المرور.”* كان يحاول اختراق حسابي البنكي بالفعل! لم يكن الأمر مجرد “توفير مشوار” أو “عرض مساعدة”، بل كانت محاولة سرقة مع سبق الإصرار والترصد، وبتشجيع كامل من والدته. انتبهت على صوت أمي وهي تخرج من المطبخ حاملة صينية العشاء:

“أومال فين حازم يا سارة؟ مشي بسرعة ليه؟” حاولت حبس الدموع في عيني، وابتلعت الغصة التي خنقت حنجرتي. “افتكر مشوار مهم يا ماما، ونسي تليفونه.” وضعت الهاتف في جيبي، وشعرت بثقله كأنه قنبلة موقوتة. لم أخبر أمي بشيء؛ فأبي مريض ولا يتحمل أي ضغط عصبي، وأمي طيبة لدرجة قد تجعلها تبحث له عن مبررات لتهدئة الوضع. في تمام الساعة الحادية عشرة مساءً، رن جرس الباب بعنف. فتحت الباب لأجده واقفاً، يلهث، والتوتر ينضح من كل مسام وجهه. لم ينظر حتى في عيني، بل قال مباشرة وعيناه تفحصان الصالة:

“أنا نسيت تليفوني هنا.” مددت يدي بالهاتف دون أن أنطق بكلمة. أخذه بسرعة، ونظر إلى الشاشة فوراً ليرى إن كنت قد فتحته. في تلك اللحظة، رأى النظرة في عيني… نظرة عرف منها أن القناع قد سقط تماماً ولم يعد هناك مجال للتمثيل. تغيرت ملامحه تماماً، واختفت ابتسامته المصطنعة، وحل محلها برود مخيف. اقترب خطوة خطوة حتى أصبح يفصل بيني وبينه إنشات قليلة، وقال بصوت منخفض وحاد كالس*كين: “شُفتي الرسالة صح؟” لم أتحرك من مكاني، ورغم الرعب الذي كان يجتاحني، استجمعت كل قوتي وقلت:

“وشفت إشعار البنك كمان يا حازم. كنت عايز تسرقني؟” ضحك ضحكة صفراء قصيرة، ثم مال عليّ وقال بنبرة تهديد: “أسرقك؟ إنتي هبلة؟ أنا كنت بأمن مستقبلنا. الفلوس دي كانت هتدخل في مشروع باسمي عشان نعرف نتجوز بسرعة. وبعدين إنتي ممتلكاتك كلها هتبقى بتاعتي، ده الشرع والعرف.. وأمي عندها حق، الست اللي ترفض تدي جوزها مالها تبقى مش مأمناله ولا تلزمه.” في تلك اللحظة، ظهرت ريم أختي الصغيرة من خلفي، وكانت قد سمعت الجمل الأخيرة. وقفت بجانبي وقالت بجرأة:

“واللي يمد إيده على حاجة مش بتاعته ومن ورا صاحبها يبقى اسمه إيه يا حازم؟” التفت إليها وعيناه تتطاير منهما الشرار، وكان على وشك أن يرفع صوته، لكن خروج والدي المتعب من غرفته وهو يستند على عصاه جعله يتراجع. نظر إليّ حازم نظرة أخيرة، مليئة بالغل والتوعد، وقال وهو يتراجع نحو الباب: “ماشي يا سارة… تليفون والدتي هيرن عليكي كمان شوية، وإنتي اللي هتيجي تبوسي إيدي عشان نكمل الجوازة دي، وهتشوفي مين فينا اللي هيمشي كلامه في الآخر.”

أغلق الباب خلفه بقوة كادت تخلعه من مكانه. تنفست الصعداء، لكن تحذيره الأخير لم يكن مجرد تهديد عابر. لم تمر سوى ربع ساعة، حتى اهتز هاتفي في يدي. لم تكن والدته… بل كان رقم “رئيس مجلس إدارة شركة الأدوات الطبية” التي أعمل بها، والرجل الذي يعتبر حازم أحد أقاربه من الدرجة الثانية، وهو نفس الشخص الذي توسط لي لأحصل على هذه الوظيفة. أجبت برعب: “أيوة يا فندم..” جاءني صوته جافاً وخالياً من أي مقدمات:

“أستاذة سارة… بخصوص العجز اللي ظهر في جرد المخازن الأسبوع اللي فات، جالي تقرير حالاً بيفيد إن التوقيع المستلم للشحنة الناقصة هو توقيعك إنتي.. بكره الصبح مشوفكيش في مكتبك، إنتي موقوفة عن العمل لحد ما التحقيق يخلص، ويا ريت تجهزي مبلغ العجز عشان متدخلش في ق*ضية خيانة أمانة.” تجمدت في مكاني، بينما رن هاتف أمي في نفس اللحظة، وكان صوت والدة حازم يصيح عبر مكبر الصوت ليصل إلى مسامعي: “قولي لبنتك المسترجلة اللي فاكرة إنها تقدر تقف في وش الرجالة… إن ابني يقدر يهد مستقبلها في دقيقة واحدة!”

واحدة!”  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى