حماتي رفعت إيديها عشان بالقلم، بس الدنيا وقفت فجأة لما مسكت مِعصم إيديها في الهوا بقوة. بصيت في عينيها وقلت بكل برود: “حد هنا وبس! من اللحظة دي.. حياتكم ومشاكلكم ماليش دعوة بيها، اخرجوا من حياتي…
حماتي رفعت إيديها عشان بالقلم، بس الدنيا وقفت فجأة لما مسكت مِعصم إيديها في الهوا بقوة. بصيت في عينيها وقلت بكل برود: “حد هنا وبس! من اللحظة دي.. حياتكم ومشاكلكم ماليش دعوة بيها، اخرجوا من حياتي!” طول عمره “عشا الخميس” في بيت حمايا كان بيحسسني إني داخلة محكمة، والقاضي فيها واخد قرار بإعدامي من قبل ما أنطق بكلمة. من يوم ما اتجوزت “أحمد”، وحماتي “الحاجة ثريا” حطاني في دماغها. أي حاجة بعملها غلط في نظرها؛ شغلي “واخدني من بيتي”، طبخي “أكل جيل دلوع ميعرفش السمنة البلدي”، وحتى صوتي الهادي كانت بتشوفه “تِناكة وقلة ذوق”.
أحمد كان بيشوف ده كله، بس كان بيعمل نفسه مش واخد باله، ويقولي معلش دي ست كبيرة وبتحبك زي بنتها.. “أعذار حافظينها طبعاً”. الكاتبه نور محمد في الليلة دي، الجو كان مشحون زيادة عن اللزوم. كنا قاعدين على السفرة، الأكل مرصوص بس ملوش طعم، والسكوت هو اللي سايد. الحاجة ثريا كانت بتشرب الشاي وبتبصلي بنظرات تخوف، وكل شوية ترمي كلمة تسمّ البدن. لما فتحت سيرة إن أنا وأحمد بنفكر ننقل في شقة قريبة من شغلي عشان المشوار بقى يهدّ حيلي، رزعط كوباية الشاي على الصينية.
قالت بصوت عالي: “ده بعينك! إنتي عايزة تخطفي ابني وتوديه في آخر الدنيا؟ كفاية عليا إنك ممشياه وراكي زي الخاتم في صباعك!” حاولت أمسك أعصابي وقلت: “يا طنط إحنا كبرنا، وده قرار بيخصنا إحنا الاتنين، وبندرس الظروف مش أكتر.” ديقت عينيها وقالت بغل: “ظروف؟ إنتي فاكرة إن ليكي كلمة في البيت ده؟ إنتي هنا عشان تسمعي وتنفذي وبس!” أحمد فضل باصص في طبقه وساكت، كأنه مش موجود.
التفتت حماتي لسلفتي “مروة” وضحكت بمرارة وقالت: “شوفتي يا مروة؟ البت فاكرة نفسها بقى ليها صوت وبقت فرد من العيلة بجد!” الكاتبه نور محمد هنا الصبر خلص. قلت بهدوء مرعب: “أنا فعلاً فرد من العيلة دي، بس أنا مش جارية عند حد، ومش هسمح لأي مخلوق يكلمني بالأسلوب ده تاني.” الحاجة ثريا قامت وقفت فجأة لدرجة إن الكرسي اتنطر لورا: “إنتي بتردي عليا يا بت؟ في بيتي وبتردي عليا؟” رديت: “أنا مش برد، أنا بس بحط حدود لقلة الأدب.
” كلمة “حدود” دي كانت زي البنزين اللي اتحط على النــ,,ـــــار. رفعت إيديها فجأة.. الزمن بطأ.. شوفت أحمد وهو بيرفع عينه أخيراً.. بس بعد فوات الأوان. شوفت مروة وهي بتشهق وبتحط إيدها على بوقها. وقبل ما كف الحاجة ثريا يلمس وشي، جسمي اتصرف لوحده. مسكت إيدها في الهوا.. قفشتها قفشة عمري ما كنت أتخيل إني أقدر أعملها. البيت كله سكت، حتى صوت الهوا انقطع. قلت وصوتي ثابت زي الصخر: “كفاية.. لحد كدة وكفاية قوي.” بصتلي وهي مبرقة ومش مصدقة إن “الكنة” الهادية عملت كدة.
نفضت إيدها من إيدي ورجعت خطوة لورا. قلت ببرود: “من اللحظة دي، حياتكم وقصصكم بره حساباتي.. اللي بينا انقطع.” أحمد قام وهو بيترعش وقال: “إنتي بتعملي إيه؟ إنتي اتجننتي؟” بصيت له بكسرة عين وقلت: “أنا ماشية.. ومش راجعة تاني، والبيت ده مش عتباه طول ما أنا عايشة.” نزلت على السلم وأنا مش شايفة قدامي، دموعي مكنتش دموع ضعف، كانت دموع “تحرر”. أحمد حصلني قبل ما أركب تاكسي، كان نهجه مقطوع ووشه أصفر. مسك إيدي وقال: مسك إيدي وقال بنبرة فيها رجاء مخاليط بخوف: “إنتي رايحة فين يا ندى؟
تعالي نطلع فوق ونحل كل حاجة بالهدوء، أُمي ست كبيرة ومش قصدها، وحقك عليا أنا!” شدّيت إيدي منه بقوة وأنا بصلة في عينيه بكل حسم، بصة حسّسته لأول مرة إنه بيتكلم مع واحدة غريبة تماماً عنه: “حقك عليا دي تقولها لما تتكب كوباية شاي بالغلط، مش لما أمك ترفع إيدها تتمد عليا وأنت قاعد جنبها زي الصنم! ارجع لأمك يا أحمد، ارجع للبيت اللي فاكر إن الكرامة فيه تتدافع بثمن الأكل والشرب.” ركبت التاكسي ورزعت الباب ورايا. السواق بصلي في المراية باستغراب من منظري، دموعي كانت نازلة بتكوي وشي بس ونين السكوت جواه صوت انتصار.
طول الطريق لبيت أهلي، وشريط السنين الأخيرة بيمر قدام عيني؛ السكوت على الكلمات المسمومة، المواعيد المفروضة، الخناقات المفتعلة على أصغر التفاصيل، ونظرات الحاجة ثريا اللي كانت دايماً بتحسسني إني مجرد دخيلة مالهاش أي قيمة. بس الليلة دي، القفشة اللي قفشتها لإيدها وهي طايرة في الهوا، كانت القفشة اللي قطعت بيها غاز الخوف جوايا. وصلت بيت أهلي، فتحتلي أمي ودخلت من غير ما أتكلم. أول ما شافت وشي والشنطة الصغيرة اللي كنت شايلاها، فهمت كل حاجة من غير ما أنطق بكلمة.
اترعشت إيدي وأنا بشرب كوباية المية اللي جابتها لي، وقعدت حكيت لها كل كلمة وكل حركة حصلت في “عشا الخميس” شؤم ده.
أمي اتنهدت بوجع وقالت: “يا بنتي أنا طول عمري أقولك استحملي عشان بيتك وعشان أحمد، بس توصل لإيد تترفع؟ لأ لحد هنا والخط أحمر. اللي يفرط في كرامتك مرة، يبيعها كل يوم.” في نفس الوقت، في بيت الحاجة ثريا، كانت القيامة قائمة ومقعدة. الحاجة ثريا كانت قاعدة على الكنبة الكبيرة، بتتنفس بصعوبة ووشها جايب ألوان، ماسكة معصم إيدها اللي علم عليه مسكة إيدي. مروة سلفتي كانت واقفة في الزاوية، جابت كوباية مية بليمون وتقدمها بحذر، وعينيها رايحة جاية بين حماتها وبين أحمد اللي دخل البيت وهو بيخبط رجليه في الأرض زي المجنون.
قالت الحاجة ثريا بصوت مبشوح وهي بتمرغ إيدها: “شفت؟ شفت المتربية اللي جايبها من البيت اللي مش عارف ينظمها؟ مسكت إيدي! البت السنيورة كانت هتعلم عليا في بيتي وأمام سلفتها! دي قلة أدب ولازم تتربى، تطلقها يا أحمد! تطلقها النهاردة قبل بكرة!” أحمد مسك رأسه بإيديه الاتنين وقعد على الكرسي قبالها، بصوت خايب ومتلخبط: “أطلق مين يا أمي؟ إنتي اللي رفعتِ إيدك تضــ,,ـــــربيها! ندى مهندسة ومتربية في بيت ناس، ما ينفعش تمدي إيدك عليها كدة أمام الناس كلهم! إحنا كبرنا المشكلة من لا شيء!” قامت الحاجة ثريا فجأة وزعقت بغل: “إنت بتدافع عنها؟
بتغلط أمك عشان واحدة غريبة؟ ما أنت اللي طمعتها فينا! من يوم ما قبلت إنها تطلع شغلها وتتأخر وتتشرط علينا وهي فاكرة إن ليها كلمة! لو ما جابتهاش تحت رجلي هنا تبوس جزمتي وتستسمحني، لا أنت ابني ولا نعرفك!” مروة سلفتي دخلت في الخط بهمس سموم: “والله يا سي أحمد أنا اتصدمت.. ندى طول عمرها هادية، بس الحركة اللي عملتها الليلة دي تبين إنها كانت شايلة كتير ومستنية اللحظة دي.. دي بصت لعماتي ببرود يخوف!” أحمد بصلهم هما الاتنين، وحس لأول مرة بإنه محصور في مصيدة.
طوال السنين اللي فاتت، كان بيقنع نفسه إن سكوته هو “حكمة” عشان يحافظ على البيت، بس الليلة اكتشف إن السكوت ده هو اللي وصل الأمور للانفجار. مرت الأيام الثلاثة اللي بعد دــ,,ـــــادثة الخميس بطيئة وثقيلة زي الجبل. أحمد حاول يتصل بيا عشرات المرات، تبع رسايل اعتذار، وتوسلات، ووعود إنه هيصلح كل حاجة وإنه مستعد ينقل في الشقة الجديدة اللي كنا بنفكر فيها. بس أنا مكنتش برود على أي مكالمة ولا بفتح أي رسالة. الكسر لما بيحصل في الثقة والأمان، ما بيتلمش بكلام معسول في رسايل واتساب. في اليوم الرابع، نزلت شغلي عادي.
كنت حاسة إن العمل هو المكان الوحيد اللي بيرجعلي قيمتي واستقلاليتي. زمايلي في الشغل لاحظوا إني متغيرة ومطفية، بس كابرت وكملت يومي. وأنا طالعة من باب الشركة الساعة أربعة العصر، تفاجأت بأحمد واقف مستنيني جنب عربيته. كان باين عليه التعب، عينيه تحتها هالات سودة، وقميصه مش مكوي كعادتها لما بكون معاه. أول ما شافني، قرب عليا بسرعة وشال شنطته من على كتفه. وقال بصوت واطي ومكسور: “ندى.. أرجوكي اديني خمس دقائق بس، نتكلم في أي مكان هادي. مش قادر أعيش من غيرك، والبيت من غيرك بقى زي المقبــ,,ـــــرة.” بصيت له بثبات وقسوة مكنتش أعرف إنها جوايا:
“أنا قلتلك كل اللي عندي يا أحمد في ليلة الخميس. اللي بينا انقطع.” مسك إيدي بلهفة: “طب تعال نقعد في الكافيه ده، أرجوكي، لو ليا خاطرك عندك ولو بسيط.” بدأ أحمد كلامه بنبرة مهزومة: “ندى، أنا عارف إني أخطأت.. عارف إني سكت كتير، بس والله العظيم أنا بحبك. أمي ست شديدة ومتربية على طبع قديم، فاكرة إن الكنة لازم تطيع كل حاجة. أنا اتكلمت معاها وقيلتلها إنها غلطت في حقك.” ابتسمت بسخرية ومرارة: “قلتلها؟
بعد إيه يا أحمد؟ بعد ما رفعت إيدها عشان تضــ,,ـــــربني بالقلم؟ أنت عارف يعني إيه ست ترفع إيدها على ست تانية بحجم سنك ومقامك؟ وعارف يعني إيه جوزها يقعد يتفرج وكأنه يتفرج على مسرحية؟ إنت ما حركتش ساكن غير لما أنا مسكت إيدها! إنت اتحركت عشان دفاعي عن نفسي صدمك، مش عشان كرامتي اتجرحت!” نزل رأسه في الأرض وقال بصوت خافت: “أنا مستعد نعمل كل اللي إنتي عايزاه.. نهجر البيت، ننقل في الشقة الجديدة فوراً، ومش هخليكي تشوفي أمي ولا تحضري ‘عشا الخميس’ ده تاني أبداً.
أرجوكي ارجعيلي، أنا ضايع من غيرك.” بصيت له بعمق، وسألت السؤال اللي كان بياكل في قلبي: “وأمك؟ لما تعرف إنك نقلت عشان أرضيك، هتعمل إيه؟ هتقول إني خطفتك، وهتفضل تضغط عليك، وأنت في أول اختبار هتضعف وترجع تلومني إني بعدتك عن أهلك. أحمد.. المشكلة مش في الشقة، ولا في الحاجة ثريا.. المشكلة فيك إنت.”