general

الشقه الجديده ٢

دخلت البلكونة ووقفت ورا الشيش أراقبهم من بعيد. شفت توفيق وهو شايل الشنطة الكبيرة ومجرجرها ورا أمه والغل بياكله، والصنايعية واقفين على أول الشارع بيبصوا عليهم وبيتوشوشوا. الإحساس بالانتصار كان مالي قلبي، لأول مرة أحس إني بتنفس هوا نضيف مش ملوث بطلباتهم اللي مابتخلصش.
دخلت قفلت الشيش، ودخلت المطبخ عملت لنفسي كوباية شاي محترمة، وقعدت في الصالة وبدأت أخطط للي جاي. أنا عارفة توفيق كويس، وعارفة إن أمه مش هتسيبه يهدى، وهيقلبوا الدنيا عليا.. بس المرة دي أنا مش هكون الضحية.
على الساعة حداشر بالليل، لقيت تليفوني بينور تاني.. المرة دي مش توفيق، ده كان حماتي بس بتبعت رسايل صوتية ورا بعض على الواتساب. فتحت أول رسالة، وطلعلي صوتها المبحوح من كتر الصراخ وهي بتقول
ماشي يا أميرة.. بقيت تبلطجي علينا وتطردي ابني من شقته؟ وحياة أمي لاهخلي أيامك سودا، وتوفيق هيطلقك ويرميكي رمية الكلاب، والشقة دي هناخدها منك بالقانون ورجلك فوق رقبتك!
مسكت التليفون بكل برود، ودست على زرار تسجيل الصوت، وقولت بنبرة هادية وثابتة
أولاً يا حماتي، الشقة دي باسمي ومكتوبة في العقود تبع إسكان الشباب ببياناتي أنا، يعني القانون معايا مش معاكي. ثانياً، ابنك هو اللي قالي روحي بيت أبوكي، وأنا منفذتش كلامه، أنا قعدت

في بيتي وبعتله هدومه عشان يبرّ بيكي ويقعد تحت رجلك زي ما أنتي عايزة. فرجني بقى بناتك الهوانم هيعملولك إيه بكرة في الشقة والعفش.. تصبحي على خير.
عملت بلوك لرقمها، ورقم أخواته، ورقم توفيق كمان! قفلت كل الأبواب اللي ممكن يجيلي منها وجع دماغ، وقررت إن الليلة دي هنام وأرتاح.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت رزع وخبط جامد تحت في الدور اللي تحتيا. طلعت البلكونة وبصيت، لقيت عربية العفش بتاعة حماتي وصلت، والعمال بيقشطوا العفش وينزلوه، وياسمين وشيماء أخواته واقفين في الشمس وعرقانين، ولابسين لبس الشغل والتراب مالي وشوشهم!

حماتي كانت واقفة تزعق وتوجّه العمال، وتوفيق واقف على جنب وشه أسود من كتر النكد والهم، وعينيه باصة لفوق ناحية بلكونتي وهو هيموت من الغيظ.
وقفت في البلكونة بكل شياكة، ماسكة كوباية النسكافيه بتاعتي، وبصيت عليهم من فوق لتحت بابتسامة نصر، وقولت بصوت مسموع وواضح
خطوة عزيزة يا جماعة! منورين العمارة الجديدة.. شدوا حيلكم بقى في المسح والفرش، الشقة محتاجة مجهود، وبناتك بسم الله ما شاء الله صحتها مساعدة أهي وتعرف تعمل كل حاجة!
شيماء رفعت راسها ووشها أحمر من الغل وزعقت ماشي يا أميرة.. حسابنا معاكي بعدين!

رديت عليها بضحكة عالية لما تخلصي بس مسح السيراميك يا شوشو ابقي تعالي حاسبيني!
توفيق مشى خطوتين وكأنه كان هيطلعلي، بس حماتي شدته من إيده وهي بتقول بقلة حيلة سيبك منها يا توفيق.. سيبك منها دلوقتي وخلينا في المصيبة اللي احنا فيها!
دخلت جوة وأنا حاسة إن ناري بردت.. دي أول خطوة في الدرس، واليومين اللي جايين هخليهم يلفوا حولين نفسهم عشان يعرفوا قيمة أميرة اللي كانت شايلة البيت كله ومحدش كان بيقولها شكراً!
عدى أسبوع كامل، وأنا قافلة عليا باب شقتي، ومقاطعة السوشيال ميديا، وعاملة البلوك المتين لكل أطراف العيلة المحترمة.

كنت صاحية الصبح رايقة، بعمل فنجان القهوة بتاعي وببص من ورا الشيش.. المشهد تحت كان كفيل يخليني أضحك من قلبي.
ياسمين وشيماء نازلين طالعين على السلم، وشوشهم مخطوفة، وضهرهم اتقوس من كتر شيل كرتونة من هنا وشنطة من هناك. وحماتي قاعدة على الكرسي في المدخل، ماسكة عصاية وبتشوح بيها يمين وشمال، وبتزعق بصوتها الأجش أسرعي يا بت منك ليها! العفش لسه متبهدل جوة والأوض تضرب تقلب! أومال فالحين بس في قعدة التكييف وطلب الدليفري؟
شيماء رمت الكرتونة اللي في إيدها على الأرض بزهق وقالت وهي بتنهج جرى إيه يا ماما! هو احنا شغالين عندك؟

ما احنا بقالنا أسبوع على الحال ده وضهرنا اتكسر! فين أميرة الهانم اللي كانت بتشيل الهيلة دي كلها ومبتنطقش؟ روحي هاتيها تفرشلك!
حماتي برقت لها وقالت بغل أميرة مين يا مقصوفة الرقبة! أميرة قفلت بابها وباعت لأخوكي الهدوم في الشارع وفضحتنا.. شدوا حيلكم أنتوا ورجليكم فوق رقبتكم!
في اللحظة دي، شفت توفيق جاي من برة، شايل في إيده أكياس أكل جاهز، وشه كان باهت، والهم راكبه من ساسه لراسه.

بقاله أسبوع نايم تحت عند أمه على مرتبة في الأرض وسط الكراكيب، وهدومه متبهدلة ومش مفرودة، وعرف قيمتي وقيمة اللقمة النضيفة والهدوم المغسولة والمتعطرة اللي كانت بتجيله لحد عنده وهو حاطط رجل على رجل.
توفيق رفع عينه فجأة وبص ناحية بلكونتي.. لمحت في عينه نظرة كسر وندم، بس كبريائه وعناده لسه مسيطرين عليه.
دخلت جوة الصالة، وفجأة لقيت الباب بيخبط.. بس الخبطة المرة دي كانت هادية، مفيهاش الرزع والبلطجة بتاعة أول يوم. قومت وقفت ورا الباب وقولت بنبرة ناشفة مين؟
جاني صوته مخنوق ومكسور من ورا الباب أنا يا أميرة.. توفيق.

افتحي يا بنت الناس عايز أتكلم معاكي كلمتين.. احنا مش عيال صغيرة عشان نعمل في بعض كده قدام الجيران.
مفتحتش الباب، وفضلت واقفة مكاني وقولت ببرود الكلام خلص يا توفيق يوم ما قولتلي روحي بيت أبوكي، ويوم ما كنت عايزني أنزل أطبخ لعشر رجالة صنايعية وأمسح وأفرش وأنا لسه ضهري مكسور في شقتي. روح لست الكل وأخواتك الهوانم خليهم يخدموك ويخدموا

أمك.
توفيق سكت ثواني، وأخد نفس طويل وقال بنبرة فيها رجاء لأول مرة في حياته أمي تعبت يا أميرة، وإخواتي مش مستحملين وبيتشاكلوا معاها كل دقيقة والبيت يضرب تقلب، وأنا بقالي أسبوع مش عارف أنام ولا عارف أشوف شغلي.. أنا غلطت لما قولتلك سيبي البيت، ودي شقتك وحقك عليا.. افتحي بقى وخلينا نلم الموضوع.
ضحكت بصوت مسموع وقولتله تؤ.. لسه يا توفيق. لسه ملمستش غير قشرة بسيطة من التعب اللي أنا عشته سنين لوحدي وأنا شايلة بيتك وأهلك ومحدش بيقولي شكراً.. عايزني أفتح والامور ترجع؟ يبقى تسمع شروطي، وتنفذها وحرف مش هينقص منها!
زعق بس بنبرة مكتومة عشان أمه متسمعش شروط إيه تاني؟ أنتي هتذليني؟
قولتله بمنتهى الثبات اعتبرها زي ما تعتبرها.. شروطي هي اللي هترجعلي كرامتي، ولو مش عاجبك.. السلم يفرّت لورل، وانزل كمل فرش مع أخواتك!
سمعته اتنهد تنهيدة طويلة ورا الباب، حاسس بالورطة ومبقاش قدامه مفر. رد عليا وهو بيكتم غيظه قولي يا أميرة.. إيه هي شروطك؟ اخلصي وفضّيها سيرة.
أخدت نفس عميق وقولتله بنبرة واضحة ومفيهاش قبول للنقاش
أولاً يا توفيق، شقتنا دي خط أحمر. أمك وأخواتك ييجوا ضيوف فوق دماغي، بس بكرامتي وبميعاد، ومحدش فيهم يمد إيده على حاجة في البيت ولا يطلب مني كباية مية، ييجوا معززين مكرمين ويمشوا معززين مكرمين، ولما ييجوا أخواتك.. يقفوا معايا في المطبخ ويشيلوا زي ما أنا بشيل، مفيش قعدة هوانم تاني.
ثانياً، مصروف البيت هيتضاعف، والقرش اللي كنت بتدفعه لرفاهية أخواتك، بيتك وولادك أولى بيه.
ثالثاً بقى، وهو الأهم.. أنت بنفسك هتنزل دلوقتي تحت قدام أمك وأخواتك، وتقولهم إنك غلطت في حقي، وإن الشقة دي شقتي ومحدش ليه حكم عليا، وتعتذر لي قدامهم زي ما صغرتني قدام الصنايعية.. وتجيبلي طقم ذهب محترم صالح صلح ورضا، تمن أعصابي اللي حرقوتها الأسبوع ده!
توفيق صوته علي شوية من الصدمة طقم ذهب واعتذار قدام أمي؟ أنتي بتلوي دراعي يا أميرة؟
رديت عليه بمنتهى البرود أنا مبلويش دراع حد يا ابن الناس، أنا بشتري كرامتي وبحط حدود للي جاي عشان نعيش صح. مش عاجبك؟ الباب مقفول وكالونه متقفل، وانزل نام تحت وسط الكراكيب، وخلي الهوانم يطبخلو لك!
سكت توفيق تماماً، ومبقاش سامعة غير صوت نفسه العالي ورا الباب. كان بيفكر ويحسبها.. من ناحية كبريائه وعناد أمه، ومن ناحية تانية التعب والمرمطة والبيت اللي يضرب تقلب تحت، وضياع مراته وبيته اللي كان متستف ومترتب.
وفجأة، سمعت صوت خطواته وهي بتتحرك وبتبعد عن الباب.. ونزل السلم.
قولت في بالي طب والله برافو عليك، لسه برضه هتعاند؟ ماشي يا توفيق، خليك تحت شوية كمان لحد ما تستوي على الآخر.
رجعت قعدت مكاني وكملت شرب قهوتي وابتسامة النصر على وشي. مرت حوالي ساعتين، والدنيا هديت خالص تحت، وفجأة.. سمعت صوت زعاق وخناقة لرب السماء قايدة في شقة حماتي!
طلعت بسرعة البلكونة ووقفت ورا الشيش أسمع.. كان صوت توفيق وهو بيزعق لأخواته بأعلى صوته أنا قرفت من عيشتكم! بقالنا أسبوع مش عارفين ناكل لقمة نظيفة ولا ننام زي الخلق! الشقة زبالة والهدوم متبهدلة، وأنتوا قاعدين تندبوا حظكم ومش طالع من إيدكم حاجة! أميرة كانت شايلانا كلنا ومسمعناش لها صوت.. أنا رايح أصالح مراتي ورجلي فوق رقبتي، واللي مش عاجبه ياخد بعضه ويرجع بيت أبويا القديم!
سمعت صوت حماتي وهي بتصوت وتلطم على صدرها يا خيبتك في ابنك يا فوزية! البت لوت دراعك وكسرت عينك وخليتك تقف ضد أمك وأخواتك!
توفيق سابهم وخرج ورزع الباب وراه، وشفته في الشارع وهو راكب تاكسي وماشي بسرعة.
عرفت فوراً إنه رايح مشوار مهم.. رايح لمحل الصاغة! ضحكت من قلبي وقولت يا مسهل يا توفيق.. لما نشوف الذهب وهيئتك وأنت جاي تعتذر، ساعتها بس هفكر أفتحلك الباب!
عدت ساعتين كمان، وأنا قاعدة في صالوني الجديد، حاطة رجل على رجل وبسمع مشغل أغاني شغال في الخلفية بصوت هادي، وبستمتع بكل لحظة هدوء وراحة كنت محرومة منها سنين.
على الساعة عشرة بالليل، سمعت خطوات توفيق على السلم.. بس المرة دي كانت خطوات تقيلة، خطوات واحد جاي شايل هموم الدنيا فوق كتافه، وكبريائه مكسور.
وقف ورا الباب، وخبط تلات خبطات هاديين ومنتظمين. قومت وقفت ورا الباب وقولت ببرود وثبات مين؟
جاني صوته واطي ومكتوم أنا توفيق يا أميرة.. افتحي.
قولتله عملت إيه في الشروط اللي قولتلك عليها يا توفيق؟ عشان لو مجرد جاي تجادل، وفر خطوتك وانزل.
سمعته بيتنهد تنهيدة حارة طلعت من عبو قلبه، وقال نفذت كل اللي أنتي عايزاه يا أميرة.. افتحي الباب بقى عشان الجيران والنبي، مش ناقصة فضاير أكتر من كده.
فتحت الترباس، وفتحت الباب بس سبت السلسلة محطوطة، وبصيت عليه من فتحة الباب. كان واقف وشه في الأرض، وإيده اليمين ورا ضهره، وإيده الشمال شايلة علبة قطيفة حمراء صغيرة مبهجة.
بصيت للعلبة ورفعت حاجبي والشرط التاني؟
توفيق بلع ريقه، وبص يمين وشمال على السلم يتأكد إن مفيش حد من الجيران طالع ولا نازل، وبعدين قال بصوت مسموع وواضح أنا نزلت تحت قدام أمي وإخواتي البنات.. وقولتلهم إنك ست البيت ومحدش ليه حكم عليكي، وإن الشقة دي شقتك وأنتي حرة فيها، وقولتلهم إنك شيلتينا سنين وحقك ترتاحي.. وأنا أسف يا أميرة، غلطت في حقك وصغرتك، وحقك عليا ورقبتي أهي.
أنا
السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

زر الذهاب إلى الأعلى