وكان أوضح.
كريم قاعد في كافيه مع صاحبه.
وبيضحك وهو بيقول: — استنى بس ليلة الفرح… هعمل فيها مقلب يخلي الناس كلها تضحك عليها سنين.
صاحبه ضحك وقال: — وهتعمل إيه؟
رد كريم: — هرميها في البسين بالفستان… أصلها مغرورة أوي وفاكرة نفسها أميرة.
وبعدين قال الجملة اللي خلت أمي تنهار من العياط: — لازم أكسر عينها من أول يوم… علشان تعرف مين السيد في العلاقة.
كل اللي في المكان بصوا له باحتقار.
الضحك اختفى تمامًا.
بقى واقف وسط الناس كأنه عريان.
وأنا لأول مرة حسيت إني شايفة حقيقته كاملة.
الحقيقة اللي كنت برفض أشوفها من شهور.
افتكرت كل مرة كان يقلل مني بهزار قدام الناس.
كل مرة كان يسخر من لبسي أو شكلي بطريقة خفيفة.
كل مرة كنت أقول: “أكيد مش قصده.”
لكن الحقيقة؟
إنه كان يقصد كل حاجة.
كريم جري عليا بعصبية: — إنتي فتشتي موبايلي؟!
قلت بهدوء: — لا… إنت اللي بعتلي الفيديوهات دي بنفسك بالغلط.
اتجمد مكانه.
لأن ده كان حقيقي.
قبل الفرح بأسبوع… كان سكران وبعتلي تسجيلات كتير بالغلط بدل صاحبه.
ولما سمعتهُم…
حسيت إن الأرض اتشقت تحتي.
لكن بدل ما أواجهه…
قررت أستنى.
أستنى اللحظة اللي يبين فيها حقيقته قدام الكل بنفسه.
وهو عمل ده بإيده.
قدام ٢٠٠ شخص.
أبويا قرب منه أخيرًا.
وقال بصوت مرعب من الهدوء: — لو ماخرجتش من هنا حالًا… أقسم بالله هنسى إني راجل كبير.
كريم بص حواليه.
كان مستني حد يدافع عنه.
أي حد.
لكن حتى أصحابه كانوا محرجين يبصوا في وشه.
واحدة من قرايبه قالت: — إنت مريض.
وواحد صاحبه هز راسه وقال: — اللي عملته وسخ بصراحة.
كريم بصلي بكره وقال: — إنتي دمرتي حياتي.
ضحكت لأول مرة.
رغم كل حاجة.
وقلت: — لا يا كريم… إنت اللي دمرت حياتك بنفسك.
ثم مسكت دبلتي.
وخلعتها قدام الجميع.
وحطيتها في إيده.
قلت: — الجوازة دي انتهت قبل ما تبدأ.
وأنا متأكدة إن صوت الكلمة دي وجعه أكتر من أي فضيحة.
لأن كريم كان طول عمره مهووس بصورته قدام الناس.
ودي كانت نهايته الحقيقية.
خرج من الفرح وسط نظرات الاحتقار.
واحد من العمال فتحله الباب الخلفي لأنه ماقدرش يعدي وسط المعازيم.
أما أنا…
فوقفت وسط الفوضى بفستاني المبلول وشعري البايظ.
والمفروض إني أكون منهارة.
لكن الغريب…
إني حسيت براحة.
راحة عمري ما حسيتها.
كأن البسين اللي وقعني فيه غسل عنيا من الوهم.
أمي جريت حــ,,ـــــضنتني وهي بتعيط: — حقك عليا يا بنتي… إحنا اللي وثقنا فيه.
حــ,,ـــــضنتها وقلت: — الحمد لله إن الحقيقة ظهرت بدري.
أبويا كان ساكت.
قرب مني ببطء.
وقال: — أنا فخور بيكي.
الجملة دي وحدها خلت دموعي تنزل لأول مرة.
لأن أبويا عمره ما كان بيعرف يعبّر بسهولة.
وفجأة…
واحدة من المعازيم بدأت تسقف.
ثم واحدة تانية.
ثم الناس كلها.
التصفيق كان عالي بشكل غريب.
مش شفقة.
لكن احترام.
احترام لبنت رفضت تنكسر.
واحدة من صحباتي صرخت: — والله تستاهل أحسن منه!
والناس بدأت تتكلم وتضحك وتستوعب اللي حصل.
حتى الـ DJ رجع شغل الموسيقى تاني بشكل هادي.
وأختي الصغيرة قربت مني وقالت: — طب وإحنا هنعمل إيه دلوقتي؟
بصيت للبسين.
ثم للفستان الغرقان.
وضحكت.
قلت: — هنكمل الفرح.
الكل اتصدم.
لكنّي كنت أقصدها فعلًا.
لأني رفضت أسيب أسوأ ليلة في حياتي تتحول لهزيمة.
بعد ساعة…
كنت لابسة فستان أبيض بسيط جابهولي المصمم الاحتياطي.
شعري اتربط بطريقة ناعمة.
والميكب اتظبط بسرعة.
ونزلت تاني للجنينة.
ولأول مرة الليلة دي…
كنت حرة.
برقص مع صحابي.
بضحك بجد.
من غير ما أكون خايفة من نظرة كريم أو سخريته.
وفي نص الرقص…
لمحت أبويا بعيد واقف يتفرج عليا.
وعيونه مليانة دموع.
عرفت وقتها إنه كان حاسس بالذنب.
يمكن لأنه وافق عليه بسرعة.
يمكن لأنه ماشفش حقيقته.
لكن الحقيقة؟
ولا واحد فينا كان يقدر يعرف.
الناس المؤذية أحيانًا بيبقوا شطار جدًا في التمثيل.
بعد الفرح بأيام…
الفيديوهات كانت في كل مكان.
لأن واحد من المعازيم سربها.
والناس على السوشيال ميديا قلبت عليه بشكل ضخم.
شركته بدأت تبعده عن الاجتماعات.
وعقود كتير اتلغت.
أما أنا…
فاخدت شهر كامل بعيد عن أي حد.
كنت محتاجة أرجع أعرف نفسي من جديد.
وفي يوم…
وصلني بوكس صغير من غير اسم.
فتحته بحذر.
لقيت جواه الكعب الأبيض اللي ضاع مني في البسين.
ومعاه ورقة مكتوب فيها: “الملكة الحقيقية لا يغرقها أحد.”
ابتسمت رغم نفسي.
وماعرفتش مين بعت الرسالة.
لكنها كانت كفاية تخليني أقفل الصفحة الأخيرة من الحكاية دي للأبد.
يتبع