وقع محمود في مكانه على الكرسي، والورق في إيده زي الجمر. الموظفين اللي كانوا من دقيقة بيباركوا له على جوازه القريب من نيرمين، بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني ونظرات القرف والهمس مالي المكان. نيرمين نفسها خطفت الورقة من إيده، عينيها كانت بتتحرك بسرعة بين السطور، وبمجرد ما شافت الختم ونسبة التطابق، رمت الورقة في وشه وقالت بزعيق وهستيريا: “تلاتة؟! إنت مدبسني في جوازة ورايح تخلف تلاتة؟! وكمان طالع تتبلى على طليقتك وتعمل فيها ضحية وأنت العيب فيك وفي تسرعك؟!”
سابته ومشيت وهي بتطوح رجليها من الغضب، والشركة كلها بقت بتتكلم عن “الأستاذ محمود” اللي رمى مراته الشريفة وهي حامل في تلات توائم عشان يظلمها. في المستشفى، كنت قاعدة على السرير، ساندة ظهري وسامعة صوت نفس ولادي التلاتة في الأوضة بعد ما خرجوا من الحضانة. أمي كانت قاعدة جنبي بتسقيني شوربة دافية، وأخويا دخل وعينيه بتلمع بالنصر، وحكى لي على كل اللي عمله في الشركة. تنهدت براحة.. الراحة اللي بتيجي بعد القهر، الراحة اللي بتثبت للعالم كله إن ربنا ما بيسيبش مظلوم.
تاني يوم الصبح، الباب بتاع الأوضة خبط بالراحة. دخل محمود.. ملامحه كانت دبلانة، قميصه مكرمش، وعينيه حمرا من قلة النوم. خطى خطوتين لجوا وهو باصص في الأرض، ومش قادر يرفع عينه في عيني. أخويا وقف وصدّه: “رِجلك ما تخطيش خطوة زيادة هنا.. أنت إيه اللي جابك؟” محمود اتكلم بصوت مخنوق ودموعه نزلت: “أنا أسف.. والله العظيم أنا كنت غبي، الدكتور كان قالي فعلاً إن النتيجة مش فورية بس الشيطان عماني.. نيرمين فضلت تزقني وتقولي مستحيل ومستحيل.. أنا لحمي ودمي يا آية.. سمحيني.”
بصيت له ببرود تام.. البرود اللي بيجي بعد ما الوجع يمـ,ـوت جوه القلب. قلت له بنبرة هادية بس قوية زلزلت كيانه: “أنت ما ظلمتنيش أنا بس يا محمود.. أنت ظلمت العيال دي، ورميتني في وقت كنت بغير لك فيه على الجرح. بعتني بورقة على المخدة، ووشوشت في ودن الجيران إن سُمعتي مش تمام. ودلوقتي راجع؟ عشان عرفت إنهم تلاتة وصبيان والـ DNA فضحك؟” قرب وحاول يمسك إيدي وهو بيبكي: “أبوس إيدك يا آية، بلاش نخرب بيتنا.. أنا مستعد أكتب لك الشقة باسمك، وأعمل كل اللي تطلبيه، بس بلاش تحرميني من ولادي وتفضحينا قدام الناس.”
سحبت إيدي منه بمنتهى القسوة وقلت له: “بيتنا اتخرب يوم ما سيبت الأوضة وريحة برفيومك اختفت، ويوم ما سيبتلي ورقة بتقول فيها إني خاينة. الشقة حقي وحق عيالي بالقانون، والمحكمة هي اللي هتجيب لي كل مليم، مش منة منك أخويا مسكه من دراعه وزقه لبرة الأوضة: “اطلع برة.. ملكش مكان هنا، والورقة بتاعت طلاقها توشك وتوصل لك.. يا أستاذ محمود.” خرج محمود وهو بيجر ذيول الخيبة، وعرف إن الغلطة اللي عملها مش هتتصلح بكلمتين، وإن خسارته لآية ولأولاده التلاتة بقت حقيقة واقعة.
مرت الأيام، ورجعت بيتي مع أمي وأخويا، شيلت اسم محمود من حياتي تماماً بس ثبتّه في شهادات ميلاد ولادي تامر، وكريم، وزياد.. وبقيت ببص لهم كل يوم الصبح وأنا عارفة إن الأيام اللي جاية مش سهلة في تربية تلاتة لوحدي، بس اليقين اللي جوايا كان بيقول إن اللي نصرني في أول الطريق، مش هيسيبني في آخره. مرت الأيام وبقيت الأمور في بيتي هادية، لكن برة بيتي كانت الدنيا مقلوبة على محمود.
أخويا ما سكتش، وبموجب ورق الـ DNA وشهادات الميلاد، رفعنا قض*ية نفقة وقض*ية طلاق للضرر. المحامي بتاعنا اشتغل بقلب، وفي أول جلسة، القاضي لما شاف المستندات وشاف إن الزوج اتهَم مراته في شرفها وسابها وهي حامل في تلات توائم وراح خطب واحدة ثانية، حكم لي بنفقة محترمة جداً للولاد، وحكم بتمكيني من الشقة فوراً كحاضنة، وألزم محمود بدفع مصاريف الولادة والمستشفى كاملة. محمود لقى نفسه فجأة مديون للمحكمة بمبالغ ضخمة، والشقة اللي دفع فيها شقى عمره بقيت أنا وولاده قاعدين فيها بقوة القانون، وهو مش عارف يدخلها.
أما في شغله، فالسيرة السيئة لحقته في كل مكان. مدير الشركة لما عرف بالفضحة والورق اللي اترمى على المكتب، استدعاه وقال له كلمتين في جنابه: “إحنا شركة محترمة يا أستاذ محمود، واللي ما يصونش بيته وعرضه ولحمه ودمه، ما نؤمنوش على شغلنا.” ونقلوه لفرع تاني أصغر وفي مكان بعيد بمرتب أقل، كنوع من العقاب غير المباشر عشان يطفشوه.
نيرمين لما لقت المركب بتغرق، وإن محمود بقى مديون، وسمعته في الأرض، ومرتبه قل، والشقة اأتاخدت منه، وإنه بقى مطالب بمصاريف تلات عيال… لفت وشها الناحية التانية. في يوم واحد، بعتت له دبلته في كيس أسود مع عامل الدليفري في الشركة، وكتبت له رسالة: “كل شيء قسمة ونصيب، أنا ميرضينيش أعيش مع راجل مشاعره متوزعة ومشاكله مابتخلصش”. محمود بقى عامل زي المقطوع من شجرة.. لا طايل آية وبيته القديم، ولا طايل نيرمين والمستقبل اللي رسمه على وهم، وفوق كل ده، نظرة الاحتقار في عين أهله وأصحابه كانت بتاكله صاحي.
في يوم، كنت واقفة في البلكونة بهوي هدوم العيال، ولمحت عربية نص نقل واقفة تحت البيت. كان محمود واقف مع عمال بيلموا لبسه وحاجته الشخصية اللي أخويا طلعها له في كرتين وشنط سفر بعد حكم التمكين. محمود رفع عينه وشافني واقفة في البلكونة.. كانت نظرة مكسورة، مليانة ذل ورجاء، كأنه بيستعطفني بنظراته إني أنزل أو أقول له كلمة تبل ريقه. بصيت له بثبات، ومسكت الفوطة اللي في إيدي نفضتها بقوة قدام وشه، ودخلت وقفت البلكونة ورايا… الحركة دي كانت بمثابة رصاصة الرحمة على أي أمل كان جواه إني ممكن أحن له في يوم من الأيام.
دخلت الأوضة، لقيت تامر وكريم وزياد بيتحركوا في السراير الصغيرة بتاعتهم ويبتسموا وهم نايمين. قعدت وسطهم وحسيت بمسؤولية كبيرة بتطب على كتفي.. التربية لوحدي مش هتبقى سهلة، والمصاريف والسهد والتعب هيهدوا حيلي، بس كل تعب فيه كرامة، أهون بمليون مرة من عيشة مع راجل كان ممكن يبيعني عند أول محطة…
مرت السنتين الأوائل من عمر التوائم الثلاثة، تامر وكريم وزياد، وكأنهم ماراتون طويل ومجهد. البيت ما كانش بيسكت؛ صراخ، عياط، تغيير حفاضات، وتحضير رضعات بالتبادل. لولا وجود أمي معايا وصبرها، وأخويا اللي كان شايل عني مشاوير الدكاترة والصيدليات، كنت هقع من طولي. بس النتيجة كانت قدام عيني: تلات صبيان زي الورد، بدأوا يمشوا ويتكلموا، ويملا البيت بضحكتهم.
في المقابل، محمود كان عايش في دوامة تانية خالص. النفقة اللي المحكمة فرضتها عليه كانت بتقطم ظهره كل شهر، ومع مرتبه اللي قل بعد نقله للفرع البعيد، بقى يدوب بيكفي مصاريف سكنه الإيجار وأكله وشربه بالعافية. كان بيحاول بكل الطرق إنه يشوف الولاد برة المحكمة، يبعت رسايل لأخويا، يتوسط عند قرايبنا، بس ردنا كان واحد وثابت: “عايز تشوفهم؟ الرؤية في النادي الاجتماعي بقوة القانون.. ساعة واحدة في الأسبوع.. ومفيش خروج بيهم.”
في يوم الرؤية الأول، روحت النادي وأنا ماسكة إيد تامر وزياد، وأخويا شايل كريم. قعدنا على التربيزة، ومحمود جه من بعيد.. كان باين عليه العجز والبهدلة، شعره الأبيض زاد، وهدومه مش بنظافة ولا شياكة زمان لما كنت بغسلها له وأكويها بإيدي. أول ما شاف الولاد، عينه لمعت بالدموع وجري عليهم: “يا حبايب بابا.. تعالوا في حضني.” الولاد استخبوا ورايا وورا أخويا وخافوا منه.. هما ما يعرفوش الراجل ده، بالنسبة لهم ده شخص غريب. نظرة الخوف في عيونهم دبـ,ـحته، وبصلي بحسرة وقال: “حرام عليكي يا آية.. مطلعاهم ما يعرفونيش؟”
رديت عليه ببرود وثبات زلزلوا الأرض تحت رجليه: “أنت اللي اخترت يا محمود. اخترت تسيب البيت الساعة ستة الصبح وتسيب ورقة تتهمني فيها بشرفي. متوقع إيه؟ يجوا يجروا عليك؟ احمد ربنا إننا بنفذ حكم الرؤية وبنشوفك أصلاً.” قعد على الكرسي وهو بيحاول يديهم لعب وشيكولاتة عشان يقربهم منه، والولاد بدأوا ياخدوا عليه بحذر. كان بيبص لي بحنين وندم حقيقي، وقال بصوت واطي: “نيرمين سابتني يا آية.. اتخلت عني أول ما وقعت. أنا عرفت قيمتك وقيمة وقفتك جنبي.. أنا مستعد لأي شرط.. أرجوكي ارجعي لي ونربي العيال دي سوا.”
ضحكت ضحكة خفيفة مفيش فيها أي مشاعر وقلت له: “نيرمين سابتك لأنها لقتك ورقة محروقة، وأنا مش بديل ليها ولا استبـن لما خطتك تفشل ترجع لي. أنت خرجت من حياتي ومن قلبي بلا رجعة. ركز في دفع النفقة وبس.” خلصت ساعة الرؤية، ولميت العيال وألعابهم ومشينا، وسيبناه قاعد على الكرسي لوحده، بيبكي وندمه مش هيفيده بحاجة. بعد المشهد ده بشهرين، وأنا بدأت أتعافى تماماً وبدأت أعمل مشروع صغير من البيت لتصميم وتنسيق الديكورات أونلاين عشان أأمن مستقبل أولادي بعيد عن نفقة محمود.. تليفوني رن برقم غريب.
رديت، لقيت صوت واحدة ست بتعيط وبتتكلم بنبرة كلها رعب: “مدام آية؟ الحقيني يا بنتي.. أنا والدة محمود.. محمود عمل حادثة قاسية بالعربية وهو راجع من شغله على الطريق الصحراوي.. وهو دلوقتي بين الحياة والمـ,ـوت في الرعاية المركزة.. وبيخرف باسمك واسم العيال.. أرجوكي يا بنتي سامحيه وتعالي شوفيه.. يمكن تكون دي نهايته…!”