## الجزء الرابع: لغز الصندوق الحديدي تراجعتُ أنا وليلى إلى الخلف حتى التفتت ظهورنا بالجدار، وأنفاسنا تكاد تتوقف من فرط الرعب. الظل الطويل الذي دخل من باب الشقة لم يكن حسام.. كان رجلاً غريبًا بملامح حادة، يمسك في يده كشافًا صغيرًا يوجه ضوءه نحو الأرض بخطوات مدربة. وقبل أن يلمحنا في ظلام الصالة، سحبتُ ليلى من يدها بقوة واندفعنا داخل غرفة النوم، وأغلقتُ الباب خلفنا ببطء شديد دون أن أصدر أي صوت، وقمت بقفله بالمفتاح.
أمسكتُ ليلى من كتفيها وهمستُ في أذنها وعينيَّ تتسع من الخوف: — “مين ده؟ ومنين جاب مفتاح الشقة؟” كانت ليلى ترتعش كالعصفور، وضعت يدها على فمها لتكتم بكاءها وقالت بصوت مبحوح: — “مش عارفة.. مش عارفة! بس حسام كان دايماً يقول إن في ناس ليهم فلوس كتيرة عنده، وإنهم لو وصلوا لحاجة معينة في البيت.. حياتنا كلنا هتنتهي.” — “حاجة إيه؟” سألتها وأنا أشعر بالدوار. التفتت ليلى فجأة نحو الدولاب، ونظرت إلى نفس المكان الذي سقط منه الظرف الأبيض، وقالت بكلمات متلعثمة:
— “ورا الدولاب.. مش بس الجواب يا ندى. حسام كان مخبي صندوق حديد صغير، قالي لو حصل له حاجة لازم آخده وأهرب.. هو ده اللي مخليه يبعتني هنا، هو كان فاكر إنك مش هتشكي فيا وهعرف آخده من غير ما تحسي!” في تلك اللحظة، سمعنا مقبض باب غرفة النوم يتحرك بعنف من الخارج. الرجل الغريب يحاول فتح الباب! بدأ يضـ,ـرب الباب بكتفه بقوة، وصوت الخشب وهو يتشقق كان يملأ المكان رعباً. لم يعد أمامي وقت للتفكير. تذكرتُ فجأة أن حسام لديه طبنجة مرخصة يحتفظ بها في درج المكتب السري في الصالة، لكن المكتب خارج الغرفة.. والرجل يقف خلف الباب مباشرة!
نظرتُ إلى ليلى، ثم إلى النافذة التي تطل على منور العمارة، وقلت لها وعقلي يعمل بأقصى سرعة: — “ليلى.. مفيش وقت، لازم نثق في بعض دلوقتي لو عايزين نطلع عايشين. أنا هفتح الباب ده، وأول ما يندفع لجوه، إنتِ اضـ,ـربيه بأي حاجة تقيلة، وأنا هجري على المكتب أجيب سلاح حسام!” هزت ليلى رأسها بالموافقة وهي تمسك بأباجورة نحاسية ثقيلة كانت بجوار السرير، وعيناها تحولتا فجأة من الخوف إلى شراسة امرأة تدافع عن حياتها. وقفتُ خلف الباب، وضعت يدي على المفتاح، وبأعلى صوت عندي صرخت: “أنا هفتح.. متكسرش الباب!”
أدرتُ المفتاح بسرعة وفتحتُ الباب.. فاندفع الرجل إلى الداخل بغضب، وفي نفس اللحظة رفعت ليلى الأباجورة بكل قوتها وهوت بها على رأسه من الخلف. سقط الرجل على الأرض وهو يصرخ ممسكاً برأسه، واستغللت أنا الفرصة واندفعت نحو الصالة كالسهم. وصلتُ إلى المكتب، فتحتُ الدرج السري وأخرجت السلاح.. لكن قبل أن ألتفت لأعود إلى الغرفة، أضاءت شاشة هاتفي الملقى على الطاولة. كانت هناك رسالة جديدة وصلت للتو من حسام.. لكن هذه المرة، لم تكن موجهة لليلى، بل كانت موجهة إليّ أنا!
فتحتُ الرسالة برعب وأنا أتنفس بصعوبة، لتقع عيني على سطر واحد جعل الدماء تتجمد في عروقي تماماً: “ندى.. ليلى مش ضحية، ليلى هي اللي سرقت فلوس الناس دي وبتمثل عليكِ.. الصندوق اللي ورا الدولاب فيه ورق يدينك إنتِ.. هي دخلت بيتي عشان تلبسك القضية وتتحامى فيكِ.. متثقيش فيها!” وقفتُ في منتصف الصالة المظلمة، السلاح في يدي، وعيني معلقة بالرسالة.. وفي تلك اللحظة، سمعتُ خطوات هادئة تخرج من غرفة النوم.
التفتُّ ببطء.. لتظهر ليلى واقفة عند عتبة الباب، ملامح الخوف والانهيار اختفت تماماً من وجهها، وكانت تمسك في يدها الصندوق الحديدي الصغير، وبندقية صيد صغيرة كانت تخص حسام أيضاً ولم أكن أعلم بوجودها! ابتسمت ليلى ابتسامة باردة، وقالت بصوت مختلف تماماً عن الذي حدثتني به طوال اليومين الماضيين: — “تفتكري حسام هيلحق ينقذك بالرسالة دي يا ندى؟” **لمتابعة الأحداث.. انتظروا الجزء الخامس.** **بقلم: الكاتب رومانى مكرم** ## الجزء الخامس: لعبة الأقنعة
صوت ليلى الهادئ والبارد كان يتردد في أركان الصالة المظلمة ليصيبني بشلل مؤقت. السلاح في يدي بدا ثقيلاً، والرسالة على شاشة هاتفي كانت تصرخ بالتحذير: *”ليلى هي اللي سرقت… متثقيش فيها!”* نظرتُ إلى الرجل الغريب الذي كان ملقى على الأرض منذ لحظات؛ وجدته يبدأ في التحرك ببطء، لم يكن مغمى عليه تماماً، بل كان يحاول النهوض وهو يئن. ليلى لم تنظر إليه حتى، كانت كل عيونها مركزة عليّ وعلى الصندوق الحديدي الذي تحكم قبضتها عليه.
تراجعتُ خطوة للخلف، ورفعتُ سلاح حسام بيد ترتعش: — “أنتِ مين؟ وحسام فين بالظبط؟” ضحكت ليلى ضحكة خفيفة مكسورة بالغل، وتقدمت خطوة: — “حسام؟ حسام دلوقتي بيحاول ينقذ نفسه في المطار، وبيبكتلك الرسالة دي عشان يشغلنا ببعض لحد ما يهرب بالفلوس اللي فاضلة! حسام فھّمك إني مرات صاحبه، وفھّمني إنك أخته الكبيرة اللي عايشة معاه في البيت عشان يطمنّي! إحنا الاتنين اتلعب بينا يا ندى.. بس الفرق إني مسمحتلوش يضيعني.” — “والراجل اللي جوه ده؟ والسرقة؟” صرختُ فيها وأنا أحاول ألا أنظر للرجل الذي بدأ يقف على قدميه في الظلام خلفها.
ليلى أشارت بالبندقية نحو الصندوق: — “الراجل ده تبع الناس اللي حسام نصب عليهم في بلدنا.. جم وراه لحد هنا. والصندوق ده؟ ده مش ورق يدينك أنتِ زي ما حسام كاتبلك عشان يخوفك مني.. الصندوق ده فيه عقود البيع والشراء والشيكات اللي حسام مضى عليها باسمك أنتِ! حسام كان بيمضي غيابي بتوكيل منك عشان لو اللعبة اتكشفت، تلبسي أنتِ القضية وتدخلي السجن مكانُه وهو يهرب برا البلد!” شعرت بطـ,ـعنة في ظهري. حسام؟ جوزي اللي عشت معاه أربع سنين بصدقه وبأمن له على حياتي؟ يستخدم التوكيل اللي عملتهوله عشان يرميني في السجن؟
فجأة، اندفع الرجل الغريب من خلف ليلى وحاول خطف البندقية من يدها. دارت بينهما معركة عنيفة في ممر الغرفة، وانطلقت رصاصة طائشة من البندقية لتصيب زجاج النيش وتطحنّه في الفراغ بصوت مرعب. في تلك اللحظة من الفوضى، انتبهتُ لصوت حركة بالخارج.. صوت سيارة شرطة تقترب من أسفل العمارة، وسرعان ما سمعت صوت خطوات سريعة تصعد السلم وصياح جيراننا في الخارج. ليلى تمكنت من دفع الرجل بقوة ليسقط على قطع الزجاج المتناثرة، والتفتت إليّ وعيناها تلمعان برعب حقيقي هذه المرة:
— “الشرطة جاية.. وحسام بلغ عن الشقة عشان نتقبض إحنا الاتنين ويقفل الملف وراه! لو الورق ده وقع في إيدهم، أنتِ اللي هتضيعي يا ندى!” وقفتُ في مكاني، مذهولة بين تصديق ليلى أو تصديق رسالة حسام.. الشرطة تخبط على الباب بعنف الآن، والصندوق الحديدي ملقى على الأرض بيني وبين ليلى، وكل منا يملك سلاحاً. **لمتابعة الأحداث.. انتظروا الجزء السادس.** **بقلم: الكاتب رومانى مكرم** ى مكرم**
