آدم بص للشاشة، وبعدين بصلي وبص للدكتور نبيل والمحامي، وفتح الاسبيكر من غير ما ينطق بحرف واحد. صوت رامي كان طالع مخنوق، مكسور، والغطرسة اللي كانت فيه من كام ساعة اختفت تمامًا. “آدم… اسمعني يا ابني. إحنا دم واحد، ماينفعش اللي بيحصل ده. رئيس مجلس إدارة المجموعة كلمني من شوية وقال لي إن العقود الجديدة وقفت، وإن اسمي بيتشال من مناقصة التجمع بسبب الفيديو اللي اتقال فيه إن ابني اتبرأ من اسمي. يا آدم دي خراب بيوت ليا وليك، ما هو نجاحي ده هو اللي كان هيأمن مستقبلك!”
آدم رد بصوت هادي، بس أشد من الكرباج: “مستقبلي اتأمن خلاص يا رامي بيه، بس بتعبي وبتعب أمي وبمنحة الجامعة اللي مجهودي جابها، مش بفلوسك ولا بمظاهرك الكدابة. وإنت مبقاش ليك عندي أي كلام.” رامي صرخ بنبرة رجاء: “طب خلّي أمك ترد عليا.. يا مريم! عشان خاطر الـ ١٨ سنة اللي عشناهم، قولي للواد يلم الموضوع، وأنا مستعد أكتب له الشقة نهائي ومحدش هيقرب لها، وداليا ترجع بيتها ومعززة مكرمة بس نطلع نعمل بيان إن كل ده كان سوء تفاهم.”
أخدت التليفون من إيد آدم، وبصيت لداليا اللي كانت واقفة ومربطة إيدها ومستنية ردي. قلتله: “يا رامي، الـ ١٨ سنة اللي بتتكلم عنهم دول أنا عشتهم لوحدي وأنا بخيط هدوم للناس وريحة المطهرات في إيدي، إنت عشتهم بتدور على نفسك في مكان تاني. وشقة آدم هي بتاعته بقوة القانون مش بمنّ منك، وداليا مش هترجع لك لأنها خلاص عرفت إنك بتبيع أقرب الناس ليك عشان كرسيك ومنظرتك. إنت اللي عملت الفضيحة لنفسك يوم ما طردتني ورا، واللي بيزرع قسوة يا رامي… بيحصد خراب. سلام.”
وقفلت السكة في وشه وعملت بلوك نهائي. الدكتور نبيل ابتسم وطبطب على كتف آدم: “عفارم عليكم.. بكره يا باشمهندس آدم مستنيك في مكتب العميد الساعة تسعة الصبح عشان تمضي عقود التعيين وتستلم جدولك. ومدام مريم… إنتي المفروض يتعمل لك حفل تكريم في الجامعة كأموية مثالية للعام ده.” شكرته من كل قلبي، وودعنا الدكتور والمحامي ونزلنا. وإحنا راجعين في العربية، داليا كانت بتبص من الشباك ودموعها نازلة بس المرة دي كانت دموع راحة، بصت لي وقالت: “أنا عمري ما شفت ست زيك يا مريم. أنا لو مكانك كنت شمتّ فيا وسبتيني في الشارع.”
قلت لها وأنا ماسكة إيدها: “يا داليا، الدنيا دي دوارة، ويوم ليك ويوم عليك. والمهم الواحد لما يقف على رجليه ما يدوسش على حد. إنتي من النهارده أختنا، لحد ما تاخدي كل حقوقك وتبدأي حياتك من جديد برأس مرفوعة.”
نجلاء شغلت كاسيت العربية على أغنية مبهجة، وقالت وهي بتسوق: “بقولكم إيه.. رامي عزت وبقى ماضي، والجامعة وبقت في الجيب، إحنا نعدي على محل حلواني كبير، نجيب تورتة تليق بالباشمهندس آدم ونروح نحتفل في شقتنا، ومن بكره نجهز لنقل العفش لشقة التجمع الكبيرة اللي آدم هيعيشنا فيها.”
آدم لف دراعه حوالين كتفي وهو قاعد ورا في العربية، وقال: “الشقة دي هتبقى جنة يا أمي، ومفيش مخلوق هيقدر يدخلها ولا يعلي صوته عليكي فيها تاني.” وصلنا منطقتنا في مدينة نصر، ولما نزلنا من العربية، جيراننا في الشارع، البقال والمكوجي وأم محمد جارتنا، كلهم كانوا واقفين يسقفوا لآدم ولما شافونا زغرطوا وهنونا. المنطقة كلها كانت حاسة بانتصارنا، كأن آدم ابنهم كلهم. طلعنا السلم وإحنا بنضحك، وفتحت باب الشقة البسيطة وأنا حاسة إن الحيطان نفسها بتتبسم لنا. حطينا التورتة على السفرة، وآدم راح وقف قدام الشهادة وقبعة التخرج الزرقا اللي فوق التلفزيون.
بص لي وقال: “ماما… تفتكري رامي هيسكت بعد ما قفلنا في وشه كل الأبواب؟” بصيت لآدم وقلت له بعيون قوية: “يسكت أو ما يسكتش يا آدم.. إحنا مبقاش في حاجة تخوفنا. اللي بنى الساس يستحمل الهدد، وإحنا ساسنا قوي بأصلنا وتعبنا.” لكن وإحنا بنقطع التورتة، جرس الباب رن تاني، ونجلاء لما بصت من العين السحرية، لفت وشها لينا وهي مبرقة عينيها من الصدمة وقالت: “مريم… دي الست الكبيرة.. أم رامي!” أمي وأم رامي… الست “صفية”.
الست اللي عمري ما شفت منها كلمة طيبة طول سنين جوازي من ابنها، الست اللي كانت دايمًا تبصلي من فوق لتحت وكأنني حتة خادمة دخلت عيلتهم بالغلط. كانت واقفة ورا الباب، وبمجرد ما نجلاء فتحت، دخلت وهي ساندة على عصايتها الأبنوس الفخمة، ولابسة عبايتها السوداء الحرير اللي بتجر وراها. ملامحها ما كانش فيها الكبرياء بتاع زمان، كان فيها نظرة انكسار، النظرة اللي بتيجي للأمهات لما يحسوا إن ولادهم ضيعوا نفسهم وضيعوا اسم العيلة في الأرض.
أول ما دخلت، عيونها جت في عيون داليا اللي كانت قاعدة، وبعدين بصت لآدم اللي وقف بطوله كأنه جبل، ومسك إيدي بقوة. الست صفية قعدت على أول كرسي قابلها من التعب، واتنهدت تنهيدة طويلة طلعت من ضلوعها، وقالت بصوت مهدود: “أنا جيتلك يا مريم… وجيت لآدم.” نجلاء وقفت ومربعة إيدها وقالت بنبرة حادة: “أهلاً يا طنط صفية. خير؟ جايين تكملوا حفلة إمبارح؟ ولا جايين تطردونا من شقتنا هنا كمان؟” الست صفية رفعت إيدها بالراحة لنجلاء عشان تسكتها، وبصتلي أنا وقالت:
أنا ماليش عين أتكلم يا مريم. ورامي ابني غلط، وغلط غلطة عمره اللي مش هيقوم منها. إمبارح بالليل لما عرفت باللي حصل في الحفلة، وضغطي عليّ ونقلوني المستشفى، رامي جالي وهو بيعيط زي العيل الصغير. الراجل اللي كنتوا فاكرينه إمبراطور، مهدد بالحبس يا مريم.” كلنا انتبهنا، وآدم قرب خطوة وعقد حواجبه: “حبس إيه؟” الست صفية بصت لآدم ودموعها نزلت:
“يا آدم يا ابني… أبوك من كتر جشعه والمظاهر اللي كان عايش فيها، كان بيمضي على شيكات ووصولات أمانة للمجموعة الاستثمارية الكبيرة اللي بيتعامل معاها عشان يدخل المناقصة الجديدة. الدكتور نبيل الشافعي لما وقف التعامل معاه بناءً على كلامك إمبارح، الشركة طالبت رامي بسداد الشيكات فورًا، وقيمتها ملايين. رامي ملوش سيولة، كل فلوسه في عقارات وأراضي مش عارف يبيعها. بكره الصبح لو الشيكات دي ما اتسددتش أو الدكتور نبيل ما وافقش على مهلة، أبوك هيترمي في السجن بتهمة النصب وتبديد أموال الشركات.”
داليا حطت إيدها على بقها من الصدمة، ونجلاء همست: “سبحان المذل المعز… يوم ليك ويوم عليك يا رامي.” الست صفية اتجهت ليا، ومسكت إيدي، الست الكبيرة اللي كانت بتبصلي بقرف، كانت بتبوس إيدي دلوقتي وهي بتعيط:
“عشان خاطر ربنا يا مريم… أنا عارفة إني قسيت عليكي، وعارفة إن ابني داس على قلبك وسابك في عز تعبك. بس رامي لو اتسجن، اسم العيلة كله هيتمسح، وآدم ابنك نفسه هيتأذي لما يتقال إن أبوه مسجون. كلمي الدكتور نبيل يا مريم… خليه يدي رامي مهلة يبيع أرض ويسدد، وباسمي أنا… الشقة اللي في التجمع هتنازل لآدم عن نصيبي في الأرض اللي تحتها، وهكتب ل داليا كل مؤخرها ونفقتها كاش من مجوهراتي أنا، بس رامي ما يدخلش السجن.”