مكان لا يعرفه. قالت له وقتها: أنا تعبت يا كريم. لم يرفع عينه من شاشة اللابتوب إلا نصف رفعة وقال: من إيه؟ كل حاجة عندك. بيت، عربية، حساب مفتوح، خدم، سفر، اسم. ضحكت وقتها ضحكة صغيرة ميتة وقالت: بالضبط… كل حاجة عندي إلا جوز. لم يفهم، أو ربما رفض أن يفهم. كان يظن أن الحب مسؤولية مادية، وأن الأمان يعني بطاقة بنكية بلا حدود، وأن المرأة التي لا تحتاج إلى المال لا يحق لها أن تشكو. ثم قالت الجملة التي غرسها في صدره كسكــ,,ـــــين: في حد تاني عرف يسمعني. حينها لم يسألها من هو بقدر ما سألها بسخرية: غني؟ قالت بهدوء:
غني بما يكفي إنه يشوفني. وبعدها انتهى كل شيء. الآن، بعد تسعة أشهر، لم يكن كريم متأكدًا من أي كلمة قالتها. وصل إلى مكتبه في البرج الزجاجي بعد منتصف الليل. كان المكان خاليًا إلا من الحراسة، والمصاعد تلمع تحت إضاءة بيضاء باردة، والمدينة من حوله تبدو كأنها لا تنام. دخل مكتبه، ألقى مفاتيحه على الطاولة، ووقف أمام الزجاج الواسع ينظر إلى القاهرة كأنه يبحث عن جواب بين الأضواء. بعد أقل من ساعة، دخل إيهاب رجب دون أن يطرق كثيرًا. رجل أربعيني، ملامحه ثابتة، يرتدي بدلة رمادية بلا أي تفصيل زائد، يحمل في يده ملفًا أسود وجهازًا لوحيًا. قال بهدوء:
بدأت أجمع اللي قدرت عليه بسرعة يا فندم. كريم لم يلتفت. اتكلم. فتح إيهاب الملف وقال: ليلى حمدي لم تغادر مصر خلال آخر سنة. لا سفر لأوروبا، لا خروج من المطار، لا أي ختم. كريم استدار ببطء. كرر: لم تغادر مصر؟ أيوه. ولا في رجل أعمال أوروبي مسجل في حياتها، على الأقل مفيش تحويلات، مفيش حجوزات، مفيش سكن، مفيش أي أثر. شعر كريم كأن الغرفة انخفضت درجة حرارتها فجأة. اقترب من المكتب وقال: كمل. إيهاب تابع: بعد الطلاق بأسبوعين تقريبًا، خرجت من الشقة اللي حضرتك سايبهالها في الزمالك. ليه؟ عقد الإيجار اتلغى. مين لغاه؟ صمت إيهاب لحظة كأنه يختار كلماته.
والدتك يا فندم. تجمد كريم. أمي؟ إيهاب أومأ: مدام ناهد السيوفي أرسلت محامي وأنهى كل الترتيبات بحجة إن الشقة ضمن أملاك العائلة وإن مدام ليلى لم يعد لها صفة. كريم شعر بغضب بارد يتحرك داخله، لكنه قال بصوت منخفض: وأنا ماعرفتش ليه؟ لأن الموضوع اتعمل من خلال مكتب العائلة، مش شركتك. وفي نفس الفترة، حسابها الشخصي اتجمد عليه مبلغ كبير بسبب قضية شيك. قضية شيك؟ أيوه. شيك ضمان كانت ماضيته لشخص اسمه طارق منصور. مدير المطعم؟ نفس الشخص. كريم اقترب أكثر: يعني إيه؟ إيهاب قال: لسه بجمع، لكن واضح إنه استغل احتياجها.
هي بدأت شغل في مطعم ليالي النيل من حوالي خمسة شهور. قبلها اشتغلت في مغسلة ملابس شهر، وبعدها في مخزن حلويات. كلها شغل مؤقت. كريم جلس ببطء على كرسيه كأن ساقيه لم تعودا تحملانه. ليلى، التي كانت تختار عطورها بعناية، التي كانت تعرف أسماء الرسامين والكتب، التي كانت تكره رائحة المنظفات القوية لأنها تؤذي صدرها، اشتغلت في مغسلة ومخزن ومطعم وهي حامل. قال بصوت خرج كالفحيح: وملفاتها الطبية؟ إيهاب وضع ورقة أمامه. أول زيارة حمل مسجلة كانت من حوالي ثمانية شهور ونصف. التاريخ قريب جدًا من آخر أسبوع قبل الطلاق. كريم أمسك الورقة، وعيناه تثبتتا على السطور دون أن يقرأها حقًا.
قال: يعني ممكن يكون ابني. إيهاب لم يرد. كريم رفع عينه: قولها. ممكن. ساد صمت طويل. ثم قال إيهاب: وفي حاجة تانية. كاميرات المطعم الخلفية أظهرت طارق وهو بيهددها أكتر من مرة. وفي تسجيل صوتي من كاميرا داخل المخزن، بيقول لها بالحرف: لو كريم عرف حاجة، هتندمي. كريم رفع رأسه فجأة. إيهاب ضغط على الجهاز اللوحي، وخرج صوت مشوش لكنه واضح بما يكفي. صوت طارق يقول بغل: فاكرة نفسك تقدري تلعبي على الكبار؟ انتي هتفضلي هنا لحد ما تدفعي كل مليم، ولو فكرتي تفتحي بقك لحد، هخلي الطفل اللي في بطنك يتولد في الشارع. ثم صوت ليلى ضعيفًا: حرام عليك…
أنا ماخدتش منك غير اللي قلت عليه إيجار وتأمين. فضحك طارق: وإمضتك؟ نسيتي إمضتك يا ست ليلى؟ كريم أغلق الجهاز بيده بقوة حتى كاد يكسره. وقف فجأة، وكان الغضب في وجهه لا يشبه الغضب الذي يعرفه الناس عنه في الصفقات. هذا كان أعمق، أقدم، مشوبًا بالذنب. قال: هاتلي عنوانها. إيهاب تردد. كريم صاح لأول مرة: عنوانها يا إيهاب. بعد عشر دقائق كان كريم في سيارته مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن يقود إلى برج فاخر أو مطعم مضاء بالثريات. كان يقود إلى شارع ضيق في أطراف مدينة نصر، بناية قديمة، سلمها مظلــ,,ـــــم، ومدخلها تفوح منه رائحة رطوبة وطبخ وزيت محترق.
وقف أمام العمارة غير مصدق. هذه المرأة كانت زوجته. نامت يومًا في غرفة ملابس أكبر من هذه الشقة كلها. صعد السلم بسرعة، وفي الدور الرابع سمع صوت سعال خفيف خلف باب خشبي متآكل. طرق الباب. لم تفتح فورًا. طرق مرة أخرى. جاء صوتها من الداخل، مرتعبًا: مين؟ قال بصوت خافت: أنا. طال الصمت. ثم سمع حركة بطيئة، وبعدها انفتح الباب قليلًا. ظهرت ليلى أمامه بوجه شاحب، وقد بدلت زي المطعم بعباءة قطنية واسعة، وشعرها غير مرتب، وعيناها حمراوان من التعب. أول ما رأته حاولت إغلاق الباب، لكنه وضع يده عليه. قالت بحدة مرهقة: امشي يا كريم. قال: مش همشي.
فتحت الباب أكثر وهي تحاول أن تبدو قوية: أنت عايز إيه؟ جايلك في نص الليل ليه؟ نظر خلفها فرأى الشقة الصغيرة. كنبة قديمة، مروحة تصدر صوتًا مزعجًا، أكياس أدوية فوق طاولة خشبية، وكوب ماء نصف ممتلئ. لم ير ذهبًا ولا أثرًا لرجل أوروبي ولا حياة جديدة. رأى فقط نجاة يوم بيوم. قال بصوت مبحوح: ليه كذبتي؟ ضحكت بمرارة: كذبت في إيه؟ قال: ما سافرتيش. مفيش راجل أوروبي. مفيش حد سابك لما عرف إنك حامل. وجهها تبدل فورًا. قالت بغضب وخوف: إنت بتراقبني؟ قال: آه. ولأول مرة مش ندمان. عيناها امتلأتا بالدموع لكنها تماسكت: اطلع بره. قال وهو يقترب خطوة: الطفل ابني؟
وضعت يدها على بطنها لا إراديًا. كانت هذه الحركة وحدها جوابًا أقوى من الكلام. لكنه أراد أن يسمعها. قال بصوت مكسور: انطقي يا ليلى. ده ابني؟ أدارت وجهها بعيدًا. قال: بصيلي. لم تفعل. اقترب أكثر، لكن ليس بقسوة، بل برجاء لم تعرفه منه من قبل. قال: ليلى… أنا بس عايز الحقيقة. ارتجف ذقنها، ثم قالت بصوت منخفض جدًا: الحقيقة ما بقتش تنفع. قال: تنفع. قالت فجأة وهي تنظر إليه بوجع: تنفع لمين؟ ليك؟ لكبرياءك؟ لاسم عيلتك؟ للولد اللي فجأة افتكرت إنه ممكن يبقى ابنك؟ أنت فين كنت لما كنت أنا بحاول أقف على رجلي ومش قادرة؟
فين كنت لما أمك طردتني من الشقة؟ فين كنت لما كنت بدوخ في الشارع ومش لاقية حق كشف الدكتور؟ فين كنت لما كنت بشتغل وأنا بطني بتتقل عليا يوم بعد يوم؟ صرخ كريم: ماكنتش أعرف! ردت عليه بنفس الانكسار: لأنك ماحاولتش تعرف! سكت. كانت الجملة صفعة حقيقية. لم تكن قاسية لأنها ظالمة، بل لأنها دقيقة. طوال تسعة أشهر، أقنع نفسه أنها خانته، فارتاح لكراهيتها. الكراهية كانت أسهل من السؤال. قال بعد صمت طويل: ليه قولتي إن فيه راجل تاني؟ ارتجفت عيناها، وجلست على طرف الكنبة كأنها لم تعد قادرة على الوقوف.
يتبع